أوروبا تستعد.. حرب هجينة وتسليح ومخاوف نووية
الجزيرة.نت -

تتعامل أوروبا بصورة متزايدة مع احتمال تصعيد روسي باعتباره خطرا يتجاوز حدود الحرب في أوكرانيا، بعدما بدأت مؤشرات التهديد تظهر في صورة هجمات هجينة، وتوغلات بمسيرات، وتحذيرات من استهداف أراضي دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) بالتوازي مع سباق لتعزيز القدرات العسكرية والدفاعية.

وبينما تستعد دول أوروبية لسيناريوهات مواجهة تقليدية، تتسع المخاوف من أن تلجأ موسكو إلى أدوات أكثر خطورة، بما في ذلك التهديد النووي.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

وتعكس تغطية عدد من الصحف والمواقع الإخبارية الغربية اتساع هذه المخاوف، إذ تناولت التطورات من زوايا متعددة، فركزت صحيفة لوتان السويسرية على استعدادات بولندا لاحتمال تعرضها لضربات روسية، فيما تناولت تلغراف مؤشرات التصعيد الروسي والحرب الهجينة.

ورصدت "صنداي تايمز" تعزيز حضور حلف الناتو في غرينلاند، بينما سلط موقع "آي بيبر" الضوء على الاستعدادات العسكرية البريطانية والتحذيرات من احتمال تصعيد نووي.

وفي بولندا، التي تقع على الجناح الشرقي للناتو وتجاور أوكرانيا، تبدو المخاوف أكثر مباشرة، إذ نقلت "لوتان" عن رئيس الوزراء دونالد توسك قوله إن المعلومات الاستخباراتية تشير إلى احتمال تنفيذ ضربات روسية هجينة باستخدام المسيّرات والصواريخ ضد دول تدعم أوكرانيا.

وحذر توسك من احتمال سقوط مسيّرات على أراضي دول الحلف. وبالتزامن، بدأت وارسو تعزيز الدفاعات الجوية وإنشاء ملاجئ ومنشآت حماية في المناطق الحدودية، فيما تعمل السلطات على رفع جاهزية السكان المدنيين.

ويكشف الوضع في بولندا أيضًا عن فجوة بين الاستعداد العسكري والجاهزية المدنية، فبحسب التقرير، لا تتجاوز نسبة السكان الذين يمكنهم الوصول إلى ملاجئ نحو 4%، بينما تواجه السلطات تحدي إقناع السكان بأخذ الإنذارات الجوية على محمل الجد، خصوصا المناطق التي اعتاد سكانها على سماع التحذيرات دون وقوع هجمات مباشرة.

إعلان

وتنقل "تلغراف" عن مسؤولين استخباراتيين غربيين اعتقادهم بأن الكرملين يهيئ الأرضية لما وصفته الصحيفة بـ"التعبئة الخفية" عبر زيادة التجنيد التعاقدي واتخاذ إجراءات إدارية تسمح بتوسيع نطاق الاستدعاء العسكري إذا اتُخذ القرار السياسي بذلك.

وترى مصادر أمنية أوروبية أن موسكو قد تستخدم أي تعبئة جديدة ليس فقط لتعزيز قواتها في أوكرانيا، وإنما لزيادة وجودها على حدودها الغربية مع الناتو.

ويتزامن ذلك مع تحذيرات أوروبية من تصاعد الحرب الهجينة، فقد قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن التهديد الروسي الهجين ضد بلاده وأوروبا "اشتد" خلال الأسابيع الأخيرة.

وأوضح ماكرون أن الهدف منه هو ترهيب الدول الأوروبية وإضعاف دعمها لأوكرانيا. وفي بريطانيا، تصاعد الحديث عن الحاجة إلى رفع الإنفاق الدفاعي والاستعداد لسيناريوهات صراع محتملة، فيما بدأت الحكومة تسريع خطط الطوارئ المدنية وإعادة صياغة "كتاب الحرب" السري الذي يحدد ترتيبات الدولة في حال اندلاع أزمة أو نزاع واسع.

ماكرون: التهديد الروسي الهجين ضد فرنسا وأوروبا "اشتد" خلال الأسابيع الأخيرة (الأوروبية)

وفي أقصى الشمال الأوروبي، تنتقل الاستعدادات إلى منطقة القطب الشمالي. فقد شاركت قوات من 11 دولة في حلف الناتو في مناورات «Arctic Shield» في غرينلاند، ضمن جهد أوسع لتعزيز الوجود العسكري للحلف في المنطقة.

وتنقل "صنداي تايمز" عن قيادة القطب الشمالي الدانماركية أن روسيا عززت وجودها العسكري هناك على مدى السنوات الماضية، وأن انتهاء الحرب في أوكرانيا قد يتيح لموسكو إعادة توجيه جزء من مواردها نحو مناطق أخرى.

ويأتي هذا التحرك في وقت أصبحت فيه غرينلاند محورًا للتنافس الإستراتيجي بين القوى الكبرى، مع ذوبان الجليد وفتح طرق بحرية جديدة وزيادة النشاط الروسي والصيني في القطب الشمالي.

ووفق التقرير، يركز الناتو على تحويل جناحه الشمالي إلى منطقة يصعب استهدافها، من خلال تدريب القوات على القتال في الظروف القطبية وتعزيز قدراتها في المراقبة والطائرات المسيّرة والعمليات البرمائية.

أما بريطانيا، فتستعد لتعزيز قدراتها البرية عبر دبابات شالندجر-3″ (3-Challenger) وتوضح "آي بيبر" أن الدبابة الجديدة مزودة بمدفع أكثر قوة وأنظمة حماية متقدمة، لكن الحرب في أوكرانيا أثارت سؤالًا أساسيًا حول مستقبل الدبابات في عصر المسيّرات.

بترايوس: قدرة المدرعات الثقيلة على البقاء في ساحة المعركة أصبحت أكثر تعقيدًا (رويترز)

وينقل التقرير عن خبراء، بينهم الجنرال الأميركي المتقاعد ديفيد بترايوس، أن قدرة المدرعات الثقيلة على البقاء في ساحة المعركة أصبحت أكثر تعقيدًا بسبب انتشار المسيّرات، في حين يؤكد ضباط بريطانيون أن الدبابات لا تزال ضرورية للسيطرة على الأرض وحماية القوات البرية.

وتكشف هذه الاستعدادات عن تحول أوسع في التفكير الدفاعي الأوروبي، فلم يعد الأمر مقتصرًا على زيادة عدد الأسلحة بل يشمل حماية البنية التحتية، وتطوير الدفاعات الجوية، وتدريب المدنيين، وتعزيز الجاهزية في المناطق الحدودية والقطبية، والاستعداد لحرب تستخدم فيها موسكو أدوات عسكرية وغير عسكرية في آن واحد.

بترايوس: قدرة المدرعات الثقيلة على البقاء في ساحة المعركة أصبحت أكثر تعقيدًا بسبب انتشار المسيّرات

ويطرح بتروف احتمال أن يبدأ التصعيد بتهديد نووي أكثر جدية أو باستئناف التجارب النووية، وصولًا، في أسوأ السيناريوهات، إلى استخدام سلاح نووي، معتبرًا أن القرار الروسي سيبقى مرتبطًا بحسابات الكلفة والفائدة وليس باعتبار السلاح النووي "محرّمًا" من حيث المبدأ.

إعلان

وبين التحذير من التعبئة الروسية، وتصاعد الهجمات الهجينة، والاستعدادات البولندية، وتعزيز الجناح القطبي للناتو، وتحديث القدرات البريطانية، تبدو أوروبا وكأنها تنتقل تدريجيًا من مرحلة التعامل مع الحرب الروسية على أوكرانيا كأزمة إقليمية إلى الاستعداد لاحتمال مواجهة أوسع.

ولا يعني ذلك أن حربًا مباشرة بين روسيا والناتو باتت حتمية، لكنه يعكس تغيرًا واضحًا في حسابات الأمن الأوروبي، حيث أصبحت الاستعدادات العسكرية والمدنية جزءًا من التعامل مع خطر تعتبره الحكومات الأوروبية أكثر اتساعًا وتعقيدًا من مجرد استمرار القتال داخل أوكرانيا.



إقرأ المزيد