الجزيرة.نت - 10/14/2026 9:23:51 AM - GMT (+3 )
تفتح التفاهمات الأمريكية الروسية بشأن توريد الديزل بابا لفهم العلاقة بين أسعار الوقود في الولايات المتحدة، والتعامل مع ملف الطاقة الروسية، والضغط على أوكرانيا لوقف استهداف منشآت الطاقة. ويتمثل السؤال المحوري في مدى الترابط بين هذه المسارات، وحجم التحول الذي تعكسه في السياسة الأمريكية.
تقارير الصحافة الصينية قدمت مؤشرات واضحة على تداخل المصالح ودوافعها، مع توقعات محدودة بوجود صفقة شاملة. لكنها أثارت تساؤلا مهما للمشترين الآخرين حول ما إذا كانت هذه التفاهمات المستجدة ستمنحهم وضوحا بشأن التعامل مع الطاقة الروسية؛ أم أنها ستزيد التباس القواعد ومخاطر تطبيقها الانتقائي؟
يبدأ التسلسل الذي تعرضه صحيفة هوان تشيو في 18 سبتمبر/أيلول، حين وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قانون غراهام لمعاقبة روسيا وإيران، والذي يمنحه فرض رسوم ثانوية تصل إلى 100% على دول تستورد الطاقة الروسية.
وفي 9 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن ترمب تفاهمه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على توفير أكثر من 300 ألف طن من الديزل فورا للولايات المتحدة والأسواق العالمية، تليها 500 ألف طن في نوفمبر/تشرين الثاني ومليون طن خلال فترة قصيرة. كما تورد الصحيفة كمية إضافية تبلغ 3 ملايين طن يرتبط تسليمها بأوضاع قطاع التكرير الروسي.
وتقتضي قراءة هذه الأرقام التمييز بين عمليات شراء النفط الروسي وبين موضوع الاتفاق -أي الديزل- بوصفه منتجا مكررا، كذلك تظل الكميات المعلنة مختلفة عن الشحنات المثبت تسليمها؛ فالتقديرات المتعلقة بموعد وصول الوقود تعكس توقعات التنفيذ، دون أن تؤكد اكتماله.
وفي 11 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن ترمب وقفا لإطلاق النار في مجال الطاقة. وبحسب صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست، أفادت كييف بأنها لم تكن مطّلعة على التفاهم، فيما استمرت الضربات الروسية لمحطات الكهرباء.
إعلان
بينما نقلت صحيفة بكين اليومية عن مسؤولين أوروبيين تهديد واشنطن بتعليق تبادل المعلومات الاستخبارية ووقف آلية لتوريد الأسلحة، بهدف حمل أوكرانيا على إنهاء ضرباتها للمنشآت الروسية.
وقود وانتخاباتجانغ تشي:
إمكانية استمرار تفعيل العقوبات الثانوية ضد مستوردين كبار بعد الاتفاق، حتى مع استفادة الولايات المتحدة نفسها من الطاقة الروسية، تجعل من اعتبار الصفقة ضمانة للمشترين الآخرين أمرا صعبا
تربط صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست الاتفاق بارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة الأمريكية واقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي المحددة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني. ويرى ما بو، الأستاذ المشارك في العلاقات الدولية بجامعة نان جينغ، أن التفاهم يحمل طابعا تبادليا، وربما يمثل إجراء مؤقتا يعاد النظر فيه بعد الانتخابات.
ويتقاطع ذلك مع تقدير لين بوتشيانغ، مدير المعهد الصيني لدراسات سياسات الطاقة بجامعة شيامن، الذي وصف الاتفاق، في حديث نقلته صحيفة هوان تشيو، بأنه مناورة طارئة قبيل الاستحقاق الانتخابي. وتعرض الصحيفة أيضا آراء خبراء روس يشككون في كفاية الكميات لخفض الأسعار الأمريكية بدرجة كبيرة، مع احتمال تأثير الإعلان في توقعات السوق والمضاربة، معتبرين أن الأثر الرئيسي للاتفاقية في بُعدها الجيوسياسي.
وبذلك، تتباين مستويات تأثير الاتفاق بين وعد ترمب بانخفاض سريع للأسعار، والأثر الفعلي الذي تظل الأدلة بشأنه محدودة، والعائد السياسي لتقديم الاتفاق باعتباره استجابة لضغوط المعيشة، في حين قد تتجاوز قيمة الإعلان الانتخابية والدبلوماسية أثره المباشر في الإمدادات.
حدود الاستثناءتنقل صحيفة هوان تشيو عن تقارير غربية أن الاتفاق يتضمن تعليقا لعقوبات صادرات الطاقة الروسية لمدة 6 أشهر، ويسمح لموسكو ببيع الديزل بأسعار السوق. ومع ذلك، لا يوجد نص تنظيمي يحدد نطاق التعليق وشروطه والجهات المستفيدة منه، وهو ما يفرض التحفظ عند تقدير مداه القانوني والتجاري.
وتبرز هنا أهمية الفصل بين السماح بمعاملة محددة وتغيير السياسة العامة تجاه كبار المشترين، فالإعفاء المرتبط بتوريد الديزل قد يخفف الضغط على موسكو ضمن نطاقه، بينما تبقى معاملات أطراف أخرى معرضة لإجراءات مختلفة.
وينبّه جانغ تشي، الباحث بمركز الصين المعاصرة والعالم في جامعة هونغ كونغ، وفق ما نقلته صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست، إلى إمكانية استمرار تفعيل الرسوم أو العقوبات الثانوية ضد مستوردين كبار بعد الاتفاق، حتى مع استفادة الولايات المتحدة نفسها من الطاقة الروسية، وبالتالي صعوبة اعتبار الصفقة ضمانة للمشترين الآخرين.
تقدم ساوث تشاينا مورنينغ بوست صورة لحذر صيني يستند إلى تقلب السياسة الأمريكية، ويرى تسوي هونغ جيان، رئيس قسم دراسات الاتحاد الأوروبي في جامعة بكين للدراسات الأجنبية، أن التقييم يتوقف على ما إذا كان الاتفاق سيبقى تدبيرا طارئا أم ستستخدمه موسكو مدخلا لتفكيك أوسع للعقوبات.
ويشير تسوي إلى استمرار حاجة روسيا إلى السوق الصينية، الأمر الذي يحدّ من توقعات حدوث أثر مباشر وكبير في تجارة الطاقة بين البلدين. أما جانغ تشي فيرى أن اتفاقية توريد الديزل تنطوي على "تناقض ذاتي"، وأن "قانون غراهام" قد يتحول إلى ورقة تفاوض مع روسيا والصين والهند.
إعلان
وعليه، ينبغي على بكين قراءة التقارب الأمريكي الروسي باعتباره مرونة انتقائية تخدم مصلحة أمريكية آنية، مع احتفاظ واشنطن بأدوات الضغط على الآخرين.
تكتسب العلاقة بين تأمين الوقود والدعم العسكري وزنا يتجاوز التزامن، إذ يربط تقرير صحيفة بكين اليومية التهديد بتعليق التعاون الاستخباراتي وآلية التسليح بمطلب وقف استهداف منشآت الطاقة الروسية.
والآلية المقصودة هي قائمة الاحتياجات ذات الأولوية لأوكرانيا، تمولها دول أوروبية لشراء أسلحة أمريكية، ما يمنح واشنطن نفوذا عبر التحكم بالتوريد رغم تحمّل أوروبا التكلفة.
ومع ذلك، يبقى تفسير هذه الضغوط باعتبارها استعدادا للتخلي عن أوكرانيا تقديرا منسوبا إلى الضابط الأمريكي دانيال ديفيس، حسب ما أوردته الصحيفة.
في المقابل، يقدم تشن يو، نائب مدير معهد الدراسات الأوراسية في معاهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة، قراءة أكثر تحفظا، مرجحا استخدام التهديد كسلاح تفاوضي في ضوء الكلفة السياسية الداخلية وضغوط الحلفاء الأوروبيين.
اعتراضات ومعايير وغموضتعرض صحيفة هوان تشيو اتهامات الإعلام الهندي لواشنطن بالنفاق وازدواج المعايير، وانتقادات حلفاء يرون في التحرك المنفرد إضعافا للتوافق بشأن العقوبات. وبينما تكشف هذه المواقف أزمة ثقة تجاه واشنطن، فإنها تمنح نيودلهي حجة سياسية للدفاع عن تأمين احتياجاتها من الطاقة.
وتظل آثار هذه الحجج منفصلة عن الوضع القانوني للمعاملات، فاتهام الإدارة الأمريكية بمخالفة القانون، أو مطالبة قوى أوروبية بعقد اتفاقات مماثلة، يعبر عن مواقف سياسية تحتاج ترجمتها العملية إلى قرارات وقواعد واضحة.
حيث ترجّح التقارير وجود ترابط وظيفي بين محاولة خفض أسعار الوقود، وفتح قناة روسية لتوريد الديزل، والضغط لحماية منشآت طاقة من هجمات قد تؤثر على قدرتها في تأمين الإمدادات. أما الاستنتاج بوجود تخفيف شامل للعقوبات أو قرار نهائي بوقف دعم أوكرانيا، فهو أمر يتجاوز الواقع وحيثيات الاتفاق.
وتتمثل الدلالة الأعمق في اتساع مساحة المساومة بين ملفات الطاقة والعقوبات والتسليح، إذ تمنح هذه المرونة موسكو فرصة تفاوضية، ولكنها تضع المشترين الآخرين أمام بيئة أشد غموضا، فكل استثناء جديد يكشف قابلية القواعد للتعديل، بينما يظل نطاق الحماية التي يوفرها للآخرين رهن براغماتية الطاقة وخطاب "أمريكا أولا".
إقرأ المزيد


