الجزيرة.نت - 9/20/2026 4:00:22 PM - GMT (+3 )
Published On 20/9/2026
في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، التقط مرصد ليغو الراديوي في الولايات المتحدة إشارة من موجات الجاذبية قادمة من اندماج ثقبين أسودين على بعد نحو ملياري سنة ضوئية.
بدا الحدث استثنائيا منذ البداية، إذ أشارت التحليلات إلى ثقبين تبلغ كتلتهما نحو 100 و140 مرة كتلة الشمس، قبل أن يندمجا في ثقب أسود تزيد كتلته على 225 مرة كتلة الشمس. وكانت المشكلة أن هذه الكتل الكبيرة يصعب تفسيرها بنماذج تطور النجوم المعروفة.
وتحمل الإشارة اسم "جي دبليو 231123 " (GW231123)، وقد أثارت الحيرة أيضا سرعة دوران الثقبين الأسودين، التي كانت أعلى مما يتوقعه العلماء عادة.
وفي أغسطس/آب 2026، اقترح فريق من معهد ماكس بلانك لفيزياء الجاذبية تفسيرا جديدا مفاده أن الثقوب السوداء ربما لم تكن بهذه الضخامة أصلا، وإنما تعرضت موجات الجاذبية التي حملت خبر اندماجها لتأثير جاذبي أثناء رحلتها الطويلة إلى الأرض.
عندما تنحني موجات الجاذبيةالثقب الأسود منطقة من الفضاء تكون فيها الجاذبية شديدة إلى درجة لا يستطيع الضوء الإفلات منها. أما موجات الجاذبية فهي تموجات في الزمكان تنتج عندما تتسارع أجسام شديدة الكتلة، مثل ثقبين أسودين يدوران حول بعضهما قبل الاندماج. وقد أصبح رصدها ممكنا مباشرة بواسطة مراصد مثل ليغو منذ عام 2015.
والفكرة الجديدة تستند إلى ظاهرة معروفة باسم عدسة الجاذبية (gravitational lensing). فعندما يمر الضوء القادم من جسم بعيد قرب جسم ضخم، يمكن لجاذبيته أن تحني مساره وتكبّره أو تشوه صورته، وقد أثبتت أرصاد كثيرة هذا التأثير على الضوء.
الجديد هنا أن الباحثين درسوا احتمال حدوث تأثير مشابه على موجات الجاذبية نفسها. وللقيام بذلك، طور الفريق وصفا رياضيا لتأثير العدسة في هذه الموجات وبرمجيات قادرة على تحليل الإشارات.
إعلان
يقول ميغيل زومالاكاريغي، عالم الفيزياء الفلكية وقائد مجموعة في قسم النسبية الفلكية والكونية بمعهد ماكس بلانك لفيزياء الجاذبية: إن موجات الجاذبية، مثل الضوء، يمكن أن تنحرف وتتضخم وتنقسم إلى إشارات متعددة بفعل الأجسام الضخمة. ويضيف أن تأثيرات الحيود والتداخل يمكن أن تمنح العلماء وسيلة إضافية للتعرف إلى الإشارات التي تعرضت للعدسة.
حل للغز يفتح لغزا آخرأظهرت نماذج الفريق أنه إذا مرت إشارة "جي دبليو 231123 " بالقرب من جسم مدمج تتراوح كتلته بين 190 و850 مرة كتلة الشمس، أو عبر بنية ممتدة مثل عنقود نجمي كروي، فإن التضخيم والتشوه الناتجين قد يجعلان الثقوب السوداء تبدو أكثر ضخامة مما هي عليه.
ووفقا لهذا التفسير، يمكن أن تكون الكتلة الإجمالية للثقب الأسود الناتج نحو 140 مرة كتلة الشمس بدلا من نحو 230 مرة، ما يجعل الحدث أقل تطرفا وأسهل توافقا مع نماذج تشكل الثقوب السوداء.
لكن التفسير لا يحسم القضية، فلم يرصد العلماء حتى الآن دليلا مباشرا على أن موجات الجاذبية في هذه الحالة تعرضت فعلا لعدسة جاذبية، كما أنهم لا يعرفون ما الجسم الذي يمكن أن يكون قد أدى دور العدسة.
يقول زومالاكاريغي إن طبيعة هذه العدسة تظل لغزا، لأن وجود أجسام منفردة بكتل تتراوح بين 100 و1000 مرة كتلة الشمس نادر للغاية.
ولهذا لا تكمن أهمية البحث في حل لغز "جي دبليو 231123 " فحسب، بل في احتمال فتح نافذة جديدة على الكون. فإذا تأكد مستقبلا أن موجات الجاذبية يمكن أن تتأثر بعدسة الجاذبية، فقد يستخدم العلماء تضخيمها لرصد اندماجات أبعد من قدرة المراصد الحالية، بينما يمكن أن يساعد الحيود في دراسة الأجسام المدمجة وربما بنى المادة المظلمة الموجودة على امتداد طريق الموجات.
وهكذا يوضح هذا الحدث قيمة العلم، فأحيانا لا تأتي الإجابة من اكتشاف جديد فقط، بل من إعادة النظر في الطريقة التي وصلت بها المعلومة إلينا.
إقرأ المزيد


