الجزيرة.نت - 10/11/2026 2:56:37 PM - GMT (+3 )
يوشك إصرار أوكرانيا على استهداف مصافي النفط الروسية أن يُحدث شرخا في العلاقة بين الحليفين واشنطن وكييف، إذ يرى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن هذه الضربات أسهمت في أزمة وقود عالمية، بينما يعتبرها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وسيلة لإضعاف قدرة موسكو على مواصلة الحرب.
وبينما يطالب ترمب زيلينسكي بوقف الهجمات، ذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى قيادة جديدة في كييف، عقب التوصل إلى اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لرفع الحظر عن واردات الديزل الروسي.
وأمس السبت، أعلن ترمب اتفاقا مع نظيره الروسي لتوريد كميات كبيرة من الديزل الروسي إلى الأسواق الأمريكية والعالمية.
ويسوّق ترمب الاتفاق بوصفه حلا لارتفاع أسعار الوقود الناجم عن الحرب الأمريكية على إيران، لا سيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. لكن أوكرانيا تخشى أن يؤدي هذا الإعلان إلى إضعاف أوراقها التفاوضية، في وقت يمنح فيه موسكو دعما سياسيا وماليا قد يساعدها على إطالة أمد الحرب.
ويشرح التقرير أسباب إصرار أوكرانيا على استهداف المصافي الروسية، ومبررات الغضب الأمريكي من هذه الهجمات.
لماذا تصر أوكرانيا على استهداف مصافي النفط الروسية؟ترى كييف أن المصافي ومنشآت الوقود جزء من القدرة الحربية الروسية وأهداف عسكرية مشروعة.
وتقول إن ضرباتها بعيدة المدى قد عطلت أكثر من نصف طاقة تكرير النفط الروسية، مما أعاق قدرة موسكو على إمداد قواتها خلال الحرب التي تتواصل منذ نحو 5 سنوات.
وقبل أسبوع، أعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية أن ضرباتها، التي استهدفت مصافي النفط، أدت إلى تعطيل 51% من طاقة تكرير النفط الروسية.
وفي اعتراف نادر بالأثر الاقتصادي للضربات، قال الرئيس فلاديمير بوتين، مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري، إنها كلّفت روسيا نحو 1% من ناتجها المحلي الإجمالي.
إعلان
ولطالما كانت روسيا ثالث أكبر منتج في العالم لمنتجات الوقود المكررة من النفط الخام، بعد الولايات المتحدة والصين.
وتعرضت بعض مصافي النفط الروسية البالغ عددها 32 مصفاة للقصف ما يصل إلى 15 مرة منذ بداية الحرب، كما تعرضت مصفاة واحدة للقصف كل 3 أيام في الأشهر الأخيرة، مما أدى إلى خلق حلقة من الأضرار، يمكن أن تؤدي إلى تدهور الوحدات على المدى الطويل، بحسب وكالة الطاقة الدولية.
ولم تؤدّ الهجمات الأوكرانية إلى تفاقم أزمة الوقود في روسيا فحسب، بل أدت -وفق تقديرات- إلى ارتفاع الأسعار العالمية.
تواجه إدارة ترمب ضغوطا بسبب ارتفاع أسعار الديزل في الولايات المتحدة، بالتزامن مع تداعيات الحرب على إيران واضطراب أسواق الطاقة، لكن الرئيس الأمريكي يرى أن الارتفاع عائد إلى استمرار استهداف المصافي الروسية لا إلى الحرب على طهران.
وبلغ متوسط سعر غالون الديزل في محطات الوقود الأمريكية 6.28 دولارات، ارتفاعا من 3.68 دولارات قبل عام، وفق جمعية السيارات الأمريكية (إيه إيه إيه).
وأصبح الارتفاع الحاد عبئا سياسيا على الحزب الجمهوري الذي يتزعمه ترمب، مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية البالغة الأهمية في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، والتي قد يتمكن فيها الديمقراطيون المعارضون من السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما.
- تصريح ترمب الأول
وفي 13 سبتمبر/أيلول الماضي، دعا ترمب -لأول مرة- صراحة نظيره الأوكراني إلى التوقف عن استهداف البنية التحتية للديزل الروسي، قائلا إن الهجمات تتسبب في نقص الوقود الذي "يضر بالعالم".
وأضاف أن النقص العالمي "ليس بسبب الشرق الأوسط، بل بسبب ما يحدث مع روسيا وأوكرانيا".
وتكررت دعوة ترمب إلى عدم ضرب المصافي الروسية، حتى أعلن -مساء الجمعة- عن إبرامه صفقة مع بوتين، قال إن الأخير التزم فيها بطرح ملايين الأطنان من الديزل في الأسواق على مدى أشهر.
ويُعد الديزل الوقود الرئيسي لسلاسل الإمداد، ولذلك فإن ارتفاع تكلفته ينعكس على أسعار المستهلكين، كما يضر بالمزارعين الأمريكيين الذين يحتاجونه لتشغيل آلياتهم.
ورغم تشكيك خبراء في قدرة الإمدادات المعلنة على خفض الأسعار بصورة ملموسة، مثّلت هذه الصفقة تحولا مذهلا عن سنوات من الضغط الذي مارسته واشنطن على روسيا بشأن حربها مع أوكرانيا، وأثارت غضب زيلينسكي الذي اعتبرها بمثابة هدية لبوتين واستثمار للحرب، كما ربطها بالهجوم الروسي الذي وقع -أمس السبت- وأسفر عن مقتل 20 شخصا، بينهم ثلاثة أطفال، في مدينة زاباروجيا الأوكرانية.
- تصريح ترمب الأخير
وفجر اليوم، أدلى ترمب بتصريح جديد يعكس تصاعد التوتر في علاقته بزيلينسكي، ويعزز المؤشرات على اتساع الخلاف بين واشنطن وكييف.
وفي تصريحات للصحفيين، قال الرئيس الأمريكي "قلنا له (زيلينسكي): يمكنك أن تفعل ما تشاء ضد روسيا، لكن لا تضرب مصافي النفط، لأن هذه مسألة تتسبب في مشكلات على مستوى العالم. لكنه يريد إحداث مشكلات للعالم، فيذهب ويستهدف وقود الديزل. يجب أن يتوقف عن ذلك تماما".
إعلان
واتهم ترمب زيلينسكي بعدم الرغبة في إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، مضيفا "أعتقد أن الوقت قد حان لكي يكون لأوكرانيا رئيس جديد".
وتابع "أنصح الأوكرانيين بالعثور على قائد جديد يستطيع التوصل إلى اتفاق، لأنه كان بإمكانه إبرام الكثير من الاتفاقات، لكنه، لسبب ما، لا يفعل ذلك إطلاقا".
ولاقت تصريحات ترمب ترحيبا من كبير المفاوضين الروس كيريل ديمترييف، الذي وصفها بأنها "محورية وتاريخية".
المعلومات الاستخباراتية.. ورقة الضغط التالية على كييف؟ولا تقتصر مؤشرات تدهور العلاقات بين واشنطن وكييف على مطالبة ترمب بوقف الهجمات على مصافي النفط الروسية، بل قد تمتد إلى أوراق الضغط التي تملكها الإدارة الأمريكية، وفي مقدمتها المعلومات الاستخباراتية التي لا تزال تقدمها لأوكرانيا.
وكانت صحيفة وول ستريت جورنال نقلت عن مصادر مطلعة أن مبعوثَي الرئيس الأمريكي، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، طلبا من الوفد الأوكراني، خلال محادثات ميامي، الامتثال لمطالب ترمب ووقف الهجمات على المصافي الروسية، وهددا ضمنيا، وليس صراحة، بوقف تبادل المعلومات الاستخباراتية مع كييف.
لكن مسؤولا أمريكيا نفى للصحيفة توجيه تهديد إلى الأوكرانيين بوقف تبادل المعلومات الاستخباراتية.
وكان مسؤولون أمريكيون وأوكرانيون وأوروبيون اجتمعوا في مدينة ميامي الأمريكية الجمعة، في إطار جهود دبلوماسية متجددة لإنهاء الحرب.
ويرى الكاتب ديفيد فروم في مجلة أتلانتيك أن ترمب "توقف منذ وقت طويل عن تقديم مساعدات لأوكرانيا"، لكن واشنطن لا تزال تقدم لكييف معلومات استخباراتية بالغة الأهمية.
ويحذر الكاتب من أن قطع هذه المعلومات، إذا نجح بوتين في إغراء ترمب بذلك، سيلحق ضررا حقيقيا بالقدرات الأوكرانية.
وعموما، ترجّح تقارير أن تؤدي التطورات الأخيرة إلى مزيد من التدهور في علاقة زيلينسكي بإدارة ترمب.
وكان زيلينسكي، قد تعرض لمواجهة حادة مع ترمب ونائبه جيه دي فانس في البيت الأبيض العام الماضي، حين قال له الرئيس الأمريكي: "ليس لديك الأوراق"، قبل أن يخيب أمل ترمب من بوتين بسبب فشل التوصل إلى اتفاق.
هل تعيد واشنطن حساباتها مع موسكو؟
في المقابل، وعقب الإعلان عن اتفاق الديزل، قال الكرملين -في بيان- إن بوتين وترمب اتفقا على مواصلة الاتصالات الشخصية والتعاون بين مؤسسات وأجهزة استخبارات البلدين.
وقبل أيام، كشفت صحيفة نيويورك تايمز في تقريرين استقصائيين أن مساعي واشنطن وموسكو للتوصل إلى تسوية سياسية في أوكرانيا باتت مرتبطة بمصير الأصول الدولية لشركة النفط الروسية العملاقة "لوك أويل" (Lukoil)، ضمن صفقة يشارك فيها مستثمرون تربطهم علاقات سياسية أو تجارية بعائلة ترمب ومبعوثيه إلى روسيا ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
وتثير هذه الصفقة تساؤلات حرجة بشأن احتمالية تضارب المصالح، لا سيما مع ارتباط الأسماء البارزة التي تدير دفة مفاوضات إنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا -مثل كوشنر وويتكوف- بمستثمرين تربطهم علاقات مالية وتجارية بعائلتيهما وبعائلة ترمب.
ووفقا للتحقيق الاستقصائي، طرح بوتين الصفقة خلال اجتماعه مع ويتكوف وكوشنر في الكرملين يوم 5 سبتمبر/أيلول الماضي، مقترحا إنجازها بوصفها وسيلة لإظهار أن التعامل التجاري مع الولايات المتحدة لا يزال ممكنا.
وردّ المبعوثان الأمريكيان بأنهما سيعملان على دفعها قُدما، بحسب أشخاص مطلعين على الاجتماع نقلت عنهم الصحيفة دون الكشف عن هوياتهم. ومن جانبهما، يرى ويتكوف وكوشنر في هذه الصفقة فرصة لتعزيز الثقة مع الكرملين والإسهام في خفض أسعار الطاقة عالميا، خصوصا أن موافقة الحكومة الأمريكية تعني رفع العقوبات عن تلك الأصول ورفع قيمتها فورا.
وكان زيلينسكي اعتبر -وفق بيان أصدرته السفارة الأوكرانية في واشنطن عقب الإعلان عن اتفاق الديزل- أن المفاوضين الأوكرانيين استُخدموا كـ"غطاء" للمضي في الاتفاق مع موسكو.
إعلان
المصدر: أتلانتك + أسوشيتد برس + الجزيرة + رويترز
إقرأ المزيد


