الجزيرة.نت - 10/13/2026 7:30:56 PM - GMT (+3 )
بيروت – ضبط شاحنة محمّلة بمئات الكيلوغرامات من المتفجرات في منطقة ضهر البيدر، أثناء انتقالها من البقاع إلى بيروت، فتح الباب أمام أسئلة بشأن مصدر هذه الشحنة والجهة التي كانت ستتسلمها والغرض من نقلها.
واكتسبت القضية حساسية إضافية في بلد شهد سلسلة اغتيالات سياسية خلال العقود الماضية، في وقت يتواصل فيه الجدل بشأن حصر السلاح بيد الدولة ومستقبل القدرات العسكرية لحزب الله، وسط استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من جنوب لبنان والتوتر على الحدود.
وبينما تعهّد رئيس الحكومة نواف سلام بتوسيع التحقيق ومحاسبة جميع المتورطين، مؤكدا أن حكومته لن تتهاون مع أي مساس بأمن البلاد أو نقل السلاح خارج إطار الشرعية، قدّم النائب في كتلة حزب الله البرلمانية إبراهيم الموسوي قراءة مختلفة، قائلا إن الشحنة، إذا ثبت ارتباطها بالحزب، تتصل بالمقاومة ومواجهة إسرائيل، نافيا أن يكون الحزب بصدد تنفيذ عمليات اغتيال.
وبانتظار جلاء نتيجة التحقيقات في هذه القضية، تبقى الأسئلة الأساسية مرتبطة بمصدر الشحنة ومسارها والجهة التي أمرت بنقلها، وهي مسائل لا تحسمها المواقف السياسية المتعارضة، بل الأدلة التي ستكشفها التحقيقات.
حيثيات القضيةأوقفت قوى الأمن الداخلي الشاحنة في ضهر البيدر في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول، واعتقلت شخصين كانا على متنها، ولا تأتي قضية ضهر البيدر بمعزل عن عمليات ضبط أخرى أعلن عنها الجيش اللبناني خلال أكتوبر/تشرين الأول:
- في الأول من الشهر، أعلن الجيش مصادرة نحو 245 كيلوغراما من مادة "تي إن تي"، وأربع عبوات ناسفة وثمانية مفجّرات عبوات، خلال محاولة تهريبها من الأراضي السورية إلى لبنان.
- وفي 12 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن الجيش ضبط نحو 200 كيلوغرام من المواد المتفجرة في منطقة القصر عند الحدود مع سوريا، كانت مُعدّة للتهريب إلى الأراضي اللبنانية، وقال إن المهربين فروا باتجاه الأراضي السورية.
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي يوسف دياب، في حديث مع الجزيرة نت، أن ضبط متفجرات من نوعَي "تي إن تي" و"سي فور"، يثير مخاوف أمنية جدية، مشيرا إلى أن مواد من هذا النوع استُخدمت في عمليات اغتيال شهدها لبنان، لا سيما خلال الفترة الممتدة بين عامي 2005 و2012.
إعلان
وتطرح طبيعة المواد المضبوطة وظروف نقلها تساؤلات بشأن احتمال التحضير لعمل أمني داخل لبنان، يقول دياب، قبل أن يستدرك أن الوصول إلى استنتاج حاسم يتطلب معرفة الغرض الفعلي من الشحنة والجهة التي كانت ستتسلمها.
ويضيف أن التحقيقات مطالبة بتحديد جميع المتورطين المحتملين، والتحقق من الإفادات المتعلقة بالجهات التي تولت نقل المتفجرات وتسليمها، فضلا عن كشف ما إذا كان هناك أشخاص آخرون أصدروا تعليمات بشأن الشحنة أو شاركوا في تأمينها.
ويلفت دياب إلى أن الاتهامات المثارة بشأن حزب الله لم يقابلها، بحسب قوله، توضيح تفصيلي يحسم ملابسات القضية، باستثناء تصريحات الموسوي التي دافع فيها عن حق المقاومة في مواجهة إسرائيل، نافيا أن يكون الحزب بصدد تنفيذ عمليات اغتيال.
ويعتبر دياب أن هذا الموقف لا يحسم التساؤلات المتعلقة بمصدر المتفجرات ووجهتها، مشددا على أن نتائج التحقيق وحدها يمكن أن تحدد المسؤوليات، وتكشف ما إذا كانت الشحنة مرتبطة بجهات إضافية أو بعمليات أخرى.
وحتى إذا ثبت أن المتفجرات كانت مخصصة للاستخدام ضد إسرائيل، يضيف، فإن ذلك لا يلغي ضرورة توضيح ملابسات نقلها والجهات التي تولت هذه العملية.
في المقابل، يقول المحلل السياسي علي مطر، للجزيرة نت، إن المعطيات المتعلقة بالشحنة لا تزال غير مكتملة، وإن القضية تستدعي مزيدا من التحقيق والتدقيق. ويشير إلى أن إعلان رئيس الحكومة لم يتضمن جميع التفاصيل، وهو ما يفسره، وفق تقديره، باستمرار التحقيقات.
ويضيف مطر أنه إذا صحت المعلومات المتداولة بشأن ارتباط الشحنة بالمقاومة، فقد تكون المتفجرات مخصصة لمواجهة إسرائيل، بما في ذلك استخدامها في العبوات أو الطائرات المفخخة، لا لتنفيذ عمليات اغتيال، على حد قوله.
ويرى أن الاتهامات المطروحة في هذا السياق تستند إلى سرديات إعلامية تسعى إلى توجيه القضية ضد المقاومة، محذرا من أن يؤدي التعامل معها من منطلقات سياسية مسبقة إلى زيادة الانقسام الداخلي قبل اتضاح نتائج التحقيق.
ويحذر من أن منع المقاومة من تأمين وسائل المواجهة، في ظل احتمال اندلاع حرب إسرائيلية جديدة على لبنان، قد يعرّض البلاد، وفق تقديره، لخطر توسيع الاحتلال الإسرائيلي على الحدود وامتداد نفوذه إلى الداخل.
ويدعو المحلل السياسي إلى توحيد الموقف الداخلي وتجنب الفتنة، وبناء دولة قوية قادرة على مواجهة إسرائيل ومعالجة تداعيات الاحتلال واعتداءاته على سكان الجنوب ومزارعيه، بدلا من توجيه المواجهة إلى أطراف داخلية.
من جهته، يقول الخبير العسكري بهاء حلال إن تكرار الإعلان عن ضبط شحنات متفجرة خلال فترة قصيرة يستدعي التحقق من احتمال وجود مسارات تهريب مترابطة، لكنه يحذر من استخلاص نتائج مسبقة بشأن طبيعة هذه العمليات أو الجهات المستفيدة منها. ويشير حلال إلى أن التحقيق ينبغي أن يحدد مصدر الشحنة، والجهة التي أمرت بنقلها، والجهة التي كان يفترض أن تتسلمها، والغرض من نقلها.
إعلان
كما يشدد على أن الانتماء التنظيمي للموقوفين، إذا ثبت، لا يحسم وحده هوية الجهة المستفيدة أو طبيعة الاستخدام المقصود.
أما بشأن الحدود اللبنانية السورية، فيرى حلال أن ضبط شحنات قادمة من الأراضي السورية يطرح أسئلة بشأن الرقابة على المعابر ومسارات التهريب، لكنه يعتبر أن تحديد أوجه القصور والمسؤوليات يتطلب معلومات إضافية عن ظروف كل عملية ومسارها.
ويؤكد أهمية التحقق مما إذا كانت السلطات اللبنانية قد طلبت معلومات رسمية من الجانب السوري، وما إذا كان هناك تنسيق بين الجانبين في إطار التحقيق، معتبرا أن تتبع مسار الشحنة قد يساعد في تحديد مصدرها والجهات التي تولت نقلها.
التحقيق والمسار القضائيعلى المستوى الرسمي، تعهّد رئيس الحكومة نواف سلام بتوسيع التحقيق لكشف جميع المتورطين والجهات التي تقف وراء نقل الشحنة، مؤكدا أن الحكومة لن تتهاون مع أي مساس بأمن البلاد أو حيازة السلاح ونقله واستخدامه خارج إطار الشرعية.
وقال وزير الإعلام بول مرقص، في نقل لموقف سلام عقب جلسة مجلس الوزراء في 12 أكتوبر/تشرين الأول، إن رئيس الحكومة شدد على ملاحقة جميع المتورطين ومن يقف وراءهم، وإحالتهم إلى القضاء. وأكد مرقص أن الموقوفين أُحيلوا إلى الجهات القضائية المختصة، وأن الأجهزة الأمنية ستواصل البحث عن بقية المتورطين.
من جهته، طلب وزير العدل عادل نصار إحالة ملف المتفجرات إلى المجلس العدلي، داعيا إلى مواصلة التحقيق لكشف مصدر الشحنة والجهة التي كان يفترض أن تتسلمها. ويُعد هذا الطلب تطورا في المسار القضائي للقضية، لكن ينبغي التمييز بين طلب الإحالة وصدور قرار نهائي بشأنها.
ويوضح الخبير العسكري حلال أن الفحوص الفنية تساعد في تحديد طبيعة المتفجرات وحالتها وفحص التجهيزات المرافقة لها، وقد تسهم في تعقب مصدرها، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد الغرض من نقلها أو الجهة التي كانت ستستخدمها. ويقول إن الوصول إلى نتائج حاسمة يتطلب الجمع بين التحليل الفني والأدلة التحقيقية، بما يشمل الاتصالات والتكليفات والإفادات الموثقة، وصولا إلى رسم مسار الشحنة وتحديد الجهات التي شاركت في نقلها أو كانت على صلة بها.
ويرى حلال أن القضية تتجاوز مسألة ضبط المتفجرات إلى اختبار قدرة الدولة على مراقبة الحدود وملاحقة شبكات التهريب، فضلا عن انعكاساتها على النقاش السياسي بشأن حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم في لبنان. لكنه يشدد على ضرورة الفصل بين الوقائع المثبتة والاتهامات السياسية، وترك تحديد المسؤوليات للأدلة ونتائج التحقيق القضائي.
إقرأ المزيد


