هل ستصبح روسيا وسيطا بين إيران والولايات المتحدة؟
الجزيرة.نت -

خلال مقابلة له مع هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية في 4 أكتوبر/تشرين الأول، تحدث نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، ديمتري ميدفيديف، عن استعداد روسيا للمساعدة في إحلال السلام بين إيران والولايات المتحدة.

وقال ميدفيديف: "بطبيعة الحال، ينتهي كل شيء بالمفاوضات، والتوصل إلى تسوية دبلوماسية. وقد أبدى الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، استعداده لمثل هذه التسوية الدبلوماسية".

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

كما أضاف أن "روسيا مستعدة لتيسير هذه العملية الدبلوماسية بكل السبل الممكنة وتقديم المساعدة اللازمة لإنجاحها".

الملف الإيراني كان قد طُرح خلال مكالمة هاتفية بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي دونالد ترمب في 9 أكتوبر/تشرين الأول، وفقا  ما كشفه يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي، بقوله: إن بوتين أكد خلال مكالمته مع ترمب على ضرورة التوصل إلى اتفاق مع إيران، مشددا على أن الفرص الدبلوماسية المتاحة في هذا الاتجاه لم تُستنفد بعد.

تجدر الإشارة إلى أن المحادثة بين الزعيمين مثلت اختراقا، وأسفرت عن اتفاقيات بالغة الأهمية.

إن موسكو مستعدة لتكون منصة تفاوض لإنهاء حرب خليجية ثالثة ومنع اندلاع حرب رابعة. وكما قال ونستون تشرشل ذات مرة: "عام من المفاوضات الشاقة والمضنية خير من يوم حرب واحد".

فقد تم التوصل إلى اتفاقيات بشأن تصدير وقود الديزل الروسي إلى الولايات المتحدة، وهو ما يُقوّض بدرجة كبيرة قانون العقوبات الذي أقره الكونغرس الأمريكي مؤخرا، والذي طرحه ليندسي غراهام، ويعكس نهج ترمب البراغماتي الحقيقي.

إذ يؤدي استيراد الديزل الروسي إلى خفض سعر غالون الوقود في الولايات المتحدة بمقدار 20-25 سنتا، ما يُعزز بلا شك شعبية الحزب الجمهوري لدى الناخبين الأمريكيين قبل انتخابات الكونغرس. وقد وصف ترمب نفسه المكالمة الهاتفية بأنها "ممتازة".

تتمتع روسيا بميزة تتمثل في أنها تربطها علاقات ودية أو شراكة مع جميع دول المنطقة تقريبا. فقد نجح وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر في مناورته الدبلوماسية عام 1977، مما هيأ الفرصة بعد ذلك لتوقيع معاهدة كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل؛ لأن الأمريكيين كانوا آنذاك يتمتعون بعلاقات إيجابية مع جميع دول المنطقة، بينما لم تكن للاتحاد السوفياتي أي علاقات مع إسرائيل.

إعلان

في الوقت الراهن، لا ترتبط الولايات المتحدة بعلاقات مباشرة مع إيران؛ فقد نشأت العداوة وانعدام الثقة بين البلدين في أعقاب العدوان الأمريكي.

في المقابل، تمكنت روسيا من الحفاظ على شراكتها الإستراتيجية مع طهران خلال هذه الفترة الحرجة من الصراع.

وقد أكد ميدفيديف أن روسيا "لن تضحي بعلاقاتها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية مهما طُلب منا. نحن شركاء إستراتيجيون وسنبقى كذلك إلى الأبد".

كما صرح بأن العلاقات الروسية الإيرانية "في مستوى غير مسبوق"، واستعرض الخطوات التي قطعتها الدولتان في هذا المسار.

ووفقا له،  فقد بدأ التقارب بين البلدين في منتصف العقد الماضي تقريبا، ثم "اتُخذت الخطوات الأولى نحو التقارب الاقتصادي، وكانت إحدى هذه الخطوات إبرام اتفاقية تجارة حرة في عام 2019، وهي الآن اتفاقية تجارية كاملة ضمن الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، حيث تتمتع إيران بصفة مراقب".

كما أكد ميدفيديف على التعاون العسكري، مصرحا: "نعمل على تطوير أنشطة مشتركة في قطاع الدفاع لتحقيق المنفعة المتبادلة. ونولي هذا الأمر أهمية بالغة".

لا ينبغي أن تكون نتيجة هذه المفاوضات وقفا لإطلاق النار، بل سلاما بين إيران والولايات المتحدة، فضلا عن ضمانات أمنية لجميع دول الخليج

كما أشار إلى صناعة الطيران والفضاء (حيث أطلقت روسيا عدة أقمار صناعية إيرانية)، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النووية (محطة بوشهر للطاقة النووية)، ووصف مشروع خط سكة حديد رشت-أستارا، الذي يُعد جزءا من ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، والذي يجري إعداده حاليا، ليكون "أحد محركات التنمية لعقود قادمة".

وأضاف أنه "إذا تم تنفيذ هذا المشروع بالكامل، فسيكون إنجازا رائدا بكل المقاييس، وهذا يعني، بشكل خاص، توفير ممر بري يمكّن روسيا من الوصول لبحر العرب والمحيط الهندي".

في عام 2025، ارتفع حجم التبادل التجاري بين روسيا وإيران بأكثر من 20%. ومن المؤشرات الأخرى على الأهمية الكبيرة التي توليها القيادة الروسية لتطوير العلاقات مع إيران، إقامة أيام الثقافة الإيرانية في روسيا (موسكو، وسانت بطرسبورغ، وكازان، وأستراخان).

وقد افتُتحت أيام الثقافة الإيرانية في روسيا على المسرح التاريخي لمسرح "البولشوي"، ويعد هذا حدثا نادر الحدوث في هذا المسرح.

ومن أبرز ما تخللته الأمسية، عرض قدمته الأوركسترا الوطنية الإيرانية بقيادة المايسترو همايون رحيميان.

وألقى كل من وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي الإيراني، سيد عباس صالحي، ووزيرة الثقافة الروسية، أولغا ليوبيموفا، بالإضافة إلى السفير الإيراني لدى موسكو، كاظم جلالي، كلمات ترحيبية. يُجسّد هذا الافتتاح الكبير للأيام الثقافية الإيرانية عمق العلاقات الوثيقة بين البلدين.

كما تحرص روسيا على تعزيز علاقات التعاون مع دول الخليج العربي، فعلى سبيل المثال، ترتبط موسكو بعلاقات وثيقة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين بنسبة الربع في عام 2025، ليصل إلى 12 مليار دولار.

إضافة إلى ذلك، نجري مشاورات سياسية دورية، بما في ذلك على مستوى رؤساء الدول، ونتعاون من خلال بعثاتنا الدبلوماسية.

إعلان

وتتعاون روسيا بشكل مثمر مع المملكة العربية السعودية في إطار تحالف "أوبك+" لضبط أسعار النفط العالمية. كما تتمتع روسيا بعلاقات طيبة قائمة على الثقة مع العراق وقطر وعُمان ودول أخرى في المنطقة.

وتدرك موسكو حجم الضرر الذي لحق بدول مجلس التعاون الخليجي جراء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والحصار المستمر لمضيق هرمز. ولا يقتصر هذا الضرر على مليارات الدولارات المفقودة فحسب، بل يشمل أيضا الأضرار التي لحقت بالاقتصاد والبنية التحتية، والمعاناة الإنسانية، والخوف، وعدم اليقين بشأن المستقبل.

كما تدرك موسكو أن حرية الملاحة عبر مضيق هرمز هي العامل الأهم في حل النزاع الخليجي، ويبدو أن طهران قد أدركت هذا أيضا.

على أي حال، فإن مطالب السلام التي أعلنها الأمين العام لمجلس الأمن الإيراني، محسن رضائي، عشية انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، لا تتضمن السيطرة على مضيق هرمز.

الملف الإيراني كان قد طُرح خلال مكالمة هاتفية بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي دونالد ترمب في 9 أكتوبر/تشرين الأول، وفقا  ما كشفه يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي، بقوله: إن بوتين أكد خلال مكالمته مع ترمب على ضرورة التوصل إلى اتفاق مع إيران، مشددا على أن الفرص الدبلوماسية المتاحة في هذا الاتجاه لم تُستنفد بعد

إن روسيا معنية بالسلام والاستقرار في منطقة الخليج العربي، وبازدهار حلفائها العرب. وقد أثمر هذا الالتزام تعزيز "مفهوم الأمن الجماعي"، الذي قدمته وزارة الخارجية الروسية مطلع يونيو/حزيران هذا العام.

يقترح هذا المفهوم التالي:

  • أولا، التزام جميع الدول بالقانون الدولي، والأحكام الأساسية لميثاق الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن الدولي.

كما ينص على أن "هدفنا المشترك هو شرق أوسط مزدهر يدعم السلام والتعايش بين الأديان والأعراق".

  • ثانيا، يؤكد أهمية التعددية بوصفها وسيلة لضمان مشاركة جميع الأطراف المعنية في التقييم المشترك للوضع، واتخاذ القرارات، وتنفيذها.

إن استبعاد أي طرف من هذه العملية، لأي سبب كان، يُعدّ أمرا غير مجدٍ. ويتجلى ذلك في الحالة الإيرانية، التي استُبعدت لفترة طويلة من منظومة الأمن الشاملة.

فقد طورت دول مجلس التعاون الخليجي تعاونا عسكريا مع الولايات المتحدة، وحضورا عسكريا في المنطقة من أجل الأمن، ولكن بسبب هذا الوجود تحديدا أصبحت هذه الدول هدفا للهجمات الإيرانية خلال النزاع الأخير.

  • ثالثا، الطابع العالمي لنظام الأمن في الخليج العربي. بحيث تقوم البنية الأمنية متعددة الأطراف على مبدأ الأمن الموحد وغير القابل للتجزئة، مع احترام مصالح الأطراف الإقليمية وغير الإقليمية في المجالات العسكرية والاقتصادية والطاقة والنقل.
  • رابعا، التخلي التام عن الأسلحة النووية والالتزام بنظام عدم انتشار الأسلحة النووية. إن موسكو مستعدة لتكون منصة تفاوض لإنهاء حرب خليجية ثالثة ومنع اندلاع حرب رابعة.

وكما قال ونستون تشرشل ذات مرة: "عام من المفاوضات الشاقة والمضنية خير من يوم حرب واحد".

مع ذلك، لا ينبغي أن تكون نتيجة هذه المفاوضات وقفا لإطلاق النار، بل سلاما بين إيران والولايات المتحدة، فضلا عن ضمانات أمنية لجميع دول الخليج.

تتطلب هذه النتيجة إرادة سياسية من كلا الجانبين لحل النزاع. ولن يتضح وجود هذه الإرادة وقوتها إلا في المستقبل القريب.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد