الجزيرة.نت - 9/23/2026 7:40:43 AM - GMT (+3 )
بين ثلاث بنايات سُوّيت بالأرض، تقف عمارة حمّاد في حي الصبرة جنوب غزة كأنها الناجية الوحيدة من الأحزمة النارية التي ضربت الحي، ورغم أنها قائمة، فإنها تبدو على شفا الانهيار.
لا يمكن للناظر من بعيد إلى البناية المائلة أن يتخيل وجود حياة ما تزال تدور في داخلها، لكن حبال الغسيل المزدحمة بالثياب المبللة، تشي بوجود سكان مجبرين على البقاء فيها.
كان الاقتراب من المبنى والصعود إلى داخله محفوفا بالمجازفة، فأرضيته مائلة وجدرانه متصدعة وأعمدته مدمرة، فيما صُنِّف المبنى ضمن المنشآت الواجب إخلاؤها وإزالتها.
وعلى بضعة أمتار متبقية دون انحدار أو تشققات من أرضية شقة سكنية داخل العمارة، تعيش حنان حمّاد (أم ياسر) وأبناؤها الأربعة وعائلاتهم بإجمالي 15 فردا، رغم تحذير الجهات المعنية لهم بضرورة مغادرة المكان قبل انهياره.
وبعد سقوط "عمارة السعادة " الأربعاء الماضي على رؤوس قاطنيها، لم تجد العائلة سوى محاولة إسناد ما تبقى من المبنى، فاستدان الابن الأكبر مبلغا ماليا لشراء دعامات، تقول أم ياسر للجزيرة نت: "استدان ابني 1000 دولار لشراء 30 دعامة حديدية، علها تمنح المبنى المقوّض وقتا إضافيا ".
لكن الدعائم لم تبدد خوف العائلة "نعيش برعب مضاعف خاصة بعدما سقط مؤخرا حجر كبير من أحد أجزاء السقف بالقرب من حفيدي الذي كان نائما "، سألت الجزيرة نت السيدة الفلسطينية: ما الذي يدفعكم إلى البقاء والمخاطرة؟ فتجيب باختصار: "إلى أين نذهب؟ ".
لا للخياملا تملك الأسرة المال لاستئجار منزل آخر، كما أن العودة إلى الخيمة تظل خيارا مرفوضا بعد أن جربوها أكثر من عام في جنوب القطاع.
تقول أم ياسر إن تجربة الخيمة كانت فوق الاحتمال، فقد أحرقتهم الشمس، وطاردتهم القوارض، وعاشوا إلى جوار مناهل الصرف الصحي وأكوام القمامة.
إعلان
ومع اقتراب الشتاء يتضاعف خوف السيدة، فلا تعرف كيف ستمضي لياليه، ولا إن كانت الأعمدة المتبقية ستصمد أمام المطر.
وبينما كانت أم ياسر تتحدث عن خوفها من الشتاء، أشارت إلى جارها أبو إسماعيل حماد في الجهة المقابلة، وقد كان منهمكا في تفكيك شوادر خيمته، ونقلها إلى أرض مجاورة أكثر ارتفاعا، في محاولة استباقية لمواجهة الشتاء.
اقتربت الجزيرة نت منه لكن تبين أن قصة الرجل مع هذا المكان أعمق من خوفه من الشتاء، فقد بنى خيمته على أنقاض المجزرة التي فقد فيها زوجته وأطفاله الستة في ديسمبر/كانون الأول 2023.
لكن المكان الذي أقام فيه الخيمة منخفض وقد يتحول مع أول هطول للمطر ودخول فصل الشتاء إلى مصدر للخطر؛ إذ كانت مياه الأمطار تتجمع فوق الخيمة لغياب أماكن تصريف مناسبة، وتتسرب إلى الداخل، حتى وصلت إلى مكان نومه، فاضطر لتفكيك خيامه ونقلها لمكان أعلى.
خوف تعيشه آلاف العائلات الفلسطينية في 2000 مبنى آيل للسقوط في أي لحظة، بحسب معطيات الدفاع المدني، الذي تعاملت طواقمه في الأيام الأخيرة مع عدة حوادث في منازل سبق أن تعرضت للاستهداف وصُنِّفت غير صالحة للسكن، لكن سكانا نازحين ظلوا يقيمون فيها لعدم توفر مساكن بديلة.
وفي آخر مهماته أنقذ الدفاع المدني 5 أطفال علقوا في الطابق العلوي لمنزلهم بعد انهيار درج المبنى المتصدع، فيما أخلى أسرا من عمارة "النجمة " في حي الشيخ رضوان عقب سقوط جدران منها، كما عاينت فرق الوقاية والسلامة عددا من المنازل المتصدعة، وأبلغت سكان أربعة منها بضرورة إخلائها والانتقال إلى أماكن أكثر أمانا.
لكن الإخلاء وإن كان إجراء احترازيا لحماية السكان من خطر الانهيار، لا يحل السؤال الأصعب وهو أين يذهب الذين فقدوا منازلهم؟
وفي هذا السياق كشف خبير البنية التحتية والإعمار في وزارة الأشغال ناجي سرحان للجزيرة نت أن الحرب دمرت نحو 330 ألف وحدة سكنية بشكل كامل، فيما تضررت 80 ألف وحدة بصورة بالغة وأصبحت غير صالحة للسكن، بينما تعرضت نحو 90 ألف وحدة لأضرار جزئية.
ولا يتوقف الأمر بحسب سرحان عند ترميم المنازل، فمواد البناء يمكن أن تتيح للسكان إقامة وحدات بسيطة، حتى لو كانت غرفة من الطوب بغطاء من ألواح الزينكو، إلى جانب توفير خزانات المياه والمواد اللازمة للمراحيض وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
ويقول المسؤول الفلسطيني إن خزانات المياه ومواسيرها والقطع الصحية وخراطيم المياه وغيرها من المستلزمات غير متوفرة، وإن إدخال مواد البناء سيكون في رأيه حلا أفضل لأزمة الإيواء من استمرار الاعتماد على الخيام.
الأرض تضيقوبحسب سرحان فإن 77% من أسر قطاع غزة تعد نازحة، ويعيش 66% منها في خيام، بينما تعيش النسبة المتبقية إما في شقق مستأجرة أو لدى أقارب.
ويشير خبير البنية التحتية إلى أن 54% من الخيام تحتاج إلى استبدال إذ أصبحت بالية وغير صالحة للعيش، معتبرا الخيام حلا مؤقتا لا يمكن أن يستمر طويلا، وأن إدخال الغرف المتنقلة (الكرفانات) يمكن أن يوفر للنازحين ظروفا أكثر ملاءمة للعيش.
إعلان
ولا تتوقف مشكلة المخيمات عند الخيمة نفسها، إذ يقول سرحان إن كثيرا منها يفتقر إلى شبكات الصرف الصحي والمياه النظيفة، إلى جانب الإنارة والخدمات اللازمة للحياة اليومية.
وتزداد صعوبة إيجاد مأوى مع ضيق المساحة المتاحة لإقامة المخيمات، فأهالي قطاع غزة، الذين يزيد عددهم على مليوني نسمة، يعيشون في مساحة تبلغ نحو 110 كيلومترات مربعة وفق سرحان، فيما تبحث وزارة الأشغال عن أماكن لإقامة مخيمات جديدة، لكنها تواجه نقصا في الأراضي المناسبة، بسبب زحف الخط الأصفر واحتلال إسرائيل لأجزاء واسعة من قطاع غزة، كما يبلغ العجز الحالي وفق سرحان، أكثر من 400 ألف وحدة سكنية.
ومع ضيق المساحات المتاحة لإقامة مخيمات جديدة، لا يجد كثير من النازحين أمامهم سوى البحث عما يتوفر من شقق للإيجار ولو كانت آيلة للسقوط.
يقول الوسيط العقاري فضل عبد العال للجزيرة نت إن سوق الإيجارات تغيرت بصورة كبيرة منذ بداية الحرب، مع تراجع عدد الشقق المعروضة بفعل تدمير المباني، مقابل ارتفاع حاد في الطلب.
ويقدر عبد العال ارتفاع الإيجارات بما يتراوح بين 300% و800% مقارنة بما قبل الحرب. ويضرب مثالا بشقة في حي الرمال كانت تؤجر قبل الحرب بنحو 700 شيكل (نحو 250 دولارا أمريكيا)، بينما يصل إيجارها اليوم إلى نحو 3200 شيكل (نحو 1000 دولار).
ويضيف أن الطلب يتركز في المناطق التي يراها السكان أكثر أمانا، ومنها وسط وغرب مدينة غزة، رغم تعرض أجزاء واسعة منها للدمار، موضحا أن كثيرا من الباحثين عن الشقق أسر دمرت منازلها في المدينة أو نازحون من شمال القطاع.
ومع ارتفاع الأسعار وقلة المعروض، اضطرت أسر إلى العودة إلى منازلها المتضررة لعدم قدرتها على دفع الإيجار، فيما اضطر أصحاب شقق غير مكتملة إلى عرضها للإيجار رغم حاجتها إلى أعمال السباكة والكهرباء والتجهيز، بحسب الوسيط العقاري.
ويقول عبد العال إن أزمة السكن الحالية ناتجة عن عاملين متداخلين، وهما ارتفاع الأسعار من جهة، والنقص الحقيقي في عدد الشقق المتاحة من جهة أخرى.
وبين بيوت على شفا الانهيار، وخيام على وشك الغرق، وشقق لا يستطيع النازحون دفع إيجارها، تنحصر خيارات الغزيين الذين لا يزالون يعيشون تحت وطأة آثار الحرب حتى اليوم.
إقرأ المزيد


