الجزيرة.نت - 9/22/2026 8:13:37 AM - GMT (+3 )
الخرطوم- بعد نحو 342 عاما على أول مجاعة موثقة في السودان القديم، يخشى مؤرخون وناشطون في المجالين الاجتماعي والإنساني تكرار مآس إنسانية تعيد إلى الأذهان سنوات كانت أشد فتكا بالمواطن نتيجة عوامل البيئة أو الحروب أو بفعل البشر كما يحدث حاليا.
ولا يحمل تاريخ السودان المدون سوى إشارات محدودة إلى المجاعات التي ضربت البلاد قبل القرن العشرين، بينما يحتفظ التراث الشعبي بروايات واسعة عن آثارها، من الموت جوعا وتفشي الأوبئة والأمراض إلى النزوح والهجرات الجماعية والتغيرات الديمغرافية.
ومن أبرز المجاعات خلال القرون الخمسة الماضية مجاعة عام 1684، التي وقعت في عهد مملكة الفونج واستمرت أربع سنوات، وشملت مناطق واسعة من وسط البلاد مع شح الحبوب وارتفاع الأسعار، مما دفع الناس إلى أكل لحوم الكلاب والنزوح بأعداد كبيرة. وتزامنت معها موجة تفش للجدري، أودت بأعداد كبيرة من السكان.
وفي عام 1750، ضربت مجاعة أخرى وسط السودان، ارتبطت بتفشي الجدري على نطاق واسع، مما أعاق المزارعين عن ممارسة أعمالهم.
أما مجاعة الأعوام 1835-1838، التي وقعت خلال الحكم المصري العثماني، فتأثرت بها مناطق وسط البلاد، وكان الجفاف الحاد الناجم عن نقص الأمطار وانخفاض منسوب النيل وجفاف الوديان من أبرز أسبابها.
تغيير ديمغرافيومن أشهر ما تحتفظ به الذاكرة الشعبية السودانية "مجاعة سنة ستة"، التي وقعت عام 1306هـ (1888-1889م) في عهد الخليفة عبد الله التعايشي، وكانت أزمة مركبة تداخلت فيها عوامل بيئية واقتصادية وسياسية واجتماعية.
وحصدت المجاعة أرواح مئات الآلاف من السكان والماشية، بعدما أدى شح الأمطار والحرب إلى تراجع الزراعة، وانخفاض منسوب النيل، ثم اجتاح الجراد معظم المحاصيل. وأمام الجوع الشديد، نزح كثيرون إلى مناطق أفضل حالا، وتذكر روايات شعبية أن بعض الأسر أغلقت أبوابها وماتت جوعا تجنبا للتسول. وتقدّر دراسات تاريخية ضحايا المجاعة والأوبئة في تلك الفترة بأكثر من 1.5 مليون شخص.
إعلان
وتكررت المجاعات خلال عامي 1920 و1921 بسبب شح الأمطار والجفاف ونقص المياه وتدهور الغطاء النباتي في حزام الساحل الأفريقي، وارتبطت الذاكرة الشعبية حينئذ بصورة سلبية عن الإدارة الاستعمارية، التي استخدمت السوط (الكرباج) في تنظيم توزيع المساعدات.
وخلال الأعوام 1940-1941 و1949-1950، ضربت مجاعتان مناطق وسط السودان وشرقه وغربه، وأودتا بحياة أعداد كبيرة من السكان والماشية، واضطرت الحكومة الاستعمارية إلى استيراد الذرة من الهند والفول من مصر لإغاثة المتضررين.
وخلال الفترة بين عامي 1970 و1974، شهدت مناطق غرب السودان وشرقه ووسطه تراجعا حادا في الأمطار، أدى إلى انخفاض إنتاج الحبوب وارتفاع أسعارها، ودفع السكان إلى النزوح نحو المدن، في حين تدخلت وكالة المعونة الأمريكية لإغاثة المتضررين.
وفي عام 1984، خلال عهد الرئيس الراحل جعفر نميري، ومع أسوأ موجة جفاف شهدتها دول شرق أفريقيا، تعرض السودان لإحدى أكبر أزماته الغذائية، بالتزامن مع أزمة اقتصادية وسوء إدارة توزيع الغذاء.
وانخفض إنتاج الذرة إلى أدنى مستوياته، وفقد الرعاة في غرب البلاد وشرقها 86% من ثروتهم الحيوانية، وتأثر نحو 2.8 مليون شخص في دارفور و1.2 مليون في كردفان. وأدت المجاعة إلى نزوح مئات الآلاف من غرب السودان نحو الخرطوم وولايات أخرى، وتركت آثارا عميقة على التركيبة السكانية والاجتماعية.
وفي عام 1988، خلال حكومة رئيس الوزراء الراحل الصادق المهدي، ضربت البلاد أزمة غذائية تزامنت مع سيول وفيضانات واسعة غمرت مساحات زراعية كبيرة، وعطلت الإنتاج في مناطق عدة.
ومع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، بدأت أزمة الغذاء تتفاقم بوضوح منذ عام 2024، لتنزلق البلاد إلى إحدى أسوأ أزماتها الغذائية الحديثة.
وتختلف المجاعات التاريخية في السودان عن المجاعة الحالية الناتجة عن حرب 2023 في طبيعة المحرك الأساسي، والنطاق الجغرافي والسكاني، إضافة إلى طبيعة استجابة المجتمع الدولي، حسب المرصد الإنساني في الخرطوم.
صنع البشريقول المؤرخ الاجتماعي والناشط في العمل الإنساني عبد الله التجاني للجزيرة نت إن معظم المجاعات السابقة ارتبطت بعوامل مناخية وبيئية، تفاقمت أحيانا بسبب سوء الإدارة والنزاعات، بينما تقف عوامل بشرية بصورة أكبر وراء الأزمة الحالية، أبرزها:
- المجاعات السابقة كانت محصورة غالبا في أقاليم بعينها كما حدث في عام 1984، أو مناطق في جنوب السودان قبل انفصاله في التسعينيات، بينما ظلت العاصمة والمدن الرئيسية تملك مقومات العيش والخدمات.
- أزمة غذاء شاملة ضربت قلب التجمعات الحضرية والزراعية الرئيسية في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار ودارفور وكردفان، وتسببت في نزوح ملايين المواطنين داخل البلاد وخارجها.
- التدمير الممنهج للبنية التحتية، وتعطيل المشروعات الزراعية الكبيرة، واستهداف الأسواق والمخابز والمحاصيل، إلى جانب تعطيل النظام المصرفي وشبكات التواصل مما عزل مناطق بأكملها.
- عرقلة الممرات الإنسانية، وتصاريح المرور لعمال الإغاثة، مع استخدام سلاح "الغذاء" والتحكم في الإمدادات من قِبل أطراف النزاع، فضلا عن نقص التمويل الدولي مقارنة بحجم الأزمة.
إعلان
ويرى الباحث الاقتصادي محمد عبد الرحمن أن أزمة الأمن الغذائي في السودان تعكس فجوة تنموية واضحة، رغم امتلاك البلاد مقومات تؤهلها لتكون "سلة غذاء عالمية"، من نحو 200 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة، وموارد مائية من النيل والأمطار، وثروة حيوانية كبيرة، لكن عوامل متداخلة تعوق استغلال هذه الإمكانات.
ويقول عبد الرحمن للجزيرة نت إن الحروب والنزاعات المسلحة من أكثر العوامل تأثيرا في الإنتاج الغذائي، إلى جانب نزوح المزارعين من أراضيهم، وغياب الاستقرار السياسي والسياسات الزراعية، وضعف التمويل والضمانات الحكومية، والاعتماد على أساليب الزراعة التقليدية.
أزمة الغذاء في السودان تفاقمت منذ عام 2024، لتدخل البلاد إحدى أسوأ مراحل الجوع في تاريخها الحديث (الجزيرة)
إقرأ المزيد


