غادر نصفهم.. كم بقي من مسيحيي غزة؟
الجزيرة.نت -

غزة – كان فؤاد على موعد مع طبق المعكرونة بالبشاميل الذي وعدته والدته ماري النجار بإعداده له فور عودته من المدرسة، لكن الغارة الإسرائيلية التي قتلتها ووالدتها ميساء أبو داود و3 آخرين فجر 3 أكتوبر/تشرين الأول الجاري في مدينة غزة، بدّلت حياته وتركت وعدها عالقا في ذاكرته.

يقلّب فؤاد (14 عاما) صور والدته على هاتفه، ويتوقف عند واحدة لها وهي مسجّاة في كفنها الأبيض، ثم عند صورة أخرى تظهر فيها مضرجة بدمائها. ثم يرفع رأسه ويسأل: "ما الذي فعلته أمي وجدتي حتى يُقتلا وهما نائمتان؟".

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

ويواصل الطفل الفلسطيني البحث حتى يصل إلى صورة الشقة التي استهدفتها 3 صواريخ، ويعبّر عن عجزه عن استيعاب ما حدث حتى اللحظة.

فادي النجار (يمين) وشقيقه فؤاد (وسط) فقدا والدتهما وجدتهما قبل أيام بقصف إسرائيلي على منزلهم (الجزيرة)
بين شهيد ومسافر

تركت ماري 3 أبناء؛ التوأمين فؤاد وإستر وشقيقهما الأصغر فادي، ومنذ ارتكب الاحتلال جريمة قتلها لم يعد بمقدورهم النوم وحدهم. ويقول فادي للجزيرة نت: "أوقظ والدي من النوم حتى عندما أود الذهاب إلى المرحاض، فمنذ قتل الاحتلال أمي تحولت حياتنا إلى كابوس". بينما يقول فؤاد إن من يعرفهم في قطاع غزة باتوا بين شهيد ومسافر، ويتساءل عن مستقبل لم يعد يرى فيه ما يتمسك به.

كانت ماري ووالدتها من آخر ضحايا المجتمع المسيحي في غزة حتى لحظة إعداد التقرير، ضمن حصيلة بلغت 62 شهيدا ارتقوا خلال الحرب، وفق تقديرات الكنيسة.

3 سنوات من حرب الإبادة تعاملت فيها "إسرائيل" مع الغزيين ككتلة واحدة دون تمييز بحسب الديانة، فقد كانت المدينة كلّها تحت النار، ووقف الفلسطينيون في القطاع جسدا واحدا في مواجهة المصير الواحد، ورزحوا تحت دائرة الألم والقتل والحصار والمجاعة.

وأمام هذا الواقع غادر مئات منهم القطاع بحثا عن النجاة، بينما اختار آخرون البقاء، رغم المخاطر التي تحيط بهم. لكن هذا النزيف لم يبدأ مع الحرب؛ فقد أخذت أعداد المسيحيين تتراجع على مدى سنوات، حتى بات السؤال عن مستقبل وجودهم في غزة أكثر إلحاحا.

دور آخر للكنيسة

وللاقتراب من الإجابة كان الطريق إلى كنيسة دير اللاتين، إحدى الكنيستين الرئيسيتين في قطاع غزة إلى جانب كنيسة القديس برفيريوس الأرثوذكسية، مدخلا إلى مجتمع تتجاوز قصته ما تقوله الأرقام.

إعلان

بات الدور المنوط بكنيسة دير اللاتين، التي تبعد أقل من 90 مترا عن الخط الأصفر، يتجاوز دورها البعد الديني إلى الجانبين الإنساني والتعليمي؛ إذ تضم مدرسة يرتادها اليوم أكثر من 1000 طالب من المسلمين والمسيحيين، وبجوارها ملجأ الأم تريزا الذي يرعى أطفالا وكبارا في السن وأشخاصا من ذوي الإعاقة، جميعهم من المسلمين.

مدرسة دير اللاتين التابعة لكنيسة دير اللاتين التي تضم ألف طالب معظمهم من المسلمين (الجزيرة)
قصف داخل الكنيسة

تظهر آثار القصف الإسرائيلي جلية فور الدخول، يشير أحد المسؤولين في الكنيسة، خلال تجوالنا معه، إلى أرضية تقابل المقاعد المصفوفة في ساحتها، ويقول: "هنا قتل قناص إسرائيلي كان يعتلي إحدى العمارات السكنية سيدتين مسيحيتين برصاصه". وفي المكان، بدا لافتا وجود عدد من النازحين موزعين داخل أروقة الكنيسة الخارجية، معظمهم من كبار السن الذين فقدوا بيوتهم، ويعيشون في المكان الذي بات مأوى لهم.

وخلال تجوال الجزيرة نت بينهم، عبّر عدد منهم عن تمسكهم بالبقاء في غزة رغم المخاطر، فهم لا يريدون أن يصبحوا عبئا على أقاربهم أو معارفهم في الخارج، كحال المسن منير السلفيتي الذي كان يجلس على كرسيه المتحرك أمام الغرفة التي يقيم فيها منذ بداية الحرب، بعدما فقد منزله في حي الرمال.

منير السلفيتي فقد منزله في حي الرمال ونزح إلى كنيسة دير اللاتين ويرفض الرحيل عن غزة (الجزيرة)
غزة أولى بأهلها

ويقول السلفيتي، الذي تمتد جذور عائلته إلى محافظة سلفيت وسط الضفة الغربية، إن لأسرته أراضي استولى عليها الاحتلال الإسرائيلي هناك. وفي غزة لم يعد يجرؤ على زيارة بيته أو المرور بحارته التي غيّرت الحرب ملامحها، بعدما استُشهد كثيرون ممن كانوا يسكنون حوله.

ويضيف، في حديثه للجزيرة نت، أن الحرب لم تنتهِ بالنسبة إليهم؛ فبين الحين والآخر يدفعهم اشتداد القصف في محيطهم إلى الاحتماء في القبو. ومع ذلك، لم يكن الخروج من غزة خيارا يسهل عليه قبوله، فقد عرض عليه أقاربه في مدينة نابلس شمال الضفة الغربية أن يأتي ويقيم في بيتهم، لكنه رفض رغم صعوبة ظروفه الصحية ومحدودية حركته.

وعند سؤاله إن كان سيغادر لو أُتيحت له فرصة السفر مجددا، تردد قبل أن يجيب ويحسم موقفه: "هلقيت (الآن) 75 سنة عمري.. وين بدي أروح؟ خليني (سأبقى) هنا، لأموت في بلدي، فهذا أفضل لي".

لا يملك منير نشاطا خارج الكنيسة، ويمضي يومه جالسا أمام غرفته قبل أن يخلد إلى النوم، لكنه بعدما عاش عمره في المدينة، لا يرى في الرحيل المتأخر بداية جديدة تستحق أن يترك لأجلها المكان الذي وُلد وعاش فيه. ويختصر علاقته بغزة بقوله: "لا شيء أحن من هذا البلد علينا".

وتفتح تجربة منير سؤالا أوسع عن مستقبل الوجود المسيحي في غزة، الذي أخذت أعداده تتراجع على مدى سنوات قبل أن تعمّق الحرب خسائره.

النصف رحلوا

ويحاول مدير عمليات البطريركية اللاتينية في غزة ورئيس لجنة الطوارئ للكنيسة الكاثوليكية، جورج أنطون، الإجابة عن هذا السؤال من موقعه داخل المجتمع الذي يتحدث عنه.

ففلسطين التي ارتبطت بميلاد المسيحية ومواقعها المقدسة -بحسبه- ليست بالنسبة إلى المسيحيين مجرد مكان للعيش، بل أرض الجذور والانتماء الديني والوطني، وامتداد لمجتمع عاش فيها عبر أجيال.

إعلان

ويقدّر أنطون أن عدد المسيحيين في قطاع غزة بلغ نحو 1070 شخصا قبيل الحرب، ويقول إن الاحتلال قتل 62 منهم خلالها لأسباب مباشرة كالاستهداف، وأخرى غير مباشرة كالحصار وشح الأدوية وانعدام الإمكانات الطبية.

ويكشف أن نحو 470 شخصا غادروا القطاع خلال الحرب، بينما بقي قرابة 540 شخصا، محذرا من أن التراجع الذي أصاب مجتمعا صغيرا، لا تقتصر خسارته على من قُتلوا أو غادروا، بل تمتد إلى المخاوف بشأن استمراره في غزة.

كنيسة دير اللاتين التي لا تزال تؤوي 20 نازحا مسيحيا فقدوا منازلهم خلال الحرب (الجزيرة)

ولم تكن الكنائس التي لجأ إليها مدنيون بحثا عن الحماية بمنأى عن القصف، فبحسب أنطون فقد تعرّض مجمع الكنيسة الكاثوليكية للاستهداف عدة مرات أثناء الحرب الأخيرة، وقُتل 5 أشخاص داخله مباشرة، وأُصيب عشرات آخرون.

ويؤكد أنه في قصف لكنيسة القديس برفيريوس الأرثوذكسية قتل الاحتلال 20 فلسطينيا، بينهم 18 مسيحيا، واستهدف التدمير مباني الكنيسة ومرافقها، بما فيها ملجأ الأم تريزا. مبينا أن الكنيسة لم تكن قادرة على ضمان سلامة المقيمين فيها، ولم تُجبر أحدا على البقاء؛ فقد تُرك قرار المغادرة للعائلات وفق ظروفها وقدرتها على تحمّل المخاطر.

في الأعلى آثار الاستهداف الذي طال كنيسة دير اللاتين وأسفر عن استشهاد خمسة مواطنين خلال الحرب (الجزيرة)
إعادة من غادروا

لكن لجنة الطوارئ والرهبان والراهبات اختاروا مواصلة البقاء وتقديم الخدمات، بينما بقي آخرون لارتباطهم بالمكان وبالقائمين على رعايتهم. ولم يقتصر دور الكنيسة على إيواء المسيحيين، فقد امتدت مساعداتها إلى المجتمع المحيط بها من المسلمين أيضا.

ويذكر أنطون أن الكنيسة قدّمت مساعدات غذائية وخدمات طبية، وواصلت أداء دور يتجاوز رعاية أبناء طائفتها، في وقت كان فيه الاحتياج إلى الغذاء والعلاج والتعليم يتسع بين سكان القطاع.

جورج أنطون يخشى أن يؤدي استمرار النزوح إلى انحسار الوجود المسيحي في غزة (الجزيرة)
تحدي البقاء

أما أنطون نفسه، الذي وُلِد في لبنان وعاش تجربة الشتات، فيقول إنه كان يستطيع المغادرة مع زوجته وبناته، لكنه اختار البقاء. ولا يصف قراره بالبطولي، بل يربطه بهويته الفلسطينية والمسيحية وبمسؤوليته تجاه المجتمع الذي يعيش فيه.

ويخشى أن يؤدي استمرار النزوح إلى انحسار الوجود المسيحي في غزة، لكنه لا يتعامل مع ذلك بوصفه مصيرا محتوما. ويوضح أن التحدي لا يكمن في رصد الأعداد المتناقصة فحسب، بل في العمل على تهيئة ظروف تسمح باستمرار المجتمع وتشجّع من غادروا على العودة.

وبينما يظل المستقبل المسيحي مرهونا بتحسن ظروف الحياة والأمان، يرى أنطون أن بقاء من تبقوا، واستمرار الكنيسة في أداء دورها، والحفاظ على الروابط التي تجمع أبناء المجتمع، كلها محاولات لمنع أن تتحول خسائر الحرب إلى انقطاع دائم لوجودهم في غزة.



إقرأ المزيد