صراع الصرف بالعراق.. هل تدفع الأسواق ثمن الخلاف الحكومي التجاري؟
الجزيرة.نت -

Published On 13/10/2026

|

آخر تحديث: 00:29 (توقيت مكة)

تتزايد المخاوف من تداعيات تعديل سعر صرف الدولار في العراق، وسط تحذيرات من انتقال كلفته إلى المستهلكين وتراجع القدرة الشرائية، في وقت يثير فيه القرار اعتراضات الأوساط التجارية، ويعيد الجدل بشأن معالجة اختلالات الموازنة بين الإجراءات النقدية والإصلاحات الاقتصادية.

وحدد القرار سعر الدولار للمستفيد النهائي عند 1520 دينارا، مقابل 1320 دينارا سابقا، بينما بلغ سعره في السوق الموازية 165 ألف دينار لكل 100 دولار، وتزامن ذلك مع تقديم طعن أمام المحكمة الاتحادية العليا ومطالبات بمراجعة القرارات الحكومية.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

وفي مواجهة التداعيات المحتملة، دعا البنك المركزي التجار إلى مراجعة مصارفهم للتأكد من تنفيذ حوالات الاستيراد المستحقة، مؤكدا متابعة العمليات المصرفية وحماية حقوق العملاء، في حين طالب اتحاد الغرف التجارية بمراجعة القرارات التي قد تزيد الأعباء على النشاط التجاري.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي علي الراوي، من بغداد، أن خفض قيمة العملة يقود إلى التضخم، خصوصا في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، إذ ترتفع كلفة السلع المستوردة وينعكس ذلك على أسعارها في السوق المحلية.

ويحذر الراوي من أن التاجر لن يتحمل العبء كاملا، بل سينقل الجزء الأكبر منه إلى المستهلك النهائي، مقدرا أن تتجاوز نسبة هذا العبء المنقول 90%، وهو ما يؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية ويضعف الطلب، بما ينعكس بدوره على حركة التجارة والنشاط الاقتصادي.

ضغوط السوق

ويشير الراوي إلى أن اعتراضات العاملين في الغرف التجارية واحتجاجاتهم تعكس مخاوف من اتساع أثر القرار، الذي لا يتوقف عند ارتفاع الأسعار، بل يمتد إلى حركة البيع والشراء، في ظل تراجع قدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم مع زيادة كلفة المعيشة.

ويفصل الخبير الاقتصادي بين معالجة عجز الموازنة وتعديل سعر الصرف، معتبرا أن خفض قيمة العملة ليس بالضرورة الحل المناسب للاختلالات المالية، مثلما أن مواجهة البطالة لا تتحقق بمجرد زيادة التعيينات الحكومية، لما لذلك من أثر على الإنفاق العام والالتزامات المالية للدولة.

إعلان

وتبرز، وفق الراوي، إشكالية أوسع تتعلق بقدرة الاقتصاد العراقي على توفير فرص العمل للخريجين واستيعاب أعداد العاطلين، في وقت تتحمل فيه الحكومة ضغوطا مالية. ويرى أن الاعتماد المستمر على التوظيف الحكومي لا يقدم معالجة مستدامة لهذه المشكلة.

أما ضبط سوق الدولار والحد من المضاربة، فيواجهان تحديات مرتبطة باتساع شبكات الصرافة وترابطها، بحسب الراوي، الذي يشير إلى صعوبة فرض السعر الرسمي بالقوة أو عبر الإجراءات الأمنية، في ظل إمكانية إجراء معاملات بسعر السوق الموازية خارج القنوات المعلنة.

ويعني ذلك أن تشديد القيود وحده قد لا ينهي الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، ما لم تترافق الإجراءات الرقابية مع معالجة أسباب الطلب على الدولار وآليات تمويل الاستيراد. كما أن تعطيل التحويلات التجارية قد يضيف أعباء جديدة على المستوردين والأسواق.

بدائل الإصلاح

وفي قراءته للحلول، يقر الراوي بحجم الضغوط التي تواجه الحكومة، من ديون وبطالة وحاجة إلى السيولة، لكنه يشدد على أن معالجة هذه التحديات لا ينبغي أن تقتصر على سعر الصرف، بل تتطلب توسيع قاعدة الإنتاج وتنشيط القطاع الخاص.

ويعتبر أن دعم القطاع الخاص يمثل مدخلا لاستيعاب أعداد أكبر من العاطلين، وتخفيف الضغط على التوظيف الحكومي والموازنة، بما يتيح الانتقال تدريجيا من الاعتماد على الإنفاق العام إلى نشاط اقتصادي أكثر قدرة على توليد فرص العمل.

ولا يقتصر أثر هذا التوجه على سوق العمل، إذ يمكن أن يسهم تطوير الإنتاج المحلي في تقليل الحاجة إلى استيراد بعض السلع، وتوفير منتجات تُشترى بالدينار بدلا من الدولار، بما يحد من تعرض الأسواق لتقلبات سعر الصرف وكلفة التمويل الخارجي.

ويعتمد الاقتصاد العراقي بدرجة كبيرة على إيرادات النفط لتوفير العملة الأجنبية وتمويل الاستيراد، وهي معادلة تجعل السوق المحلية حساسة لأي تغيير في سعر الدولار أو القيود المفروضة على التحويلات، ويرى الراوي أن تنويع الإنتاج وتوسيع فرص الاستثمار الخاص يمثلان جزءا أساسيا من معالجة هذا الاختلال.

وفي ظل هذه التحديات، يشدد الراوي على أن توسيع الإنتاج المحلي ودعم القطاع الخاص من شأنهما تقليل الاعتماد على الاستيراد وتخفيف الضغط على الموازنة، عبر توفير فرص عمل جديدة وزيادة السلع المنتجة محليا، بما يقلل الحاجة إلى الدولار ويحد من تأثر الأسواق بتقلبات سعر الصرف.



إقرأ المزيد