الجزيرة.نت - 9/19/2026 10:28:13 AM - GMT (+3 )
بيروت– في نهاية كل شهر، لا يبدأ خليل الأحمد حساب راتبه من الطعام أو فواتير المنزل، بل من الطريق. فقبل أن يعرف ما الذي سيبقى له ولعائلته، عليه أن يحسب كلفة الوصول إلى عمله والعودة منه، بعدما تحولت المواصلات إلى بند ثابت يقتطع جزءا متزايدا من دخله.
يقول الأحمد للجزيرة نت، إن راتبه بقي تقريبا على حاله، بينما تتغير كلفة التنقل باستمرار: "الراتب نفسه تقريبا لكن كلفة الطريق عم تزيد"، وبين أجرة النقل أو كلفة الوقود، يجد نفسه مضطرا إلى إعادة ترتيب مصروف الأسرة أكثر من مرة خلال الشهر.
المشكلة، في نظره، ليست في زيادة واحدة، بل في تراكمها. فحين ترتفع كلفة الطريق، لا يبقى الأثر محصورا في المواصلات، بل يمتد إلى الطعام والسلع والخدمات التي تصل إلى المنزل عبر سلسلة من عمليات النقل.
في لبنان، حيث ما تزال الأسر تواجه آثار الأزمة المالية والاقتصادية الممتدة منذ عام 2019، تحولت كلفة التنقل إلى أحد العوامل التي تحدد ما تستطيع الأسرة شراءه، وأين تستطيع أن تعمل أو تدرس، وما الذي يمكن الاستغناء عنه في نهاية الشهر.
الطريق يقتطع من الدخلارتفع الحد الأدنى الرسمي للأجور إلى 28 مليون ليرة لبنانية شهريا اعتبارا من أغسطس/آب 2025، وفقا للمرسوم الرسمي الذي وثقه الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
لكن ارتفاع الأجر الاسمي لا يعني بالضرورة تحسنا مماثلا في القدرة الشرائية، فقد سجل مؤشر أسعار المستهلك في لبنان ارتفاعا سنويا نسبته 15.69% في يوليو/تموز 2026 مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، وفق إدارة الإحصاء المركزي.
وهكذا يجد الموظف نفسه أمام معادلة مختلفة: راتب ارتفع في السنوات الماضية، لكن أسعار السلع والخدمات ارتفعت أيضا، فيما أصبحت كلفة الوصول إلى مكان العمل جزءا أساسيا من كلفة الوظيفة نفسها.
فالموظف الذي يسكن بعيدا عن مكان عمله لا يدفع ثمن الوقود فقط إذا كان يستخدم سيارته، بل يتحمل أيضا الصيانة، أو يدفع أجرة النقل يوميا. ومع تكرار الرحلة عشرات المرات خلال الشهر، يتحول المبلغ إلى كلفة ثابتة لا يمكن تجاهلها.
إعلان
لهذا بدأت المسافة بين المنزل والعمل تدخل في الحسابات الاقتصادية للأسرة، فالوظيفة ذات الراتب الأعلى قد لا تعني دخلا أكبر فعليا إذا كانت تحتاج إلى تنقل مكلف، بينما تصبح الوظيفة الأقرب أكثر جاذبية عندما يلتهم الطريق جزءا كبيرا من الأجر.
ولا تنتهي كلفة الوقود عند خزان السيارة، ففي 17 سبتمبر/أيلول الجاري، رفعت وزارة الاقتصاد والتجارة سعر ربطة الخبز الأبيض الوسط في صالات الأفران من 75 ألف ليرة إلى 80 ألفا، كما حددت سعرها في المحلات التجارية بـ95 ألف ليرة، وعزت الوزارة القرار إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، مشيرة إلى أن سعر المازوت تضاعف منذ بداية الأزمة وأنه يشكل نحو 22% من كلفة إنتاج الخبز.
تكشف ربطة الخبز جانبا من العلاقة بين النقل والطاقة والغذاء، فالمازوت لا يستخدم لتشغيل الأفران فحسب، بل تدخل كلفة الطاقة والنقل في مراحل متعددة من إنتاج السلع ونقلها وتوزيعها قبل أن تصل إلى المستهلك.
ولهذا فإن الأسرة التي تدفع أكثر للوصول إلى العمل قد تدفع أيضا ثمنا أعلى لبعض السلع التي تصل إلى المتجر عبر شاحنات تحتاج بدورها إلى الوقود.
وبالنسبة إلى أحمد عباس، لا تقاس الزيادة بسعر سلعة واحدة، يوضح للجزيرة نت: "المشكلة ليست فقط بالـ5 آلاف ليرة، المشكلة إنه كل يوم في زيادة جديدة.. بنزين، خبز، أكل، مواصلات… والراتب نفسه".
هنا يصبح الضغط تراكميا: زيادة في النقل تعني مبلغا أقل للطعام، وزيادة في الطعام تعني مبلغا أقل للتعليم أو الصحة أو أي نفقات أخرى.
في منزل أم علي، الأولوية للضروريات، فإذا ارتفعت كلفة الوقود والتنقل، يجري البحث عن التوفير في مكان آخر، وأحيانا يكون الطعام هو المجال الأسهل لإعادة ترتيب الإنفاق: كميات أقل، أو سلعة أرخص، أو تأجيل شراء بعض المنتجات.
ولا تبدو هذه السلوكيات منفصلة عن مسار أوسع رصده البنك الدولي في لبنان، فقد أظهرت بيانات مسح للأسر أن 83% من الأسر لجأت إلى أغذية أقل تفضيلا أو أرخص بسبب نقص الغذاء أو المال خلال الأسبوع السابق للمسح، وارتفعت النسبة إلى 91% بين الأسر الفقيرة.
ومع ارتفاع الأسعار، لا تتغير قيمة الفاتورة فقط بل تتغير مكوناتها أيضا، فبدلا من السؤال عن مقدار ما تنفقه الأسرة على الطعام، يصبح السؤال: ماذا تستطيع أن تشتري بهذا المبلغ؟
وهذه النقلة مهمة اقتصاديا، لأنها تعني أن التضخم لا يظهر فقط في مؤشر الأسعار، بل في سلوك المستهلك نفسه.
في الجهة الأخرى من الطريق، يواجه سائق الأجرة "التاكسي" عادل معادلة لا تقل صعوبة. رفع الأجرة قد يعوّض جزءا من ارتفاع الوقود والصيانة، لكنه قد يجعل الراكب عاجزا عن تحمل الرحلة، أما إبقاء التعرفة على حالها فيعني أن جزءا أكبر من الإيرادات سيذهب إلى تشغيل السيارة.
وهكذا يجد السائق والراكب نفسيهما أمام المشكلة ذاتها من جهتين مختلفتين: الأول يحاول تغطية كلفة الخدمة، والثاني يحاول الحفاظ على قدرته على استخدامها.
إعلان
ومع ارتفاع الكلفة، تصبح وسائل النقل الجماعي أو مشاركة السيارات خيارا اقتصاديا لا مجرد تفضيل في التنقل، خصوصا بالنسبة إلى الأسر التي تضم أكثر من طالب أو موظف يحتاج إلى رحلة يومية.
التعليم والعمل يدخلان الحسابولا تقتصر كلفة النقل على العامل، فالأسرة التي تدفع يوميا لنقل أبنائها إلى المدرسة أو الجامعة تضيف بندا آخر إلى ميزانيتها، وقد يصبح موقع المؤسسة التعليمية جزءا من القرار نفسه.
فكل رحلة إضافية تعني وقودا أو أجرة، وكل مسافة أطول تعني كلفة أكبر، لذلك قد تضطر الأسر إلى اختيار مدارس أقرب، أو الاعتماد على النقل المشترك، أو تقليص بعض الرحلات غير الضرورية.
استهلاك أقل واقتصاد أبطأ
ويشرح الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور عماد عكوش أن ارتفاع الأسعار في لبنان لا يمكن فصله عن تداعيات الحرب واضطراب سلاسل الإمداد، مشيرا إلى أن الصراع جاء ليضاعف أزمات قائمة أصلا، بينها التضخم وضعف الليرة وارتفاع كلفة التمويل.
ويقول عكوش، في حديثه للجزيرة نت، إن اعتماد لبنان على الاستيراد لتأمين أكثر من 80% من احتياجاته الغذائية يجعله شديد الحساسية لأي ارتفاع في كلفة الطاقة والنقل والشحن، وقد انعكست الاضطرابات في الأسواق العالمية على الأسعار المحلية، في وقت ارتفعت فيه كلفة الشحن والتأمين والطاقة.
وبرأيه، لا يتوقف أثر ارتفاع أسعار المحروقات عند كلفة تعبئة السيارة، بل ينتقل إلى مختلف حلقات الاقتصاد، من النقل والتوزيع إلى أسعار السلع والخدمات، بما يضغط بصورة مباشرة على القدرة الشرائية للأسر.
ويرى عكوش أن ارتفاع كلفة النقل والطاقة يضاعف الضغوط على الأسر اللبنانية، خصوصا في ظل غياب شبكة نقل عام فعالة، إذ يصبح المواطن مضطرا إلى تحمل كلفة السيارة الخاصة أو اللجوء إلى وسائل نقل أخرى لا توفر دائما بديلا منخفض الكلفة.
ويحذر عكوش من أن استمرار هذه الضغوط يعني انتقال أثر الصدمة من قطاع إلى آخر، بحيث لا تبقى المشكلة محصورة في أسعار الوقود، وإنما تمتد إلى الغذاء والنقل وسائر النفقات الأساسية، فتتراجع القدرة الشرائية للأسر بصورة متواصلة.
إقرأ المزيد


