الجزيرة.نت - 9/19/2026 1:41:24 PM - GMT (+3 )
لا تُقاس قوة الدولة بما تمتلكه من موارد فحسب، وإنما بقدرتها على إبقاء الجغرافيا التي تحمل تلك الموارد متصلة بقرارها السياسي. وتزداد أهمية هذه القوة عندما تتمركز الموارد الحيوية في أقاليم تختلف تركيبتها السكانية والإثنية عن المركز السياسي.
ومن هنا يكتسب التنوع السكاني والإثني في إيران دلالة جيوبوليتيكية تتجاوز الوصف الديمغرافي، من دون أن يعني ذلك أنه يمثل في ذاته مصدرا تلقائيا للتهديد أو التفكك؛ فالدول المتعددة الهويات قد تحوّل تنوعها إلى مصدر قوة إذا امتلكت مؤسسات إدماج عادلة وفاعلة.
غير أن الحالة الإيرانية تكتسب دلالة جيوبوليتيكية خاصة عندما يتقاطع التنوع مع التفاوت التنموي، وضعف التمثيل، والتمييز المذهبي أو الثقافي، وكثافة الحضور الأمني، ومع وجود امتدادات بشرية وقومية تتجاوز الحدود السياسية للدولة.
عند هذه النقطة تنتقل المسألة من وصف التركيبة السكانية إلى تحليل أثرها في بنية الدولة وتوزيع مواردها وقدرتها على تحويل القوة المادية إلى فعل سياسي وعسكري مستدام.
تنطلق هذه القراءة من معضلة "المركز والأطراف"، ففي الهضبة المركزية ذات الأغلبية الفارسية تتمركز القيادة السياسية والمؤسسات السيادية ومراكز القرار والمال، ولا سيما في طهران وأصفهان وشيراز، بينما تحيط بالدولة أقاليم حدودية ذات تركيبات إثنية وقومية متنوعة: الأذريون في الشمال الغربي على تماس مع جمهورية أذربيجان وتركيا، والأكراد في الغرب ضمن امتداد بشري يتصل بالعراق وتركيا وسوريا، والعرب في الأحواز بمحاذاة العراق والخليج العربي، والبلوش في الجنوب الشرقي على امتداد بلوشستان الباكستانية وبجوار أفغانستان، مع حضور مذهبي سني واضح، ثم التركمان في الشمال الشرقي، إلى جانب التالش وجماعات أخرى عند تخوم القوقاز وآسيا الوسطى.
ولا تتساوى هذه الجماعات في الحجم أو الاندماج أو علاقتها بالمركز، ولذلك لا يصح التعامل معها بوصفها كتلة سياسية واحدة، لكن اجتماعها في الحزام الحدودي يمنح توزيعها وزنا يتجاوز الحساب العددي.
إذا اضطرت طهران إلى تخصيص حاميات أمنية إضافية أو توسيع انتشار الحرس الثوري والباسيج والاستخبارات، أو تقديم دعم تنموي إسعافي، أو حماية المنشآت والمعابر بصورة دائمة، فإن جزءا من موارد القوة يتحول من إنتاج النفوذ الخارجي إلى احتواء الانكشاف الداخلي
تكمن المفارقة الجيوبوليتيكية في أن السلطة الإدارية والسياسية تقيم في المركز، بينما يقع جزء معتبر من الأصول التي تمنح الدولة قدرتها المادية على الاستمرار في الأطراف أو بمحاذاتها. فخوزستان تمثل عقدة رئيسية في إنتاج الطاقة والبنية النفطية والمنافذ المائية، وتشكل سواحل مكران وسيستان وبلوشستان نافذة إيران المباشرة على بحر عُمان والمحيط الهندي بعيدا نسبيا عن اختناق الخليج، وتؤدي أذربيجان الشرقية والغربية وظيفة بوابة الاتصال البري مع تركيا والقوقاز والأسواق الواقعة أبعد منهما، فيما تمثل المناطق الكردية نطاق اتصال أمني وتجاري مع العراق وتركيا.
إعلان
وبهذا لا تكون الأطراف هامشا سكانيا بل جزءا من البنية الاقتصادية واللوجيستية والأمنية التي يقوم عليها المركز نفسه.
وهنا يتقاطع التحليل مع "قانون ثبات الوظيفة الجيوسياسية": فالإقليم يحتفظ بوظيفته التي تمنحها له الجغرافيا بصرف النظر عن هوية النظام الحاكم أو الفاعل الذي يسيطر عليه. تتغير السلطة لكن موقع خوزستان في معادلة الطاقة، وموقع مكران في الوصول إلى المحيط، وموقع الشمال الغربي في الاتصال القاري، لا تتغير وظائفها الأساسية بسهولة.
ومن ثم فإن الأحواز وبلوشستان ليستا استثناء من هذا القانون بل حالتي اختبار له من زاوية العلاقة بين الوظيفة الجغرافية والتوتر الإثني. وكلما ازدادت أهمية الأصل الموجود في الإقليم ارتفعت كلفة اضطرابه على الدولة حتى إن ظل الاضطراب محليا ومحدودا.
تفرض هذه المفارقة إعادة النظر في صورة إيران بوصفها "قلعة طبيعية" تحميها جبال زاغروس والبرز والصحارى الواسعة. فالجغرافيا القاسية التي تجعل اختراق الهضبة المركزية عسكريا أكثر صعوبة، تجعل كذلك إدارة التخوم ومراقبتها وربطها تنمويا بالمركز أكثر كلفة.
وقد تتحول الجبال والصحارى من أسوار تحمي الدولة إلى مجالات حركة تتقاطع فيها شبكات القرابة والتهريب والاحتجاج والجماعات المسلحة والتأثيرات العابرة للحدود. لذلك لا تُلغي حصانة المركز انكشاف الأطراف، بل قد تجتمع الحصانة والانكشاف داخل الجغرافيا نفسها.
وتنتج عن هذا التقاطع حركة مزدوجة الاتجاه لا تخضع لمنطق ميكانيكي بسيط: انكماش نحو الداخل لضبط الأطراف ومنع تشكل نزعات انفصالية أو تمردات مسلحة، وتمدد نحو الخارج لبناء أحزمة نفوذ وإبعاد مصادر التهديد عن الحدود، بحيث يصبح التمدد الخارجي في جوهره أداة لحماية الاستقلالية الإيجابية للمركز من الداخل لا نشاطا منفصلا عنها، وهذا ما يفسر جانبا من سلوك طهران في بناء العمق بالعراق وسوريا ولبنان واليمن، إذ لا يستهدف زيادة النفوذ وحدها بل نقل خط الدفاع إلى خارج الحدود ومنع وصول الضغط إلى الحزام الطرفي.
غير أن أي تراجع في هذا العمق يعيد الضغط نحو الداخل ويضيّق المسافة بين الجبهة الخارجية والأقاليم الحساسة، بما يوضح أن هذه الحركة المزدوجة ليست نمطا سلوكيا مستقلا بذاته بل أحد أشكال ممارسة القوة الضابطة حين تُوجَّه نحو الخارج بدل الداخل.
من هذا المنظور تصبح الحدود أقاليم وصل بقدر ما هي خطوط فصل. فالحدود السياسية لا تتطابق تماما مع الخرائط الثقافية والقومية، وما يحدث في كردستان العراق أو جنوب القوقاز أو بلوشستان الباكستانية لا يبقى منفصلا بالضرورة عن الحسابات الداخلية الإيرانية. يتيح هذا التشابك لطهران فرصا للنفوذ والتأثير في جوارها لكنه يفتح في الاتجاه المقابل مسارات للتأثير الخارجي في أقاليمها.
والأدق هو طرح مفهوم "جيوبوليتيك الضغط الإثني" بوصفه إطارا يدرس الشروط التي يتحول عندها التوزيع (الإثني-الجغرافي)، مقترنا بالمظالم المحلية والأهمية الاقتصادية والامتدادات العابرة للحدود، إلى قوة تضغط على مركز القرار وهو إطار احتمالي يحدد درجات الانكشاف لا قانونا حتميا يتنبأ بالتفكك.
إعلان
يعيد هذا الإطار تشكيل "مؤشر الثقل الجيوسياسي"، فالثقل لا يتكون من النفط والسكان والجغرافيا والقوة العسكرية بمجرد وجودها، وإنما من قدرة الدولة على السيطرة الفاعلة عليها وربطها بالمركز وحمايتها وتحويلها إلى أدوات نفوذ.
وإذا اضطرت طهران إلى تخصيص حاميات أمنية إضافية أو توسيع انتشار الحرس الثوري والباسيج والاستخبارات، أو تقديم دعم تنموي إسعافي، أو حماية المنشآت والمعابر بصورة دائمة، فإن جزءا من موارد القوة يتحول من إنتاج النفوذ الخارجي إلى احتواء الانكشاف الداخلي. وهكذا قد تظل الترسانة قائمة بينما تنخفض حرية استخدامها لأن كلفة تأمين قاعدتها الاجتماعية والجغرافية تزداد.
لا ينشأ الانخفاض في الصمود بالضرورة من قوة كل ضغط منفرد بل من تزامنهما ومن عجز المركز عن عزلهما وإدارتهما بالتتابع. وهذا ما يمكن تسميته "تزامن الضغوط الطرفية"
ويتصل بذلك "معامل الصمود الإستراتيجي" الذي يقيس قدرة الدولة على الاستمرار تحت ضغط الحرب أو العقوبات أو العزلة. يدخل الضغط الإثني في صلب هذه المعادلة عبر ثلاث آليات مترابطة، الأولى هي استنزاف الموارد القابلة للتحويل: فكل وحدة مالية أو عسكرية أو سياسية تُنفق في احتواء أزمة طرفية تُخصم من الاحتياطي القابل للتعبئة في المواجهة الخارجية. لا يعمل الضغط الداخلي هنا إلى جوار العقوبات والحرب بل ينافسهما على الوعاء نفسه من الموارد.
الآلية الثانية هي ازدواج الجبهة الزمنية. تستطيع الدولة إعادة ترتيب أولوياتها إذا تعاقبت الضغوط، لكن قدرتها تنخفض عندما تتزامن. فإذا اقترنت أزمة في خوزستان أو سيستان وبلوشستان بتصعيد عسكري خارجي أو بعقوبات أشد أو بانقسام داخل النخبة، اضطرت القيادة إلى توزيع القدرة الحاسمة ذاتها بين جبهتين في وقت واحد.
لا ينشأ الانخفاض في الصمود بالضرورة من قوة كل ضغط منفرد بل من تزامنهما ومن عجز المركز عن عزلهما وإدارتهما بالتتابع. وهذا ما يمكن تسميته "تزامن الضغوط الطرفية".
أما الآلية الثالثة فهي اهتزاز الأصول الوظيفية. فالأقاليم الحدودية لا تحمل سكانا متنوعين فحسب بل تضم الطاقة والموانئ والمعابر وخطوط الاتصال التي تُحتسب ضمن الثقل الجيوسياسي والكفاءة السيادية. وعندما يضطرب الإقليم لا يتعرض السلم الداخلي وحده للاهتزاز؛ بل تتعرض القاعدة المادية للقوة الخارجية نفسها للمخاطر.
ولهذا يقاس التمدد والبقاء بمسطرة واحدة هي السيطرة الفعلية والمستقرة على الأصول الحيوية. ليست "جيوبوليتيك الضغط الإثني"، إذن، متغيرا يضاف من خارج معادلة الصمود بل تفكيكا لمكوّن داخلي كان حاضرا فيها ضمنا.
تزداد حساسية هذه الآليات تحت وطأة العقوبات والتراجع المعيشي؛ لأن المناطق الطرفية الأضعف تنمية غالبا ما تتلقى الصدمة الاقتصادية بصورة أشد. عندئذ قد تنتقل المطالب من الخدمات وفرص العمل والبيئة إلى خطاب سياسي ذي مضمون قومي أو مذهبي، خصوصا إذا واجهها المركز بمنظور أمني حصري. ومع ذلك فإن الدعم الخارجي لا يصنع مظلمة محلية من العدم؛ وظيفته الأرجح هي التسريع والتوسيع وربط الملفات، ولذلك ينبغي اعتباره عاملا مضاعفا لا عامل تأسيس.
لا يتحول كل احتجاج طرفي إلى تهديد لوحدة الدولة. ولتقدير الأثر ينبغي ترتيب الشروط بحسب وزنها: يأتي أولا موقع الإقليم وأهميته الاقتصادية واللوجيستية، لأنهما يحددان كلفة التعطل أو الفقدان، ثم اتساع التعبئة الاجتماعية وقدرتها على عبور المطالب المحلية الضيقة، ثم قدرة الحركة على الاتصال بأقاليم أو قوى اجتماعية أخرى، ويأتي الدعم الخارجي بوصفه عامل تسريع بينما يصبح تزامن الأزمة مع انقسام النخبة أو أزمة مالية أو حرب خارجية العامل الأشد قدرة على نقل التهديد من المستوى الموضعي إلى المستوى النظامي.
إعلان
ويمكن لاحقا تحويل هذه العناصر إلى مؤشر مركب بمنهجية التحليل الهرمي بحيث يصبح "تزامن الضغوط الطرفية" قابلا للمقارنة والقياس النسبي.
في سقوط الإمبراطورية الساسانية بين عامي 633 و651، فتحت هزائم التخوم الغربية ومنها القادسية الطريق إلى قلب الدولة، وانتهى المسار بمقتل يزدجرد الثالث في مرو عند أقصى الشرق
وتقدم الخبرة التاريخية الإيرانية قرائن مهمة حول نمط العلاقة الوظيفية بين إنهاك المركز وقابلية الأطراف للتفعيل، ومع ذلك ينبغي الحذر من إسقاط هذه السوابق التاريخية مباشرة على إيران المعاصرة، فهي تعود إلى مراحل اختلفت فيها بنية السلطة ودرجة مركزيتها ووسائل جباية الموارد وتنظيم الجيوش والسيطرة على الأقاليم، اختلافا جوهريا عن بنية الدولة الحالية. فهي لا تُستحضر هنا للمقارنة المباشرة بين قدرات الدولة عبر العصور بل لاستخلاص نمط متكرر يصلح لاختباره لاحقا في سياق مختلف نوعيا.
ففي عام 1722 جاءت الضربة التي أسقطت أصفهان من قندهار في الطرف الشرقي، وقادها الغلزائيون الأفغان وهم بشتون لا بلوش. وقد أسهم التوتر المذهبي والإداري في الأطراف في التعبئة ضد الصفويين، لكن النجاح لم يكن ممكنا من دون الضعف المالي والعسكري وسوء الإدارة في المركز. تكشف هذه الحالة أن الطرف قد يتحول إلى منصة هجوم حاسم عندما يفقد المركز القدرة على الرد.
وفي سقوط الإمبراطورية الساسانية بين عامي 633 و651، فتحت هزائم التخوم الغربية ومنها القادسية الطريق إلى قلب الدولة، وانتهى المسار بمقتل يزدجرد الثالث في مرو عند أقصى الشرق.
لكن تفسير السقوط بتهميش القبائل أو انكشاف الأطراف فقط يتجاهل الحروب الطويلة مع البيزنطيين والصراعات الداخلية، والأزمة المالية والعسكرية. الدلالة الصحيحة هي أن إنهاك المركز جعل خطوط الدفاع الطرفية عاجزة عن امتصاص الصدمة.
وبالمثل أدى غياب ترتيب مستقر للخلافة بعد وفاة أبي سعيد بهادر خان عام 1335 إلى تفكك الدولة الإيلخانية إلى مراكز إقليمية، من آل مظفر في الجنوب إلى السربداريين في خراسان وقوى محلية في الغرب. كان صراع المركز هو المحرك الأول بينما حوّلته استقلالية الأقاليم إلى تجزؤ ممتد حتى موجة التوحيد القسري اللاحقة في عهد تيمور.
تسمح هذه الحالات مجتمعة -المؤيدة والمضادة على حد سواء- بصياغة قاعدة أكثر تحصينا من القول إن العاصمة الإيرانية لا تسقط إلا عندما تفقد الأطراف. فالتاريخ لا يمنحنا قانونا مطلقا، لكنه يكشف نمطا متكررا
أما أفول القاجاريين بين الثورة الدستورية عام 1906 وإعلان الدولة البهلوية عام 1925، فيظهر التفاعل نفسه بصورة مختلفة؛ فقد عانت طهران ضعف الجباية والجيش والإدارة، وتصاعد التدخل الروسي والبريطاني، وبرزت سلطات وحركات إقليمية مثل الشيخ خزعل في عربستان، وحركة ميرزا كوجك خان في جيلان، إلى جانب اضطرابات في المناطق الكردية والبلوشية. استثمر رضا خان هذا الشلل وأعاد إخضاع الأطراف بالقوة، وبنى دولة مركزية حديثة على حساب استقلالها المحلي.
لم تُسقط الأطراف العرش القاجاري وحدها، لكنها كشفت فقدان المركز إحدى وظائف الدولة الأساسية: فرض القرار وجباية الموارد وإدارة المجال الوطني.
غير أن هذه الحالات الأربع كلها حالات تأكيد توضح متى تسقط الدولة ولا تكتمل الصورة دون اختبار عكسي يسأل: متى تزامن إنهاك المركز مع اضطراب الأطراف ومع ذلك لم تسقط الدولة؟
وأقرب حالة لهذا الاختبار وأوثقها صلة بموضوع هذه القراءة، هي الأعوام 1980-1988: إذ واجهت الجمهورية الإسلامية الوليدة -بمركز حديث التأسيس وهش الجباية نسبيا- حربا خارجية استنزافية مع العراق وتمردا كرديا مسلحا فعليا واضطرابات في الأحواز عقب الثورة مباشرة، وحركة بلوشية إلى جانب انقسامات داخل النخبة الثورية نفسها كإقالة أبي الحسن بني صدر وصراعات مجلس قيادة الثورة؛ أي تزامنت كل شروط "تزامن الضغوط الطرفية" تقريبا ومع ذلك صمدت الدولة ولم تنهر.
والتفسير المتسق مع الإطار نفسه لا المناقض له، هو أن الشرطين الأخيرين في سلّم الترتيب أعلاه -الدعم الخارجي المنظّم الموحّد عبر الجبهات، وتماسك قمة القرار- كانا غائبين هنا: فقد تعددت الجبهات الإثنية دون أن يجمعها راعٍ خارجي واحد ينسق بينها، وتماسكت السلطة نسبيا حول مرجعية جامعة هي الخميني رغم الانقسامات دونها.
وهذا بالضبط ما يمنح الفرضية قابلية الاختبار: فحين يغيب الشرط الأثقل وزنا، يصمد المركز رغم توفر بقية الشروط، وحين تجتمع كلها كما في الحالات التاريخية السابقة، يميل الميزان نحو الانهيار أو التفكك.
إعلان
تسمح هذه الحالات مجتمعة -المؤيدة والمضادة على حد سواء- بصياغة قاعدة أكثر تحصينا من القول إن العاصمة الإيرانية لا تسقط إلا عندما تفقد الأطراف. فالتاريخ لا يمنحنا قانونا مطلقا، لكنه يكشف نمطا متكررا: تصبح الأطراف ناقلا حاسما للأزمة عندما يسبقها أو يصاحبها إنهاك مالي وعسكري، وانقسام في القيادة وتراجع في شرعية المركز وقدرته على تنفيذ القرار، مقترنا بدعم خارجي منظّم يوحّد الجبهات بدل أن يتركها متناثرة.
عندئذ لا تكون العاصمة قلعة معزولة فحسب، بل مركزا فقد الشبكات التي تنقل سلطته إلى الجغرافيا. فالمشكلة ليست في بُعد الأطراف وحده وإنما في انقطاع العلاقة الوظيفية بينها وبين المركز، مقترنا بغياب القدرة على عزل الجبهات المتزامنة عن بعضها.
وعليه، لا تتحدد قوة إيران بما تمتلكه من صواريخ ووكلاء وقوات أمن وقدرات عسكرية فقط، بل بقدرتها على إدارة التعدد، وتخفيف الفوارق التنموية، وتوسيع الاندماج السياسي، وتأمين الأصول الحيوية من دون استنزاف دائم. التنوع ليس نقيض الدولة والأطراف لا تُسقط المركز تلقائيا؛ لكنها تستطيع إذا تزامنت أزماتها مع العقوبات والضغط العسكري والانقسامات داخل السلطة والدعم الخارجي المنسق، أن ترفع كلفة بقائه وتدفعه من منطق المبادرة والتمدد إلى منطق الدفاع والاحتواء.
وبعبارة مكثفة: تجيب معادلة الصمود عن سؤال "كم تستطيع الدولة أن تتحمل؟"، بينما تجيب جيوبوليتيك الضغط الإثني عن سؤال "من أين يبدأ هذا التحمل بالتآكل داخليا؟"، وهما في الحقيقة سؤال واحد يُقرأ من طرفي العلاقة بين القوة التي تظهرها الدولة والقاعدة الجغرافية والاجتماعية التي تتيح لها الاستمرار.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


