الجزيرة.نت - 10/12/2026 4:55:26 PM - GMT (+3 )
Published On 12/10/2026
|آخر تحديث: 16:48 (توقيت مكة)
"ماذا اقترفتُ من فعل شنيع؟ لم أفعل سوى أنني كتبت عما شاهدته. لا شيء أكثر". هذه الكلمات لم تكن دفاعا أمام محكمة، ولا ردا على اتهام رسمي، بل كانت جزءا من نص عُثر عليه في حاسوب الصحفية الروسية آنا بوليتكوفسكايا بعد اغتيالها بالرصاص في مدخل المبنى الذي كانت تسكنه بالعاصمة موسكو، يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2006.
وفي النص نفسه، تحدثت الصحفية عن محاولات تسميمها واعتقالها والتهديدات التي تلقتها عبر البريد والإنترنت، وصولا إلى الوعيد بقتلها. وكأنها كانت تسجل ذلك مدركة نهايتها المأساوية.
وبعد عشرين عاما على اغتيالها، أعادت منظمة مراسلون بلا حدود نشر كلماتها بصوت أربع ممثلات فرنسيات، في مقطع مصور يستعيد شجاعة الصحفية وتحذيراتها من ممارسات السلطة الروسية، ويجدد المطالبة بكشف الجهات التي أمرت بقتلها.
ماذا قالت في النص؟وصفت بوليتكوفسكايا في الكلمات التي تركتها على حاسوبها واقعا إعلاميا ينقسم فيه الصحفيون الروس إلى فئتين: صحفيون تعتبرهم السلطة من الموالين لها وتكافئهم، وآخرون تنظر إليهم بوصفهم خصوما وتدفعهم إلى العزلة.
وفي معرض حديثها عما تعرضت له، ذكرت التسميم والاعتقالات والتهديدات التي وصلتها عبر الرسائل والإنترنت، فضلا عن الوعيد بقتلها.
لكنها لم تجعل تلك المخاطر سببا للتراجع عن عملها، بل تمسكت بحقها في نقل الحقيقة، وتوثيق ما شاهدته من انتهاكات، وإيصال أصوات الضحايا الذين سعت السلطة إلى إسكاتهم.
وترى منظمة مراسلون بلا حدود أن هذه الكلمات تبدو اليوم أكثر راهنية، بعدما تحول التضييق على الصحفيين المستقلين في روسيا إلى ممارسات تشمل الرقابة والملاحقات والسجن والنفي.
واختارت المنظمة أربع ممثلات فرنسيات، هن جولي غاييه وأريان أسكاريد وبيرينيس بيجو وميلاني دوتيه، لقراءة النص في مقطع مصور نشرته بمناسبة الذكرى العشرين للاغتيال.
ماذا كشفت في الشيشان؟كانت بوليتكوفسكايا تعمل في صحيفة "نوفايا غازيتا" الروسية، واشتهرت بتقاريرها عن الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان والاعتداءات على المدنيين خلال الحرب الشيشانية الثانية، التي بدأت عام 1999.
إعلان
وبينما كانت الدعاية المناهضة للشيشان واسعة الانتشار في وسائل الإعلام الروسية، سعت الصحفية إلى كسر الحصار الإعلامي ونقل شهادات الضحايا إلى العالم.
ويستعيد الصحفي الشيشاني عبد الله دودويف، أحد مؤسسي مجلة "دوش" المستقلة، ذكرياته معها في مقطع مصور ثان نشرته مراسلون بلا حدود.
ويقول دودويف، الذي تعرف عليها عام 1999، إنها تمكنت من فتح ثغرة في الحصار الإعلامي المفروض على الشيشان، وكشفت للعالم ما كان يجري هناك من انتهاكات بحق المدنيين.
ولم يقتصر دورها على إعداد التقارير، بل شجعت زملاءها الشيشانيين على تأسيس مجلة مستقلة تتحدث عن تاريخ مجتمعهم وثقافته وحياته، بعيدا عن الدعاية السائدة في الإعلام الروسي.
ويؤكد دودويف أن مجلة "دوش" ولدت من فكرتها واقتراحها، مستعيدا تعاطفها مع الضحايا وحرصها على عدم التعامل مع معاناتهم ببرود. ويقول عنها: "لقد أظهرت للجميع أن الصحفي يظل إنسانا أيضا".
تحذيرات من الشيشان إلى أوكرانياوبحسب دودويف، لم تكن بوليتكوفسكايا تنظر إلى الانتهاكات في الشيشان بوصفها أحداثا معزولة عن مستقبل روسيا. فقد أدركت، كما يقول، أن العنف والتعسف اللذين مارستهما السلطات الروسية هناك لن يتوقفا عند حدود الجمهورية.
ويرى صديقها الشيشاني أن اتساع القمع داخل روسيا والحرب التي شنتها موسكو على أوكرانيا عام 2022 يؤكدان تحذيراتها المبكرة.
من أمر باغتيالها؟في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2006، اغتيلت بوليتكوفسكايا بالرصاص في مدخل المبنى الذي كانت تقيم فيه بالعاصمة موسكو.
وكشفت التحقيقات عن مجموعة شاركت في تنفيذ الاغتيال والتخطيط له، وأدانت المحاكم الروسية ستة أشخاص في القضية، بينهم منظم العملية ومطلق النار وقد حكم عليهما بالسجن المؤبد. وشملت الإدانات ضباط شرطة سابقين وأشخاصا ساعدوا في مراقبة تحركات الصحفية وتنفيذ الجريمة.
لكن المحاكمات لم تكشف عن الشخص أو الجهة التي أصدرت الأمر باغتيالها، أو كلفت المجموعة بتنفيذه، ليظل السؤال الأهم بلا إجابة بعد عشرين عاما: من أراد إسكات آنا بوليتكوفسكايا، ولماذا؟
وفي عام 2018، قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن السلطات الروسية أخفقت في إجراء تحقيق فعال لكشف مدبري الاغتيال، رغم نجاحها في إدانة عدد من منفذيه. ثم انقضت مدة التقادم القانونية للجريمة في أكتوبر/تشرين الأول 2021، دون الكشف عن مدبريها.
وتطالب منظمة مراسلون بلا حدود بكشف الحقيقة كاملة بشأن من أمروا بقتل بوليتكوفسكايا، وإنهاء الملاحقات التي تستهدف الصحفيين المستقلين في روسيا.
50 إعلاميا خلف القضبانتقول المنظمة إن البيئة التي حذرت منها بوليتكوفسكايا قبل اغتيالها أصبحت أكثر تضييقا على الصحافة المستقلة خلال العقدين الماضيين.
ومنذ بدء الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، تعرضت غالبية المؤسسات الإعلامية المستقلة للحظر أو الحجب، أو صُنفت ضمن قوائم "العملاء الأجانب" و"المنظمات غير المرغوب فيها"، بينما اضطرت مؤسسات أخرى إلى العمل من المنفى.
وكانت صحيفة "نوفايا غازيتا"، التي عملت فيها بوليتكوفسكايا، من أبرز المتضررين، إذ قُتل ستة من صحفييها والمتعاونين معها منذ عام 2000، وسُحبت تراخيص نسختيها الورقية والإلكترونية عام 2022.
إعلان
وفي عام 2023، صنفت السلطات الروسية رئيس تحريرها السابق، الحائز جائزة نوبل للسلام دميتري موراتوف، "عميلا أجنبيا".
ثم أعلنت وزارة العدل الروسية في سبتمبر/أيلول 2026 تصنيف الصحيفة نفسها "عميلا أجنبيا"، وأدرجت 106 أشخاص مرتبطين بها ضمن قائمة المنتسبين إلى جهات تحمل هذا التصنيف.
ووفقا لمراسلون بلا حدود، يقبع حاليا 50 عاملا في وسائل الإعلام داخل السجون الروسية، بينما تحتل البلاد المرتبة 172 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026.
وتقول جين كافلييه، رئيسة مكتب أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى بالمنظمة، إن بوليتكوفسكايا أدركت مبكرا كيف تسعى السلطات الروسية إلى تقسيم الصحفيين بين موالين وأعداء، وإن هذا النهج أصبح اليوم مؤسسيا.
إقرأ المزيد


