مراكز البيانات.. البنية الخفية وراء التطبيقات والخدمات السحابية
الجزيرة.نت -

مركز البيانات هو منشأة، قد تكون غرفة أو مبنى أو مجموعة مبان متجاورة، تضم البنية التحتية اللازمة لبناء التطبيقات والخدمات وتشغيلها وتخزين بياناتها وإدارتها. ويقوم تصميم المركز على شبكة من أجهزة الحوسبة والتخزين، تشمل الخوادم ومحركات تخزين البيانات ومعدات الشبكة وأجهزة التوجيه والمحولات ووحدات التحكم.

وتهيأ هذه المراكز لتشغيل المواقع والبرمجيات الكبيرة على مدار الساعة، لذلك تزود بأنظمة للتبريد ومكافحة الحرائق، وبطاريات تعمل فور انقطاع الكهرباء، إضافة إلى مصادر متعددة للطاقة وخطوط الاتصال بالإنترنت. كما تضمّ أنظمة أمنية لحماية الخوادم ومنع الوصول غير المصرح به إليها.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

ومع توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يرتفع استهلاك مراكز البيانات للكهرباء من 415 تيراواط ساعة عام 2024 إلى 945 تيراواط ساعة عام 2030، مما يزيد الضغوط على شبكات الطاقة والموارد الطبيعية ويرفع الانبعاثات.

وعلى إثر ذلك، تصاعدت في الولايات المتحدة اعتراضات على استهلاكها الكبير للكهرباء والمياه والأراضي، والحوافز الضريبية الممنوحة لمشغليها، مما دفع مدنا وولايات إلى تقييد مشروعاتها، ووصل النقاش إلى الكونغرس الذي اتجه إلى تحميلها جزءا أكبر من تكاليف الطاقة في سبتمبر/أيلول 2026.

عامل يربط وحدات من نظام "آي بي إم إنتليجنت كلاستر" تضم خوادم وأجهزة لتخزين البيانات (غيتي)
أهمية مراكز البيانات

تحتاج الشركات إلى معدات حوسبة لتشغيل تطبيقات الويب والأنظمة الداخلية، وتقديم الخدمات وبيع المنتجات وإدارة الحسابات والموارد البشرية والعمليات.

ومع نمو أعمالها واتساع عمليات تكنولوجيا المعلومات، تزداد كمية المعدات المطلوبة، بينما تصبح صيانتها أكثر صعوبة إذا توزعت على فروع ومواقع متعددة. لذلك تلجأ الشركات إلى جمع أجهزتها في مركز بيانات واحد لإدارتها بكفاءة وبتكلفة أقل، أو تستخدم مراكز بيانات تابعة لجهات خارجية.

إعلان

توفر مراكز البيانات بيئة مستقرة لتخزين البيانات ومعالجتها وتشغيل الخدمات دون انقطاع، كما تتيح للشركات توسيع قدراتها بما يتناسب مع نمو حجم البيانات وتغير احتياجاتها التقنية. وتطبق فيها تدابير أمنية لحماية المعلومات الحساسة من الهجمات السيبرانية والوصول غير المصرح به، والامتثال للقوانين المنظمة للبيانات.

وتشمل تجهيزاتها وحدات احتياطية لإمداد الطاقة عند انقطاع الكهرباء، وأنظمة لنسخ البيانات عبر أجهزة متعددة بهدف التعافي من الكوارث، ومرافق للتحكم في درجات الحرارة وإطالة عمر المعدات. وبذلك تسهم مراكز البيانات في رفع الكفاءة التشغيلية ودعم قدرة المؤسسات على الاستجابة للتحديات التقنية وتطوير خدماتها.

مركز البيانات ومزرعة الخوادم في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية "سيرن" بمدينة ميرين السويسرية (غيتي)
تاريخ تطور مراكز البيانات

ظهرت مراكز البيانات في أوائل أربعينيات القرن العشرين، حين كانت الحواسيب المركزية تتكون من أجهزة ضخمة ومعقدة، تتطلب توصيلات كثيرة وتستهلك كميات كبيرة من الطاقة، فضلا عن حاجتها إلى التبريد لمنع ارتفاع حرارتها. لذلك كانت الشركات تجمع مكونات الحاسوب في غرفة واحدة مخصصة لها، وتتولى إنشاء هذه المنشأة وصيانتها بنفسها.

ويعدّ حاسوب "إينياك" (ENIAC) الذي أنشأه الجيش الأمريكي في جامعة بنسلفانيا عام 1945، من الأمثلة المبكرة على الأنظمة التي احتاجت إلى مساحة مخصصة لاستضافة أجهزتها الكبيرة.

ومع تطور تقنيات الحوسبة، تقلص حجم الأجهزة وانخفض استهلاكها للطاقة. وفي تسعينيات القرن العشرين، بدأت الحواسيب الصغيرة تملأ غرف الحواسيب المركزية القديمة، وأطلق عليها اسم "الخوادم"، بينما عرفت الغرف التي تضمها باسم "مراكز البيانات".

وفي المقابل، ازدادت أنظمة تكنولوجيا المعلومات تعقيدا بسبب النمو الكبير في حجم البيانات، وظهور المحاكاة الافتراضية التي فصلت البرمجيات عن الأجهزة، وتطور الشبكات الذي أتاح تشغيل التطبيقات على أجهزة بعيدة.

وفي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، غيّر ظهور الحوسبة السحابية نمط عمل مراكز البيانات، إذ بدأت شركات خارجية تتولى إدارتها وصيانتها، وتوفر موارد الحوسبة للمؤسسات عبر الإنترنت عند الطلب، مقابل الدفع بحسب الاستخدام، مع إمكان زيادة الموارد أو خفضها عند الحاجة.

وفي عام 2006، أطلقت "غوغل" أول مركز بيانات فائق النطاق في مدينة دالس بولاية أوريغون الأمريكية. ويشغل المركز حاليا مساحة تبلغ 1.3 مليون قدم مربعة، ويعمل فيه نحو 200 موظف. وتتوقع دراسة لشركة "ماكينزي آند كومباني" نمو صناعة مراكز البيانات بنسبة 10% سنويا حتى عام 2030، ووصول الإنفاق العالمي على بناء المرافق الجديدة إلى 49 مليار دولار.

غرفة خوادم في مركز بيانات الاتصالات التابع لشركة سامسونغ بمدينة سوون في كوريا الجنوبية (غيتي)
تكوين مراكز البيانات

يتكون مركز البيانات من ثلاث بنى أساسية هي: الحوسبة والتخزين والشبكات، إضافة إلى بنية داعمة تضمن استمرار عمل المعدات، تشمل مكوناته الخوادم وأنظمة التخزين وأجهزة التوجيه والمحولات والجدران النارية ووحدات التحكم في تسليم التطبيقات.

إعلان

ونظرا إلى أن هذه المكونات تستضيف بيانات المؤسسات وتطبيقاتها، فإن الأمن يشكل جزءا أساسيا من تصميم المركز وتشغيله.

  • البنية التحتية للحوسبة

توفر الخوادم قدرات المعالجة والذاكرة والتخزين المحلي والاتصال بالشبكة اللازمة لتشغيل التطبيقات وتقديم الخدمات والبيانات للمستخدمين. وتأتي خوادم مراكز البيانات في أشكال عدة، أبرزها:

  • الخوادم المثبتة على الرفوف: خوادم مسطحة ومستقلة، ترتب داخل خزائن مخصصة تضم الرفوف والكابلات ومراوح التبريد.
  • الخوادم النصلية (Blade Servers): وحدات صغيرة تثبت داخل هيكل واحد يتولى توفير الطاقة وإدارة الشبكة والموارد المشتركة.
  • الحواسيب المركزية: أجهزة عالية الأداء تضم معالجات متعددة، ويمكنها تنفيذ عمل عدد كبير من الخوادم ومعالجة مليارات العمليات والمعاملات في الوقت الفعلي.

ويعتمد اختيار نوع الخادم على مساحة مركز البيانات وطبيعة أعباء العمل والطاقة المتاحة والتكلفة.

  • البنية التحتية للتخزين

تستخدم مراكز البيانات ثلاثة أنظمة رئيسية للتخزين:

  1. التخزين المتصل مباشرة بالخادم (DAS).
  2. التخزين المتصل بالشبكة (NAS) الذي يتيح مشاركة الملفات بين خوادم متعددة.
  3. شبكة منطقة التخزين (SAN) التي توفر تخزينا مشتركا عبر شبكة مستقلة.

وقد يجمع المركز بين هذه الأنظمة وفقا لاحتياجاته.

  • البنية التحتية للشبكة

وتربط المحولات وأجهزة التوجيه والجدران النارية والكابلات والألياف البصرية بين الخوادم وأنظمة التخزين والمستخدمين. وتحتاج مراكز البيانات -ولا سيما الفائقة النطاق- إلى اتصالات سريعة لاستيعاب حركة البيانات الداخلية والخارجية.

  • البنية التحتية الداعمة

وتشمل أنظمة الطاقة والتبريد والتهوية وإخماد الحرائق والأمن المادي، إلى جانب وحدات إمداد الطاقة غير المنقطعة والمولدات الاحتياطية. كما تخضع الكابلات لتنظيم دقيق لمنع التشويش وارتفاع الحرارة وضمان سلامة نقل البيانات.

نظام "آي بي إم كوانتوم سيستم وان" أثناء افتتاح أول مركز أوروبي للبيانات الكمية في مدينة إينغن الألمانية (غيتي إيميجز)
أنواع مراكز البيانات وخدماتها

تختلف مراكز البيانات بحسب ملكيتها وطريقة إدارتها والخدمات التي تقدمها، وقد تجمع المؤسسة بين أكثر من نوع وفقا لاحتياجاتها.

وتشمل أبرز أنواعها المراكز المحلية التي تمتلكها المؤسسة وتديرها داخل مقارها، ومرافق الموقع المشترك التي تستضيف معدات المؤسسات وتوفر لها الطاقة والتبريد والاتصال، والمراكز المدارة التي تؤجر الخوادم وأنظمة التخزين والشبكات وتتولى تشغيلها وصيانتها، وتستخدم أيضا لحفظ النسخ الاحتياطية والتعافي من الكوارث.

وتشمل كذلك المراكز السحابية التي توفر موارد الحوسبة والتخزين عبر الإنترنت مقابل الدفع بحسب الاستخدام، مع إمكان زيادتها أو خفضها عند الحاجة، والمراكز فائقة النطاق التي تضم آلاف الخوادم، ومراكز الحافة المقامة بالقرب من المستخدمين لتقليل زمن الاستجابة، إضافة إلى مراكز استضافة المواقع والتطبيقات التي توفر خوادم مستقلة أو افتراضية خاصة (VPS).

استهلاك الطاقة والانبعاثات

توقعت وكالة الطاقة الدولية أن يتضاعف استهلاك مراكز البيانات للكهرباء بحلول عام 2023، مدفوعا بتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي. واستحوذت هذه المراكز عام 2024 على نحو 1.5% من الاستهلاك العالمي للكهرباء، بما يعادل 415 تيراواط ساعة، وتوزع 85% منه بين الولايات المتحدة بنسبة 54%، والصين بنسبة 25%، وأوروبا بنسبة 15%.

وتشير تقديرات الوكالة إلى ارتفاع الاستهلاك إلى 945 تيراواط ساعة عام 2030، وهو ما يقارب استهلاك اليابان السنوي الحالي. وشكلت الخوادم المخصصة للذكاء الاصطناعي 24% من استهلاك الخوادم للكهرباء و15% من إجمالي استهلاك مراكز البيانات للطاقة عام 2024.

إعلان

ويستهلك مركز بيانات نموذجي مخصص للذكاء الاصطناعي كهرباء تعادل استهلاك 100 ألف منزل، بينما قد تستهلك أكبر المراكز قيد الإنشاء ما يعادل مليوني منزل. ونما استهلاك القطاع للكهرباء بنحو 12% سنويا منذ عام 2017، أي بأكثر من أربعة أمثال معدل نمو الاستهلاك العالمي، في حين تضاعف الاستثمار فيه تقريبا منذ عام 2022 ليبلغ نصف تريليون دولار عام 2024.

ومن المتوقع أن ترتفع الانبعاثات الناتجة عن كهرباء مراكز البيانات من 180 مليون طن إلى 300 مليون طن بحلول عام 2035، وقد تبلغ لاحقا 500 مليون طن. ورغم بقائها دون 1.5% من انبعاثات قطاع الطاقة، تعد من أسرع مصادر الانبعاثات نموا. وفي المقابل، تشير بعض الدراسات إلى أن استخدام حلول الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع قد يخفض الانبعاثات المرتبطة بالطاقة بنحو 5% عام 2035، لكنها تظل نسبة أقل من المطلوب لمواجهة تغير المناخ.

سطح مركز بيانات تابع لشركة "إكوينيكس" في العاصمة البريطانية لندن ضمن أكبر تجمع لمراكز البيانات في أوروبا (غيتي)
احتجاجات أمريكية

ومع التوسع في مراكز البيانات المستخدمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، تصاعد الجدل في الولايات المتحدة عام 2026 بشأن استهلاكها للكهرباء والمياه والأراضي، وما يصاحبها من ضوضاء وتلوث وحوافز ضريبية للشركات المشغلة.

وفي مدينة ديفاينس بولاية أوهايو، دفعت استفسارات شركات تكنولوجيا السكان إلى المطالبة بحظر المراكز الجديدة، باستثناء الصغيرة منها، رغم عدم الإعلان عن أي مشروع فعلي، بينما أوقفت السلطات الموافقة على المشروعات ستة أشهر.

وامتد الجدل إلى الكونغرس، إذ أقرّ في سبتمبر/أيلول 2026 مجلس النواب بأغلبية 417 صوتا مقابل 3 فقط مشروع قانون يهدف إلى تحميل مراكز البيانات تكاليف توسيع شبكات الكهرباء اللازمة لخدمتها، بدلا من نقلها إلى المواطنين.

وأظهر استطلاع لرويترز أن 64% من الأمريكيين يعارضون التوسع السريع في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، بينما يرفض 57% إنشاءها في مجتمعاتهم.



إقرأ المزيد