الجزيرة.نت - 9/18/2026 11:01:53 PM - GMT (+3 )
Published On 18/9/2026
تنطلق اليوم الجمعة الدورة الـ74 من مهرجان سان سيباستيان السينمائي الدولي في إقليم الباسك الإسباني، حاملة برنامجا يضم 263 عملا من 47 دولة، ومشاركة عدد من أبرز نجوم وصنّاع السينما العالميين. لكن المهرجان لا يكتفي هذا العام بعرض الأفلام والاحتفاء بصنّاعها، بل يجدد موقفه العلني من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، عبر استضافة الفيلم الوثائقي "نازا" (NAZA)، والتأكيد أن المنصات الثقافية الكبرى تتحمل مسؤولية الدفاع عن حقوق الإنسان.
ويُعرض "نازا"، للمخرجين والصحفيين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور، ضمن قسم "بيرلاك" (Perlak)، الذي يضم أفلاما حظيت بإشادة في مهرجانات دولية ولم تُعرض تجاريا بعد في إسبانيا. وينافس الفيلم على جائزة جمهور مدينة دونوستيا-سان سيباستيان، بعد أيام من فوزه بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي.
ويأتي عرض الفيلم امتدادا لمواقف اتخذها المهرجان خلال دورته الماضية، حين أصدر بيانا أدان فيه "الإبادة والمجازر التي لا يمكن تصورها" بحق الشعب الفلسطيني، وطالب بوقف فوري لإطلاق النار، وإطلاق سراح الرهائن، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة.
"نازا" يكشف آليات الاستهدافيستند فيلم "نازا" إلى شهادات من داخل الجيش والاستخبارات الإسرائيلية، ويبحث في الأنظمة والآليات المستخدمة في اختيار أهداف الغارات الجوية على قطاع غزة، وكيفية تقدير عدد المدنيين المتوقع مقتلهم قبل تنفيذ الضربات.
ويحمل الفيلم اسمه من اختصار يُستخدم داخل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية للإشارة إلى العدد المتوقع للضحايا المدنيين في الغارة الجوية، في محاولة لكشف اللغة البيروقراطية التي تتحول من خلالها الخسائر البشرية إلى أرقام ضمن عمليات اتخاذ القرار.
وصُوّر جزء كبير من الفيلم ليلا فوق أسطح المباني في تل أبيب، حيث أدلى المشاركون بشهاداتهم، بينما لجأ صنّاعه إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي لحماية هويات بعض المصادر. ويضم العمل 24 شهادة لأشخاص خدموا أو عملوا داخل مؤسسات عسكرية واستخباراتية إسرائيلية، بحسب المعلومات المنشورة عن الفيلم.
إعلان
وقالت إدارة مهرجان سان سيباستيان إن الوثائقي يكشف بالتفصيل "الأنظمة الخفية وراء القتل المحسوب والواسع النطاق للمدنيين الفلسطينيين في غزة من جانب الحكومة الإسرائيلية".
أما أبراهام وزور فقالا إنهما أنجزا العمل انطلاقا من شعورهما بالمسؤولية عن استخدام موقعهما كإسرائيليين لفحص الأنظمة التي تدعم قتل المدنيين الفلسطينيين، مؤكدين أن الفيلم أتاح لهما الذهاب إلى مساحة أعمق مما تسمح به التحقيقات الصحفية وحدها، والبحث ليس فقط فيما قيل، وإنما أيضا فيما بقي مسكوتا عنه.
والفيلم إنتاج بريطاني مشترك بين صحيفة "الغارديان" وشركة "جيه دبليو فيلمز" (JW Films)، ويشارك المخرج البريطاني جوناثان غليزر منتجا تنفيذيا له. وسبق لأبراهام وزور أن شاركا الفلسطينيين باسل عدرا وحمدان بلال في إخراج فيلم "لا أرض أخرى"، الفائز بجائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي طويل.
"واجب التحدث"في مقابلة مع موقع "ديدلاين"، قال مدير المهرجان خوسيه لويس ريبوردينوس إن موقف سان سيباستيان من الحرب لم يتغير، مشددا على أن المهرجانات والشخصيات التي تمتلك منابر قادرة على الوصول إلى الجمهور يجب أن تستخدمها للحديث عن حقوق الإنسان.
وأضاف: "عندما تكون لديك إمكانية مخاطبة العالم، فعليك أن تتحدث عن حقوق الإنسان"، معتبرا أن الأمر لا يتعلق بالانحياز إلى اليمين أو اليسار، وإنما بعدم الصمت أمام قتل المدنيين.
ويرأس ريبوردينوس مهرجان سان سيباستيان منذ عام 2011، وتعد دورة هذا العام الأخيرة له قبل مغادرته منصبه في نهاية 2026. وخلال فترة إدارته، عزز المهرجان مكانته باعتباره أحد أبرز منصات السينما الأوروبية، مع الجمع بين الأفلام الجماهيرية والتجارب الفنية الأكثر جرأة.
لم يبدأ حضور غزة في سان سيباستيان بعرض "نازا". ففي سبتمبر/أيلول 2025، وقبيل انطلاق الدورة الـ73، نشرت اللجنة الإدارية للمهرجان رسالة مفتوحة عبّرت فيها عن رفضها لما وصفته بالإبادة والمجازر التي ترتكبها حكومة بنيامين نتنياهو بحق الفلسطينيين.
وشهدت الدورة نفسها عرض فيلم "صوت هند رجب"، الذي يعيد بناء الساعات الأخيرة في حياة الطفلة الفلسطينية هند رجب، التي قُتلت مع أفراد من عائلتها ومسعفين حاولوا الوصول إليها في غزة. وقوبل الفيلم بتفاعل عاطفي واسع من جمهور المهرجان، في وقت تحولت فيه قصتها إلى أحد أبرز رموز معاناة الأطفال الفلسطينيين خلال الحرب.
كما شهدت المدينة تظاهرة حاشدة تضامنا مع غزة، شارك فيها آلاف المتظاهرين إلى جانب وزير الثقافة الإسباني إرنست أورتاسون، وعدد من أبرز الأسماء السينمائية، بينهم بيدرو ألمودوبار وخافيير بارديم وخوان أنطونيو بايونا.
ورفع المشاركون لافتات تطالب بوقف الحرب، بينما دعت بعض الشعارات إلى مقاطعة إسرائيل. كما ارتدى عدد من الفنانين الكوفية الفلسطينية، وحمل آخرون لافتات تحمل أسماء أطفال فلسطينيين قُتلوا في القطاع.
السينما مرآة للمجتمعإلى جانب "نازا"، يقدم المهرجان هذا العام برنامجا يجمع بين الإنتاجات الكبرى والأفلام المستقلة والتجارب الأولى لمخرجين من دول عدة. ويفتتح بفيلم "أغنية الشبح" (Ghost Song) للمخرج فاتح أكين، بينما يُختتم في 26 سبتمبر/أيلول بفيلم "لو فو سوار" (Le Faux Soir) للمخرج البلجيكي ميشيل روسكام.
إعلان
وتشمل قائمة الضيوف المتوقع حضورهم ناعومي واتس وبراد بيت وبينيلوبي كروز وماريون كوتيار وأورلاندو بلوم ورامي مالك ودييغو لونا. وتحصل واتس والمخرج الألماني فيرنر هيرتسوغ على جائزة "دونوستيا" التكريمية عن مجمل مسيرتيهما.
ومع ذلك، يبدو عرض "نازا" واحدا من أكثر أحداث الدورة ارتباطا بالسياق السياسي الراهن، خصوصا بعدما تحول الفيلم إلى محور جدل واسع في إسرائيل عقب فوزه في فينيسيا.
ويرى ريبوردينوس أن السينما تعكس بطبيعتها المجتمعات التي تأتي منها، وأن المهرجان يستطيع، وإن كان صوته محدودا، أن يعمل "مكبر صوت" يصل إلى العالم. وهكذا، تدخل دورة سان سيباستيان الجديدة وهي تؤكد أن المهرجان لا يرى السينما مساحة منفصلة عن الواقع، وإنما منصة يمكن من خلالها مساءلة ما يحدث خارجه وإبقاء أصوات الضحايا حاضرة.
إقرأ المزيد


