الجزيرة.نت - 10/13/2026 9:06:48 PM - GMT (+3 )
على مدى عقود، بدا وكأن التحالف بين طرفي الأطلسي وثيق لا ينفصم، وثابت لا يتزعزع، لكن ما بعد ترمب ليس كما كان قبله، فالانتقادات المتبادلة بين الضفتين تزايدت بشكل غير مسبوق، وحديث الخلاف أصبح أعلى صوتا من أحاديث الاتفاق.
لن نعود بعيدا لنقول إن الولايات المتحدة هي ابنة أوروبا، فقد قالها الأمريكيون أنفسهم مرات كثيرة، كان آخرها على لسان وزير الخارجية ماركو روبيو خلال مؤتمر ميونخ للأمن الذي استضافته ألمانيا في فبراير/شباط الماضي.
لكن تكفي الإشارة إلى ذلك التحالف الذي تأسس بين الجانبين عقب الحرب العالمية الثانية، ثم تعزز خلال الحرب الباردة التي انتهت بانهيار الاتحاد السوفيتي، بينما ازدادت قوة التحالف الغربي تحت القيادة الأمريكية.
لكن الانقلاب الذي شهده العالم مع بداية عام 2025 بعودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، طال حتى هذه العلاقة الوثيقة، فبعد أن كان الفتور هو أسوأ ما يُتوقع أن يعتريها، إذا بالخلافات بل والانتقادات والاتهامات تتزايد لتعكّر صفو ما بين ضفتي الأطلسي من علاقات ووشائج.
صحيح أن السنوات السابقة شهدت بعض البدايات، لكن الأمر كان منحصرا في مطالبات أمريكية بين الحين والآخر، كي تزيد أوروبا حصتها في أعباء الدفاع، لكن هذا الخلاف نفسه تفاقم كثيرا مع عودة ترمب، فما بالك وقد أضيفت إليه خلافات عميقة تمتد من قضايا التجارة والطاقة، وتصل إلى حد السيادة الوطنية وهوية أوروبا نفسها.
هذا فيما يخص القضايا، أما عن اللغة فقد تحولت من المطالبة على استحياء أو حتى المطالبة الصريحة، لتصل إلى حد التهديد بفرض رسوم جمركية بل وضم أراضٍ، ناهيك عن المطالبة بمساندة خيارات عسكرية أمريكية مثل الحرب الحالية على إيران، فلم يتم استشارة الحلفاء الأوروبيين بشأنها ولم يُتحسب لآثارها السلبية عليهم.
لكن الصورة ليست قاتمة تماما، فالخلافات المتزايدة لم تمنع استمرار التعاون العسكري والاقتصادي، حيث شهد العام الجاري 2026 خطوات لتعزيز القدرات الدفاعية لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ودخول الاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ.
إعلان
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة:
- هل يريد الرئيس الأمريكي أوروبا قوية بما يكفي للدفاع عن نفسها أم ضعيفة بما يكفي للاحتفاظ بالنفوذ الأمريكي عليها؟
- وهل يسعى ترمب إلى إعادة تأسيس التحالف الغربي على قواعد تمنح واشنطن مكاسب أكبر والتزامات أقل؟
=
ربما تقدم وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي، التي نشرتها إدارة ترمب في ديسمبر/كانون الأول 2025، الإجابة الأكثر وضوحا عن طبيعة أوروبا التي تريدها واشنطن.
ضمن الوثيقة جاء فصل بعنوان "تعزيز عظمة أوروبا"، لكن المثير أن هذا الفصل حمل نبرة حادة وصدامية غير مألوفة، حيث ربط "عظمة أوروبا" بما أسماه ضرورة استعادة الهوية الغربية والمسيحية التقليدية، كما تضمن تشجيعا لمقاومة داخلية أوروبية تسعى إلى تغيير المسار الحالي.
لكنّ الأهم أن الوثيقة حددت أولويات السياسة الأمريكية تجاه أوروبا، كان من أبرزها:
- تحميل الأوروبيين المسؤولية الأساسية عن أمنهم.
- مطالبة حلفاء الناتو برفع إنفاقهم الدفاعي ليصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.
- ضرورة فتح الأسواق الأوروبية أمام السلع والخدمات الأمريكية وتجنب السياسات الحمائية.
- إنهاء الحرب في أوكرانيا وإعادة تهيئة ظروف الاستقرار الإستراتيجي مع روسيا وتقليل حدة العداء معها.
لا تدعو الإستراتيجية الجديدة إلى التخلي عن أوروبا، ولا تنفي أهميتها أو تؤيد خسارتها، لكنها ترسم لها صورة مطلوبة، تتمثل في قارة تتحمل مسؤولية أمنها، وتفتح أسواقها، وتشارك الولايات المتحدة أولوياتها الإستراتيجية، دون أن تتحول إلى قوة منافسة أو تقع تحت نفوذ خصوم واشنطن.
أما الجانب الأكثر إثارة للجدل، فيتمثل في الموقف من التطورات السياسية الداخلية الأوروبية، والترحيب بتنامي نفوذ الأحزاب التي وصفتها بـ"الوطنية"، فيما اعتبرها كثيرون إشارة إلى اليمين المتطرف والشعبوي في أوروبا، وهو ما يفتح بابا آخر للخلاف مع حكوماتها.
فاتورة الحمايةإذا أردنا العودة للخلاف الأساسي الأقدم والمتعلق بنصيب أوروبا من فاتورة حمايتها، فمن المهم الإشارة إلى أن إدارات أمريكية سابقة طالبت الأوروبيين بزيادة إنفاقهم العسكري، لكن ترمب قام بتصعيد اللهجة، ولم يتوقف عن انتقاد الأوروبيين بسبب اعتمادهم على المظلة الدفاعية الأمريكية، معتبرا أن بلاده تتحمل نصيبا غير عادل من تكاليف حماية القارة.
وقد أثمرت ضغوطه عن تحول مهم في قمة الناتو التي استضافتها لاهاي الهولندية أواخر يونيو/حزيران 2025، عندما وافق الحلفاء على رفع الإنفاق الدفاعي والأمني إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، مع تقسيمه إلى 3.5% للإنفاق العسكري الأساسي، و1.5% للنفقات المرتبطة بالأمن والبنية التحتية والقدرات الدفاعية.
ثم جاءت قمة الناتو في أنقرة يومي 7 و8 يوليو/تموز 2026 لتؤكد استمرار هذا التوجه، حيث أعلن الناتو أن الدول الأوروبية وكندا زادت إنفاقها على المتطلبات الدفاعية الأساسية بأكثر من 139 مليار دولار خلال عام 2025، كما أعلن الحلفاء مشتريات دفاعية جديدة تتجاوز 50 مليار دولار.
إعلان
ومع ذلك، فالسؤال لا يتعلق فقط بحجم الأموال التي ستنفقها أوروبا، بل بالجهة التي ستستفيد منها، فزيادة الموازنات العسكرية الأوروبية قد تعني توسيع مشتريات الأسلحة الأمريكية، وهو ما يصب في مصلحة واشنطن ويعزز ارتباط الجيوش الأوروبية بالتكنولوجيا العسكرية الأمريكية.
لكن في المقابل، يدفع اتجاه آخر داخل أوروبا نحو توجيه جزء أكبر من تلك الأموال إلى الشركات الأوروبية، بما يسمح ببناء قاعدة صناعية دفاعية قادرة على تقليل التبعية الخارجية.
المفارقة هنا أن ترمب يريد من أوروبا أن تتحمل مزيدا من الأعباء الدفاعية، لكنه يفضل أيضا أن تستفيد الصناعات الأمريكية من هذه الزيادة، بينما يريد الأوروبيون استخدام الإنفاق نفسه لتعزيز استقلالهم العسكري.
بالنسبة لرئيس بدأ حياته كرجل أعمال ولا يزال، فإن الاقتصاد لا يقل أهمية في حساباته التي تعتبر أن الدول الأوروبية تستفيد من الحماية الأمنية الأمريكية، وفي الوقت نفسه تحتفظ بفوائض تجارية كبيرة في تعاملاتها مع واشنطن.
فالمفوضية الأوروبية تقدر صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة بنحو 555 مليار دولار عام 2025، بينما تبلغ الواردات نحو 356 مليار دولار، وهو ما يعني فائضا أوروبيا يقترب من 200 مليار يورو، لكن يخفف منه وجود فائض للجانب الأمريكي في مجال الخدمات يصل إلى نحو 178 مليار دولار.
ولذلك مارس ترمب ضغوطا على الأوروبيين لينتزع اتفاقا على جمارك أمريكية بنحو 15% على معظم الصادرات الأوروبية، مقابل إلغاء الاتحاد الأوروبي الرسوم الجمركية على السلع الصناعية الأمريكية، فضلا عن عزم أوروبا شراء منتجات طاقة أمريكية تصل إلى 750 مليار دولار حتى عام 2028، واستثمارات إضافية بقيمة 600 مليار دولار، ومشتريات من رقائق الذكاء الاصطناعي الأمريكية لا تقل عن 40 مليار دولار.
صحيح أن هذه الأرقام هي أقرب إلى النوايا منها إلى الالتزامات المؤكدة، لكنها تكشف اتساع الطموحات من الجانب الأمريكي، مقابل سعي أوروبا لاحتواء خطر الحرب التجارية مع الحليف الأمريكي.
هيمنة أم لغة مصالح؟في الحقيقة يمكن التدليل على كل من الاحتمالين.
فمن جهة، تملك واشنطن مبررات أمنية واقتصادية للمطالبة بزيادة الإنفاق الأوروبي، خصوصا مع استمرار الحرب الأوكرانية وتصاعد المنافسة مع الصين، لكن الضغوط الأمريكية تجاوزت أحيانا الخلافات التقليدية، كما ظهر في أزمة غرينلاند التابعة لمملكة الدانمارك.
فقد كان غريبا وغير مألوف أن تشهد بداية العام الجاري تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية على دول أوروبية بسبب معارضتها مساعيه للسيطرة على الجزيرة الجليدية، قبل أن يتراجع عن تهديداته عقب محادثات مع الأمين العام للناتو مارك روته.
وأثارت الأزمة اعتراضات أوروبية لأنها تعلقت بسيادة دولة حليفة، وليس بمجرد خلاف تجاري أو أمني، ورأى البعض أنها محاولة لتوظيف التفوق الأمريكي من أجل انتزاع تنازلات سياسية واقتصادية.
ثم جاءت تطورات الحرب الروسية الأوكرانية لتقدم أحد أبرز مظاهر اختلاف الأولويات بين الحليفين الأمريكي والأوروبي.
فبالنسبة لدول مثل ألمانيا وبولندا ودول البلطيق، لا يتعلق الصراع بمستقبل أوكرانيا وحدها، وإنما بأمن القارة ومدى استعداد روسيا لاستخدام القوة لتغيير الحدود.
وفي المقابل، أعطى ترمب الأولوية لإنهاء الحرب عبر التفاوض، مع تقليل الأعباء الأمريكية المباشرة وزيادة المسؤولية الأوروبية عن دعم كييف.
الفجوة هنا في الأولويات، حيث ترغب واشنطن في التوصل السريع لوقف الحرب، بينما يريد الأوروبيون ضمانات أمنية تمنع تكرار الهجوم الروسي.
إعلان
وقبل أيام قلائل، فاجأت واشنطن حلفاءها باتفاق لاستيراد الديزل من روسيا وتخفيف القيود المفروضة عليه، وهو ما أغضب الأوروبيين وأعاد التساؤل عما إذا كان ترمب يريد تحديد شروط التسوية وفق مصالحه الخاصة دون النظر إلى مصالح الحلفاء ومخاوفهم.
وإذا كانت أوكرانيا تكشف اختلافا بشأن كيفية إنهاء الحرب، فإن إيران أظهرت خلافا أكثر مباشرة حول قرار المشاركة في الحرب نفسها.
فمع بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، ثم تفاقم الأزمة بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، طالب ترمب حلفاءه الأوروبيين بالمشاركة في تأمين الممر البحري، ملوّحا بعواقب على مستقبل الناتو إذا لم يستجيبوا.
لكن الحلفاء رفضوا الانخراط في العمليات العسكرية، ولم تتعامل دول مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا مع الطلب الأمريكي على أنه التزام تلقائي يفرضه التحالف.
كان لافتا مثلا حديث ألمانيا عن كونها لم تُستشر قبل اندلاع الحرب، وأن هذه ليست حربها، وإن كان هذا لا يعني أن الحلفاء رفضوا التعاون الأمني مع واشنطن، إذ استمر استخدام قواعد أوروبية في عمليات أمريكية، كما شاركت دول أوروبية في جهود مرتبطة بأمن الملاحة وإزالة الألغام.
لكن المحصلة كانت كشفا إضافيا للخلاف بشأن مفهوم التحالف: ترمب يريد من الأوروبيين المشاركة في تداعيات القرارات الأمريكية، وهم يؤكدون أن الدفاع المشترك لا يعني المشاركة تلقائيا في حروب لم يتفقوا عليها مسبقا.
استقلال أوروبي؟الضغوط الأمريكية دفعت الأوروبيين إلى إعادة طرح سؤال قديم: هل تستطيع القارة حماية نفسها دون الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة؟
وعلى الصعيد العملي، قدمت المفوضية الأوروبية في مارس/آذار 2025 خطة "إعادة تسليح أوروبا/الجاهزية 2030 "، التي تتيح المجال لتعبئة ما يصل إلى 800 مليار يورو للاستثمارات الدفاعية، وبعد عام أعلنت فرنسا وألمانيا تعزيز تعاونهما في مجال الردع النووي.
لكن الجزء المكمل للصورة يشير إلى أن أوروبا لا تزال تعتمد على الولايات المتحدة في مجالات حساسة، بينها الاستخبارات والقيادة العسكرية والدفاع الجوي والردع النووي.
كما تختلف العواصم الأوروبية بشأن مدى الاستقلال المطلوب؛ فبينما تدفع فرنسا باتجاه تعزيز السيادة الدفاعية، تتمسك دول شرق أوروبا، خصوصا القريبة من روسيا، بأهمية استمرار الوجود العسكري الأمريكي.
ولذلك، يبدو التوجه الحالي أقرب إلى تقليص التبعية وتوسيع حرية القرار الأوروبي منه إلى الانفصال الكامل عن المظلة الأمريكية.
مستقبل التحالفمن المهم هنا التأكيد على أن الوثائق الرسمية الأمريكية أو حتى تصريحات ترمب لا تدعو إلى التخلي الكامل عن أوروبا، وإنما إلى إعادة صياغة التحالف بشروط أكثر ملاءمة للمصالح الأمريكية.
ترمب أوضح بشكل صريح أنه يريد حليفا يتحمل النصيب الأكبر من مسؤولية الدفاع عن أراضيه، ويزيد إنفاقه العسكري، ويفتح أسواقه أمام المنتجات الأمريكية، ويوسع مشترياته من الطاقة والتكنولوجيا والسلاح، ويتقارب مع أولويات واشنطن الإستراتيجية.
لكن إحدى نتائج ذلك كانت تشجيع الأوروبيين على البحث عن استقلال أكبر في مجالات الدفاع والطاقة والتجارة والسياسة الخارجية.
وهنا تكمن المفارقة، في أن نجاح ترمب في دفع أوروبا إلى مساهمة أكثر وتحمل مسؤوليات أكبر سيعني في الوقت نفسه منحها استقلالا أكبر، بما يُمكّنها من مخالفة واشنطن ورفض بعض مطالبها.
وفي النهاية، لن يتحدد مستقبل التحالف فقط بما يريده ترمب من أوروبا، بل أيضا بمدى توحد مواقف الأوروبيين وقدرتهم على تحمّل التكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية للاستقلال النسبي.
وبشكل عام، يمكن تصور ثلاثة مسارات مستقبلية للتحالف عبر الأطلسي:
- استمرار إعادة التوازن داخل الناتو مع استمرار القيادة الأمريكية.
- توسع الاستقلال الأوروبي تدريجيا ضمن التحالف.
- تصاعد الخلافات التجارية والسياسية بما يضعف قدرة الطرفين على العمل المشترك.
وبين هذه السيناريوهات، وفي ظل مناخ عالمي متقلب ومتوتر، ستكون السنوات المقبلة بالتأكيد مسرحا لتشكل قواعد جديدة لتحالف ظل طوال أكثر من ثلاثة أرباع قرن أحد أبرز أعمدة النظام الدولي.
إقرأ المزيد


