الجزيرة.نت - 10/12/2026 4:55:21 PM - GMT (+3 )
لم يتوقع الاستشاري المصري في جراحة الشبكية، الدكتور محمد توفيق، بداية الحرب الإسرائيلية على غزة، أن تخصصه فائق الدقة والحساسية قد يحمل هذه الأولوية الملحّة في رعاية المصابين من أهالي القطاع.
فعادة ما يتبادر إلى الذهن أن جراحات إنقاذ الحياة العامة هي وحدها ما يتصدر المشهد، غير أن فظاعة الإصابات في القطاع فرضت واقعا طبيا مختلفا.
وفي خطوة يكتنفها خطر بالغ، توجه الطبيب المصري حاملا أجهزة ومستهلكات طبية دقيقة عبر معبر رفح إلى مستشفى غزة الأوروبي جنوب القطاع، ليواجه حالات حرجة بالغة التعقيد تشمل انفصالات الشبكية والشظايا المستقرة داخل العيون.
وعبر الفيلم الوثائقي -الذي تعرضه منصة الجزيرة 360، ويمكنكم مشاهدتها بالضغط هنا– يروي الطبيب المصري بلسان الشاهد كيف تحولت الرحلة من مجرد خيار بشري إلى "تيسير إلهي" وقدر مسيّر وضعه أمام حالات لنساء وأطفال لو أهملت ساعات معدودة لفقدوا أبصارهم للأبد.
وتشير الإحصائيات المتوفرة إلى أن نحو 700 شخص في قطاع غزة فقدوا أعينهم خلال الحرب، بينهم 600 مصاب فقدوا عينًا واحدة، بينما فقد قرابة 100 شخص كلتا العينين وفق مدير المستشفى.
ويمر الفيلم عند محطات درامية وإنسانية واجهت الطبيب المصري، أبرزها قصة طفل غزي لا يتعدى عمره 5 سنوات كان يجلس في خيمته يلعب ويتابع فيلما قبل أن يطاله القصف ويصيب عينيه الاثنتين معا.
ويصف الطبيب بتأثر بالغ أطول ممر سلكه في حياته، وهو المشي من غرفة العمليات إلى والدي الطفل ليبلغهما بفقدان بصره نهائياً وأن القدر سبق يد الجراح.
وعلى نقيض ذلك، تتجلى الحكمة الإلهية في موقف آخر مع سيدة هرولت إليه مذهولة لوجوده بالمستشفى بعد أن تسبب إغلاق جيش الاحتلال للمعبر في تأخير سفره أسبوعا، إذ كانت الأم تطلب منه الكشف على حالة ابنتها التي داهمها صديد حاد في عينها اليمنى بعد عملية سابقة أجراها لها قبل يومين، ولو أنه غادر في موعده المحدد لفقدت الفتاة بصرها إلى الأبد، ويشير الطبيب أن هذا التأخير القسري جعل الطبيب يدرك عمق الحكمة من بقائه للتعامل مع تلك الحالات المستحيلة.
ويقول الطبيب المصري إن الزيارة الثانية لقطاع غزة كان مخططا لها أن تستمر شهرا واحدا، لكنها امتدت قسرا بقرار إسرائيلي يمنع المغادرة.
ورغم قسوة الظروف، فقد بلغ إجمالي ما أجراه الطبيب المصري في زيارتيه نحو 500 عملية جراحية (150 في الأولى، و350 في الثانية) مسجلا مفارقة لفتت انتباهه، وهي خلو زيارته الأولى من أي حالات صديد، مقابل حالة واحدة صعبة في الثانية كُتب لها الشفاء.
وحسب الفيلم، فقد تركت هذه الرحلة الاستثنائية أثرا عميقا في روح الجراح المصري وفق ما ذكره المقربون منه، وقد ختم حكايته في الفيلم باعتراف صادق بأن قسوة غزة ونسيجها الإنساني قد غيرا فيه الكثير، وجعلاه إنسانا أهدأ وأقل توترا، ومُدركا المعنى الأبقى لرسالة الطبيب في حفظ نور عيون البشر.
Published On 12/10/2026
شارِكْ
إقرأ المزيد


