كيف استفادت بكين من الحرب على إيران واستنزاف القدرات الأمريكية؟
الجزيرة.نت -

Published On 11/10/2026

لم تخض الصين الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بصورة مباشرة، لكنها استفادت من تداعياتها على المستويين العسكري والاقتصادي، وفق تقرير للجزيرة رصد كيف أتاحت المواجهة لبكين فرصة متابعة القدرات العسكرية الأمريكية، وتعزيز أمنها الطاقي، وتوسيع استخدام عملتها في التعاملات التجارية، بالتزامن مع استنزاف الموارد العسكرية الأمريكية وتضرر الاقتصاد الإيراني.

ويبرز التقرير ثلاثة مسارات رئيسية للمكاسب الصينية:

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list
  • الاستفادة من المعلومات المستمدة من صور الأقمار الصناعية.
  • الاستفادة من موقعها بوصفها المشتري الأكبر للنفط الإيراني.
  • استغلال اضطراب أسواق الطاقة لتقوية احتياطياتها وتقليل تعرض اقتصادها للصدمات.

غير أن هذه المكاسب لا تعني أن الصين خرجت من الحرب بلا خسائر أو مخاطر، إذ أدى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وتشديد الحصار على الموانئ الإيرانية إلى تعقيد إمدادات الطاقة ورفع تكاليف الحصول عليها.

الأقمار الصناعية.. مكاسب استخبارية

كشف تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" في سبتمبر 2026، نقلا عن مسؤولين أمريكيين، أن إيران حصلت على صور فضائية عالية الدقة لقاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن، قبل هجوم صاروخي إيراني في 17 يوليو أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين وإصابة أربعة آخرين. وقال المسؤولون إنهم ربطوا الصور بالهجوم، لكنهم لم يتهموا الحكومة الصينية مباشرة بالمشاركة فيه، ولم يكشفوا عن الجهات الصينية التي وفرت الصور.

وتشير هذه القضية إلى أهمية متزايدة للمعلومات الفضائية التجارية في الحروب الحديثة، إذ تتيح الصور رصد مواقع الطائرات والمنشآت العسكرية، ومتابعة التحركات، وتقييم الأضرار بعد الهجمات. وبحسب التقرير، فإن حصول إيران على صور قبل الهجوم وبعده أتاح لها معلومات يمكن الاستفادة منها في تحديد الأهداف وتقييم نتائج الضربات.

وفي مايو الماضي، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على ثلاث شركات صينية هي "ميزار فيجن" و"ذي إيرث آي" و"تشانغ غوانغ لتكنولوجيا الأقمار الصناعية"، متهمة إياها بتقديم صور أو معلومات فضائية يمكن استخدامها لدعم الأنشطة العسكرية الإيرانية. وأوضحت وزارة الخارجية الأمريكية أن إحدى الشركات نشرت صورا مفتوحة المصدر تكشف أنشطة عسكرية أمريكية، بينما اتهمت شركة أخرى بتزويد إيران بصور فضائية.

إعلان

في المقابل، رفضت بكين الاتهامات والعقوبات الأمريكية، مؤكدة أن الشركات الصينية تعمل وفق القانون، وأن الصور التي تستند إليها بعض التقارير متاحة من مصادر مفتوحة. وبذلك يظل من الضروري التمييز بين استفادة إيران من صور صينية المصدر، وبين إثبات وجود قرار حكومي صيني بتوجيه تلك المعلومات لخدمة هجوم عسكري بعينه.

ولا تقتصر القيمة الاستراتيجية لهذه الصور على الحرب الحالية، إذ يمكن أن تساعد دراسة التحركات العسكرية الأمريكية وأنماط الإمداد والتزود بالوقود في فهم طريقة عمل القوات الأمريكية. لكن القول إن الصين حصلت بالفعل على قاعدة بيانات كاملة عن الجيش الأمريكي، أو أن هذه المعلومات ستحدد نتيجة أي مواجهة مستقبلية بشأن تايوان، يظل استنتاجا تحليليا يحتاج إلى أدلة إضافية.

النفط الإيراني.. علاقة تجارية تحولت إلى ورقة استراتيجية

يمثل النفط المسار الثاني للمكاسب الصينية. فبحسب تنبيه أصدره مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بوزارة الخزانة الأمريكية في أبريل 2026، تشتري الصين نحو 90 بالمئة من صادرات النفط الإيرانية، ويؤدي دورا رئيسيا في ذلك عدد من المصافي الصينية المستقلة المعروفة باسم «مصافي الشاي»، التي تستورد النفط الإيراني الخاضع للعقوبات وتكرره.

وتعتمد هذه التجارة على شبكة معقدة من الناقلات والوسطاء، تشمل سفن يشتبه في استخدامها أساليب لإخفاء وجهة الشحنات أو نقل النفط بين السفن في عرض البحر. وتعرف بعض هذه الناقلات باسم "أسطول الظل"، في إشارة إلى السفن التي تستخدم أساليب لتفادي الرقابة والعقوبات.

وتتيح الأسعار المخفضة للنفط الإيراني للمصافي المستقلة الصينية الحصول على إمدادات أقل تكلفة، فيما تستفيد طهران من استمرار وجود مشترين لنفطها رغم العقوبات. كما استخدمت أطراف في هذه التجارة اليوان الصيني في تسوية بعض المعاملات، في محاولة للحد من التعرض للنظام المالي الأمريكي، وإن كان ذلك لا يعني أن جميع المعاملات الإيرانية الصينية باتت خارج النظام المالي العالمي.

لكن الحرب والحصار البحري الأمريكي أعادا رسم هذه المعادلة. فقد أشارت تقارير رويترز إلى أن إعادة فرض الحصار على الشحن الإيراني في يوليو أدت إلى تراجع تدفق النفط، وأجبرت المصافي الصينية المستقلة على البحث عن بدائل من العراق وقطر ودول أخرى. وفي 6 أكتوبر، أفادت رويترز بأن المصافي الصينية المستقلة اشترت ما بين 15 و20 مليون برميل من النفط العراقي والقطري لتسليمها خلال أكتوبر ونوفمبر، في ظل تراجع الإمدادات الإيرانية.

وتعني هذه التطورات أن الصين لا تستطيع الاعتماد على النفط الإيراني بالوتيرة نفسها التي سبقت الحصار، وأن استمرار الحرب يفرض عليها تكاليف إضافية لتأمين احتياجاتها من مصادر بديلة.

احتياطيات الطاقة.. درع في مواجهة اضطراب الأسواق

لم تبدأ استعدادات الصين لأزمة الطاقة مع اندلاع الحرب وحده؛ فقد اعتمدت بكين على تخزين النفط وتنويع مصادر الإمداد لتقليل تعرض اقتصادها لتقلبات الأسواق العالمية.

ووفق تحليل نشرته رويترز في يوليو 2026، خفضت الصين وارداتها من النفط الخام بصورة ملحوظة بعد اندلاع الحرب، إذ تراجعت الواردات في يونيو إلى نحو 5.96 ملايين برميل يوميا، مقابل 10.66 ملايين برميل يوميا قبل اندلاع المواجهة. وساعدت المخزونات الموجودة مسبقا والشحنات التي كانت في طريقها إلى الأسواق الآسيوية على تخفيف أثر اضطراب الإمدادات.

إعلان

وتوفر هذه المخزونات للصين هامشا زمنيا لامتصاص الصدمات، لكنها لا تلغي مخاطر ارتفاع الأسعار أو استمرار تعطل حركة الشحن. كما أن تأمين احتياجاتها من النفط لا يعني أنها أصبحت بمنأى عن أزمة الوقود المكرر، ولا سيما الديزل ووقود الطائرات، اللذين تأثرا بقيود الإنتاج والتصدير واضطراب سلاسل الإمداد.

وبذلك استفادت بكين من استعداداتها السابقة، لكنها اضطرت في الوقت نفسه إلى تعديل مشترياتها وتوسيع اعتمادها على موردين آخرين، في مؤشر على أن أمن الطاقة لا يرتبط بحجم الاحتياطيات وحده، بل بقدرة الدولة على تنويع الإمدادات ونقلها وتكريرها.

الشراكة مع طهران.. مصالح كبيرة وحذر سياسي

وتستند العلاقات الاقتصادية بين الصين وإيران إلى اتفاقية شراكة استراتيجية طويلة الأجل وقعت عام 2021، وتداولت تقارير بشأنها تقديرات تصل إلى 400 مليار دولار من الاستثمارات الصينية المحتملة على مدى 25 عاما.

غير أن هذا الرقم لا يمثل استثمارات نفذت بالفعل، بل تقديرا مرتبطا بخطط التعاون التي تشمل قطاعات متعددة. كما أن وجود الاتفاقية لم يدفع بكين إلى التدخل العسكري المباشر لحماية إيران خلال الحرب.

وبحسب ما عرضه تقرير الجزيرة، فضلت الصين اتباع نهج حذر، يوازن بين مصالحها الاقتصادية في إيران وعلاقاتها مع الولايات المتحدة ودول الخليج. ويعني ذلك أن بكين حاولت الحفاظ على علاقاتها مع طهران من دون الانخراط في مواجهة عسكرية قد تعرض مصالحها التجارية والدبلوماسية لمخاطر أكبر.

وفي المقابل، أتاح اضطراب أسواق الطاقة للصين فرصة لتعزيز دورها بوصفها مستهلكا ضخما يستطيع استخدام احتياطياته وتعديل وارداته لتخفيف أثر الصدمات. كما أن استمرار استخدام اليوان في جانب من التجارة مع إيران يدعم مساعي بكين إلى توسيع نطاق التعامل بعملتها، لكنه لا يكفي وحده لإثبات تراجع هيمنة الدولار على التجارة العالمية.

من الرابح في نهاية الحرب؟

ويرسم تقرير الجزيرة صورة لصين استفادت من الحرب في مجالات عدة، من متابعة القدرات العسكرية الأمريكية عبر المعلومات الفضائية، إلى شراء النفط الإيراني المخفض، والاستفادة من الاحتياطيات الاستراتيجية، وتوسيع التعاملات باليوان.

لكن هذه المكاسب تظل نسبية؛ فالحصار الأمريكي يحد من تدفق النفط الإيراني، واضطراب الملاحة يرفع تكاليف النقل والتأمين، فيما تضطر المصافي الصينية إلى البحث عن بدائل قد تكون أعلى تكلفة. كما أن الاتهامات المتعلقة بتوفير صور فضائية لإيران ترفع مستوى التوتر بين بكين وواشنطن، وقد تفتح الباب أمام عقوبات أو قيود إضافية.

ولا تعين استفادة الصين من الحرب أنها تحكمت في نتائجها، بل إنها امتلكت أدوات اقتصادية وتقنية مكنتها من الحد من بعض آثارها والاستفادة من جوانب أخرى منها. وبين استنزاف الموارد العسكرية الأمريكية، وتضرر الاقتصاد الإيراني، ومحاولات بكين الحفاظ على مصالحها دون تدخل عسكري مباشر، يبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت هذه المكاسب المؤقتة ستتحول إلى نفوذ استراتيجي طويل الأمد، أم أن كلفة الحرب واضطراب التجارة ستحدان من قدرتها على جني ثمارها.



إقرأ المزيد