رجلان وامرأتان ضد الهجرة وأوكرانيا.. انتخابات قد تمنح اليمين مفاتيح أوروبا
الجزيرة.نت -

خلال عام واحد، تتجه 4 من أكبر 5 دول في الاتحاد الأوروبي إلى صناديق الاقتراع؛ إسبانيا أولًا، ثم فرنسا وبولندا وإيطاليا. وفي الدول الأربع، يقف اليمين القومي أو المتطرف على عتبة السلطة، أو يمسك بها بالفعل وينتظر تثبيتها.

وتصف صحيفة فايننشال تايمز البريطانية المشهد بأنه "دورة انتخابية فائقة" لم تعرف أوروبا مثل كثافتها منذ جيل، لا بسبب تقارب المواعيد وحده، بل لأن الانتخابات تأتي على وقع اتجاهات متشابهة: تآكل الولاءات الحزبية القديمة، واتساع الميل نحو اليمين، وسقوط الحواجز التي كانت تفصل الوسط المحافظ عن التحالف مع أقصى اليمين.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

أما ناتالي توتشي، الأستاذة في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز في بولونيا، فتكتب في مقال رأي بصحيفة غارديان البريطانية أن أوروبا كانت، حتى الآن، محصنة نسبيا من الانقلاب السياسي الشامل الذي يمكن أن تصنعه انتخابات رئاسية واحدة في الولايات المتحدة.

فتعدد الحكومات واختلاف توجهاتها كانا يبددان أثر أي موجة منفردة. لكن هذا التوازن قد ينكسر إذا مالت عواصم كبرى عدة إلى الاتجاه نفسه في وقت واحد.

قادة دول الاتحاد الأوروبي خلال قمة في بروكسل (أسوشيتد برس)
تراكم نتائج الصناديق

الصعود اليميني ليس جديدًا على أوروبا. وتشير غارديان إلى أن أحزابًا قومية ومتطرفة دخلت حكومات وائتلافات منذ سنوات، وأن اليمين ويمين الوسط باتا قادرين معًا على تشكيل أغلبية داخل البرلمان الأوروبي في بعض الملفات، خصوصًا الهجرة والمناخ. لكن هذا التحول ظل موزعا جغرافيا ومتفاوتا سياسيا، فلم ينتج حتى الآن انقلابًا موحدًا في مسار الاتحاد.

الجديد هذه المرة هو احتمال تراكم الانتصارات بدلا من تفرقها.

فإذا وصلت زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف مارين لوبان، إلى الرئاسة الفرنسية، وثبتت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني حكمها في إيطاليا ضمن ائتلاف أشد يمينية، وعاد حزب "القانون والعدالة" إلى السلطة في بولندا، وتشكلت في إسبانيا حكومة تجمع الحزب الشعبي و"فوكس"، فلن تكون أوروبا أمام 4 تحولات وطنية منفصلة، بل أمام كتلة سياسية قادرة على تغيير ميزان الاتحاد من داخله، بحسب الكاتبة.

إعلان

وتقول توتشي في غارديان إن هذه الحكومات، ومعها حلفاء أصغر، قد لا تملك الأغلبية المؤهلة لقيادة الاتحاد، لكنها تستطيع تشكيل أقلية مانعة تكبح أي اندفاع جديد نحو التكامل في ملفات الدفاع والطاقة والمال والتكنولوجيا.

كما قالت، في حديثها مع فايننشال تايمز، إن اجتماع اليمين القومي في السلطة داخل الدول الأربع قد يعني "نهاية الاتحاد الأوروبي كما عرفناه".

إسبانيا (29 نوفمبر)

تفتح إسبانيا هذه الدورة في 29 نوفمبر/تشرين الثاني، بعدما دعا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى انتخابات مبكرة إثر أزمة برلمانية أطاحت بحزمة إصلاحات سكنية كان يعول عليها.

وبحسب فايننشال تايمز، تمنح الاستطلاعات الحزب الشعبي المحافظ وشريكه المحتمل "فوكس" أغلبية واضحة، بما قد ينهي 8 أعوام من الحكم الاشتراكي ويفتح الباب أمام دخول اليمين المتطرف الحكومة المركزية في مدريد. والحزب الشعبي نفسه لم يغلق باب التحالف مع "فوكس"، وهو يحكم معه بالفعل في عدد من الإدارات الإقليمية.

مارين لوبان تتصدر السباق الرئاسي في انتخابات تعدها فايننشال تايمز الأثقل أثرًا على مستقبل الاتحاد (غيتي)
فرنسا (أبريل-مايو 2027)

ثم تأتي فرنسا، التي تصف فايننشال تايمز انتخاباتها الرئاسية في أبريل/نيسان ومايو/أيار 2027 بأنها قد تكون الأكثر أثرًا في الدورة كلها. وتتبع الانتخابات الرئاسية انتخابات برلمانية في الصيف.

فالصحيفة تقول إن مارين لوبان تتصدر السباق بوضوح، فيما يبدو خصومها التقليديون منقسمين وعاجزين عن بناء زخم مضاد.

ورغم سنوات من محاولة "تنظيف" صورة حزب "التجمع الوطني"، لا تزال لوبان تحمل برنامجًا تصادميًا مع الاتحاد الأوروبي؛ فهي تريد خفض مساهمة فرنسا في ميزانية الاتحاد بنحو 11 مليار يورو، والانسحاب من سياسة اللجوء الأوروبية المشتركة، ومنح القانون الفرنسي أولوية على تشريعات الاتحاد.

وترى فايننشال تايمز أن فوز لوبان سيختلف في ثقله عن تجربة ميلوني؛ فرئيس فرنسا يملك تفويضًا وصلاحيات تجعل صوته حاسمًا داخل المجلس الأوروبي، الذي يضم قادة الدول الـ27 ويحدد التوجه الإستراتيجي للاتحاد، وقد يحول ثاني أكبر قوة في الاتحاد من ركيزة في مشروعه إلى قوة اعتراض في قلبه.

بولندا (خريف 2027)

في بولندا، قد يعود حزب "القانون والعدالة" الذي حكم البلاد بين 2015 و2023، لكن المشهد لم يعد يدور حوله وحده.

وتقول فايننشال تايمز إن الحزب انقسم وخسر أصواتًا لمصلحة قوى تقع إلى يمينه، في مقدمتها "كونفدراتسيا" و"كونفدرالية التاج البولندي". ومع ذلك، تجمع الأحزاب اليمينية الأربعة نحو 47% من التأييد في استطلاع حديث، ما يبقي احتمال عودتها إلى الحكم قائما في انتخابات الخريف المقبل.

وترصد الصحيفة هنا ظاهرة تتكرر في دول أخرى: لم يعد اليمين المتطرف يضغط على الوسط فقط، بل بات يضغط على اليمين التقليدي والقومي نفسه، ويدفعه إلى تشديد مواقفه حتى لا يخسر ناخبيه لمنافسين أكثر راديكالية.

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني خلال قمة أوروبية في كرواتيا (الفرنسية)
إيطاليا (قبل ديسمبر 2027)

إيطاليا مختلفة؛ فاليمين يحكمها بالفعل. لكن غارديان وفايننشال تايمز يطرحان سؤالًا بشأن ما إذا كانت جورجا ميلوني ستبقى على النهج البراغماتي الذي اتبعته في بروكسل إذا تغيرت البيئة السياسية حولها.

إعلان

فميلوني التزمت حتى الآن بالقواعد المالية الأوروبية، وتعاونت مع المفوضية، وساندت أوكرانيا. لكن فايننشال تايمز تقول إنها تواجه ضغطًا من قوى تقع إلى يمينها، وقد تضطر في الانتخابات المقبلة إلى إشراك حزب "المستقبل الوطني" بقيادة الجنرال السابق الموالي لروسيا روبرتو فانّاتشي في ائتلافها.

وترى ناتالي توتشي في غارديان أن اعتدال ميلوني النسبي ارتبط جزئيا بوجودها وسط قادة أوروبيين أكثر وسطية. فإذا استُبدل ببعض هؤلاء قادة أقرب إليها أيديولوجيًا، فقد تتغير حساباتها هي الأخرى.

ليسوا جبهة واحدة

ولا يعني هذا أن اليمين الأوروبي كتلة متماسكة، فمواقفه تختلف في ملفات عدة، وفي مقدمتها العلاقة مع روسيا وأوكرانيا، كما تتوزع أحزابه على 3 كتل داخل البرلمان الأوروبي.

لكن فايننشال تايمز ترصد بينهم تقاطعا في نقد الليبرالية والعولمة، واستثمار الأزمات المتعاقبة، ورفع شعار "الأولوية لشعبنا" على المهاجرين والمؤسسات العابرة للحدود، إلى جانب الموقف من دعم أوكرانيا، وتوظيف الفضاء الرقمي وخوارزمياته التي تعزز الخطاب الاستفزازي.

ويقول مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية مارك ليونارد، للصحيفة إن هذه الأحزاب تراقب بعضها بعضًا وتتعلم من نجاحاتها، من الشعارات إلى الحملات إلى استخدام الإعلام الجديد. ويصبح هذا التعلم أخطر، وفق قراءة توتشي، إذا بلغ عدد كاف منها السلطة في الوقت نفسه.

وقد تكون أوكرانيا أول الملفات التي تدفع الثمن؛ إذ تشير فايننشال تايمز إلى أن لوبان تريد وقف معظم المساعدات الثنائية لكييف، وتشكك في العقوبات على روسيا، وترفض انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد، في وقت يتحدث فيه محللون عن إرهاق سياسي وشعبي متزايد من دعمها.



إقرأ المزيد