الجزيرة.نت - 10/11/2026 1:24:12 PM - GMT (+3 )
Published On 11/10/2026
|آخر تحديث: 12:51 (توقيت مكة)
لسنوات طويلة، اعتمدت أدق الساعات في العالم على انتقال الإلكترونات بين مستويات مختلفة من الطاقة داخل الذرات. لكن فريقا دوليا نجح الآن في جعل انتقال يحدث داخل نواة الذرة نفسها مرجعا لضبط الساعة، في خطوة قد تمهد لجيل جديد من أدوات قياس الزمن واختبار القوانين الأساسية للطبيعة والبحث عن المادة المظلمة.
في الدراسة الجديدة، التي نُشِرت يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول في دورية "نيتشر" (Nature)، أعلن الباحثون تشغيل ساعة نووية بصرية تعتمد على نظير الثوريوم-229، بعد أن تمكنوا من تثبيت تردد ليزر بصورة مستمرة على انتقال طاقي داخل نواة الثوريوم. فإذا بدأ تردد الليزر في الانحراف عن التردد الصحيح، ترصد الساعة هذا الانحراف وتصححه تلقائيا، بحيث تصبح النواة نفسها مرجعا يحافظ على استقرار الساعة.
ويقول لوكا توسكاني دي كول، طالب الدكتوراه في الفيزياء بجامعة فيينا التقنية والمؤلف الأول المشارك للدراسة، إن النقلة الأساسية تتمثل في تحويل انتقال الثوريوم النووي من ظاهرة يمكن قياسها في المختبر إلى مرجع يعمل فعليا داخل ساعة قادرة على مراقبة ترددها وتصحيحه بصورة مستمرة.
يوضح لوكا في تصريحات للجزيرة نت أن الفكرة تشبه من حيث المبدأ عمل الساعات الذرية التقليدية، لكن الفرق أن هذه الساعات تعتمد على انتقالات تحدث في إلكترونات الذرة، بينما تستخدم الساعة الجديدة انتقالا نادرا داخل نواة الثوريوم-229 عند طول موجي يبلغ 148 نانومترا.
اختار الباحثون هذا النظير لأن الانتقال داخل نواته منخفض الطاقة بصورة استثنائية ويمكن الوصول إليه باستخدام الليزر، كما أن النواة أقل تأثرا ببعض الاضطرابات الخارجية من الإلكترونات. ويتيح التصميم أيضا وضع أعداد هائلة من نوى الثوريوم داخل بلورة صغيرة، بدل التعامل مع ذرة أو أيون منفرد.
إعلان
يشرح المؤلف الأول للدراسة أن الفريق وضع نوى الثوريوم داخل بلورة صغيرة من فلوريد الكالسيوم تعمل في درجة حرارة الغرفة، ثم مرر عبرها ليزرا من الأشعة فوق البنفسجية العميقة. وعندما يبتعد تردد الليزر عن تردد الانتقال النووي، تتغير استجابة النوى، فتستخدم الساعة هذه الإشارة لإعادة الليزر تلقائيا إلى التردد الصحيح.
وللتأكد من أداء النظام، قارن الباحثون الساعة النووية بساعة بصرية أخرى تعتمد على أيون الإيتربيوم. واستطاعت ساعة الثوريوم العمل بصورة متواصلة لنحو يوم، ووصل عدم استقرار ترددها بعد هذه المدة إلى قرابة جزء واحد في ألف تريليون. "ولا يعني ذلك أن الساعة الجديدة أصبحت أدق من أفضل الساعات الذرية الموجودة حاليا، لكنها تمثل خطوة مهمة لأن النواة أصبحت للمرة الأولى مرجعا فعليا داخل ساعة نووية تعمل بنظام تصحيح مستمر" يضيف لوكا.
أحد أكثر تطبيقات الساعة إثارة هو البحث عن المادة المظلمة، وفقا للباحث الذي يشير إلى بعض النظريات التي تفترض وجود جسيمات أو حقول فائقة الخفة قد تسبب تغيرات دورية متناهية الصغر في الثوابت الأساسية للطبيعة، ويمكن أن تظهر هذه التغيرات في صورة اهتزاز صغير في تردد الساعة.
وقارن الباحثون ساعة الثوريوم بساعة الإيتربيوم لمدة قاربت 23 ساعة، بحثا عن تغيرات دورية تمتد من نحو 20 ثانية إلى يوم واحد. ولم يجدوا إشارة ذات دلالة إحصائية تدل على وجود المادة المظلمة، لكن عدم العثور على إشارة سمح لهم بوضع حدود جديدة على قوة تفاعل بعض أشكال المادة المظلمة المفترضة مع المادة العادية.
وأظهرت النتائج أن ساعة الثوريوم أصبحت قادرة على منافسة بعض أفضل الساعات الذرية في اختبار تفاعل المادة المظلمة مع الضوء. وفي بعض السيناريوهات المرتبطة بالقوة النووية الشديدة وكتل الكواركات، تمكنت القياسات من تحسين الحدود السابقة بنحو 100 إلى 1000 مرة.
لكن الساعة لا تزال في مرحلة مبكرة؛ إذ وجد الباحثون أن القياسات التي تجرى في أيام مختلفة لا تتكرر بالدقة نفسها، ويرجحون أن السبب يعود إلى اختلافات مجهرية داخل البلورة يمكن أن تغير تردد الانتقال النووي بدرجات صغيرة. كما أن تجربة البحث عن المادة المظلمة استمرت أقل من يوم، ولذلك لا يمكنها اختبار تغيرات تحدث على فترات زمنية أطول. ويتوقع الباحثون أن تحسين الليزر وجودة البلورات يمكن أن يرفع أداء الساعة بدرجة كبيرة في المستقبل.
إقرأ المزيد


