البرميل صديقي.. صفقة ضرورية لإيران وربح محسوب للصين
الجزيرة.نت -

لا تكشف العلاقة الاقتصادية بين الصين وإيران عن نفسها في البيانات التجارية الرسمية وحدها. فخلف أرقام الاستيراد والتصدير، تعمل منظومة أكثر تعقيدا، وتشمل خاما إيرانيا يباع بخصومات مقابل مخاطر العقوبات والنقل والتأمين. وعلى الطرف الآخر سوق صينية واسعة وسلع ومعدات وقنوات ائتمان وتسوية تساعد طهران على تخفيف جزء من عزلتها المالية.

لكن هذه المنظومة لا تعني أن الطرفين يقفان على أرضية بالصلابة نفسها، فإيران تحتاج إلى الصين بوصفها مشتريا رئيسيا لنفطها ومنفذا بالغ الأهمية لوارداتها، فيما تنظر بكين إلى إيران باعتبارها موردا مفيدا وموقعا جيوسياسيا مهما، لا شريكا لا يمكن الاستغناء عنه.

قصص مقترحة list of 4 itemsend of list

ويكشف اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز هذه الحقيقة بوضوح، فالصين تتضرر لكنها تملك أدوات للتكيف، أما إيران فتواجه خطر انقطاع شريان مالي وتجاري يصعب تعويضه سريعا.

لذلك، فإن السؤال ليس ما إذا كانت الصين وإيران شريكتين إستراتيجيتين، بل أي نوع من الشراكة تجمعهما فعليا: تحالف اقتصادي متكامل، أم صفقة مصالح واسعة تحكمها الضرورة الإيرانية والحذر الصيني؟

النفط بطل الرواية

تحتل الصين موقعا محوريا في التجارة الإيرانية المسجلة، إذ تشير بيانات منظمة التجارة العالمية إلى أن واردات إيران من الصين بلغت 17.8 مليار دولار، أي ما يعادل 26% من إجمالي وارداتها الذي بلغ 68.6 مليارا عام 2024.

في المقابل، بلغت صادرات إيران المسجلة إلى الصين 14.6 مليار دولار، أو 26% من إجمالي صادراتها المسجلة البالغة 56 مليارا العام نفسه.

ولا تقتصر الواردات الإيرانية من الصين على المنتجات الاستهلاكية، إذ تشمل الآلات والمعدات الكهربائية والإلكترونيات والمركبات وقطع الغيار والكيميائيات والمواد الوسيطة، وهو ما يجعل الصين موردا مهما لاستمرار قطاعات الصناعة والنقل والصيانة والإنتاج داخل الاقتصاد الإيراني.

إعلان

لكن التجارة الجمركية المسجلة لا تكشف الوزن الفعلي الكامل لهذه العلاقة، لأن جزءا كبيرا من الخام الإيراني يصل الصين عبر وسطاء ومسارات شحن وإعادة تصنيف لا تظهر دائما في بيانات الجمارك باعتبارها واردات مباشرة من إيران.

وتشير تقديرات لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأمريكية الصينية إلى أن التجارة الثنائية الرسمية التي سجلتها بكين مع طهران بلغت نحو 10 مليارات دولار عام 2025، بينما بلغت تقديراتها لقيمة واردات الخام الإيراني غير المبلغ عنها نحو 31.2 مليارا.

وبجمع الرقمين، يصل الحجم التقريبي للعلاقة التجارية إلى 41.2 مليار دولار، مع ملاحظة أن هذا ليس رقما جمركيا رسميا، بل هو تقدير يضيف النفط غير المبلغ عنه إلى التجارة المعلنة.

ويوضح هذا الفارق أن النفط ليس بندا ضمن سلة تجارية متنوعة، بل هو مركز الثقل المالي والسياسي في العلاقة، فإيرادات النفط تساعد إيران على تمويل جزء مهم من وارداتها، بينما تمنح الصين قدرة أكبر على شراء الخام بشروط أكثر ملاءمة لها.

الصين استوردت عام 2025 ما يقارب 1.4 مليون برميل يوميا من النفط الإيراني (رويترز)
براميل رخيصة

تشير تقديرات لجنة المراجعة الأمريكية الصينية إلى أن الصين استوردت عام 2025 ما يقارب 1.4 مليون برميل يوميا من النفط الإيراني، بما يعادل نحو 12% من إجمالي وارداتها النفطية، وبخصم يقدر غالبا بين 8 و10 دولارات للبرميل مقارنة بالواردات النفطية من دول أخرى.

وتقول اللجنة الأمريكية الصينية إن بكين اشترت ما يزيد على 90% من صادرات النفط الإيراني تلك الفترة.

ولا يبعد هذا التقدير كثيرا عن تقديرات أخرى أوردتها "رويترز" استنادا إلى بيانات شركة كبلر التي أشارت إلى أن الصين استحوذت على أكثر من 80% من النفط الإيراني المنقول بحرا خلال عام 2025، بمتوسط مماثل يقارب 1.4 مليون برميل يوميا.

وتشير وزارة الخزانة الأمريكية إلى أن شركات التكرير الصينية المستقلة، لا سيما في إقليم شاندونغ، تستوعب الحصة الأكبر من الخام الإيراني المتجه إلى الصين، وأن هذه التجارة تعتمد على وسطاء وشركات واجهة وعمليات نقل بين السفن ووثائق شحن مضللة وتغيير هوية الناقلات ضمن ما تصفه واشنطن بـ"أسطول الظل".

وساعدت هذه القنوات على استمرار التجارة رغم العقوبات، لكنها جعلتها أكثر حساسية للمخاطر القانونية واللوجستية. لذلك لا تقدم الصين لإيران وصولا كاملا ومفتوحا إلى سوقها وقطاعها المالي، بل تستوعب النفط بدرجة كبيرة عبر ترتيبات أقل شفافية وأكثر قابلية للتقليص إذا ارتفعت كلفة العقوبات أو التأمين أو النقل.

وبالتالي فإن الصين تستفيد من الخام الإيراني لأنه صفقة اقتصادية مربحة في ظروف معينة، لا لأنه التزام اقتصادي غير مشروط تجاه طهران.

مقايضة حديثة لا تجارة حرة

خلص تقرير لرويترز نشر في 10 سبتمبر/أيلول 2026 إلى وجود آلية وصفت بأنها شبيهة بالمقايضة، تسمح بتحويل جانب من عائدات النفط الإيراني المبيع إلى الصين إلى أرصدة تستخدم لشراء سلع وخدمات صينية أو لتمويل مشروعات بنية تحتية، بدلا من المرور الكامل عبر النظام المصرفي الدولي التقليدي.

ونقلت رويترز عن مصادر وصفتها بالمطلعة قولها إن ما بين ملياري دولار و2.5 مليار مر عبر كيان ذي غرض خاص ضمن هذه الآلية خلال عام 2025، وأن نحو 70% من الأموال التي تدار من خلال هذا الترتيب خصصت، وفق تلك المصادر، لمشروعات البنية التحتية، بينما وجه الباقي إلى سداد موردي السلع المتجهة إلى إيران. وأشار التقرير إلى أن المشتريات تضمنت أدوية ومركبات ومعدات اتصالات.

إعلان

غير أن التقرير اعتمد على مصادر لم يكشف عنها، وقالت رويترز إنها لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من بعض الوثائق أو تحديد هوية جهات قيل إنها تدير الترتيب، وقالت الخارجية الصينية إنها ليست على علم بهذه الآلية.

وتشير تفاصيل الآلية إلى أن جزءا من عائدات النفط الإيرانية لا يتحول بالضرورة إلى سيولة حرة يمكن استخدامها في أي سوق أو بأي عملة، بل قد يتحول إلى ائتمان تجاري مقيد نسبيا داخل دائرة الموردين الصينيين والمشروعات الصينية.

وهذا يخفف من اختناق التحويلات المالية، لكنه قد يزيد اعتماد إيران على الصين في تحديد مسارات الدفع والشراء والإنفاق، لذلك لا تمثل الآلية، حتى لو توسعت، بديلا كاملا للنظام المالي الدولي، بل أداة للتعامل مع جانب فحسب من آثار العقوبات.

العملة الصينية والعملة الإيرانية والدولار (غيتي)
اليوان ليس حصنا

قد تخفف التسويات باليوان (العملة الصينية) أو الائتمان التجاري أو ترتيبات المقاصة من التعرض المباشر للدولار الأمريكي، لكن العقوبات لا تتعلق بالعملة وحدها، فالمخاطر تمتد إلى البنوك المراسلة وتمويل التجارة والتأمين البحري وخدمات الشحن والوصول للأسواق الأمريكية واحتمال التعرض لعقوبات ثانوية.

وفي 28 أبريل/نيسان 2026، حذرت وزارة الخزانة الأمريكية المؤسسات المالية من مخاطر التعامل مع شركات التكرير الصينية المستقلة التي تستورد وتكرر الخام الإيراني، ودعت إلى تشديد الفحص على المعاملات المرتبطة بهذه الشركات، مؤكدة استعدادها لاستخدام العقوبات الثانوية ضد المؤسسات المالية الأجنبية التي تواصل دعم الأنشطة الإيرانية الخاضعة للعقوبات.

ويفسر ذلك جانبا من إحجام البنوك الصينية الكبرى والشركات الحكومية الأكثر انخراطا بالأسواق الدولية عن الانخراط العلني والمباشر في تجارة النفط الإيراني، فالمكاسب الناتجة من الخام المخفض قد لا تعادل، بالنسبة للمؤسسات الأكبر، مخاطر فقدان الوصول إلى التمويل الدولي أو الأسواق الغربية.

لذلك، لا يمثل اليوان حصانة من العقوبات، بل قد يكون وسيلة لتقليل التعرض المباشر لها في بعض المعاملات، مع بقاء المخاطر القانونية والتجارية قائمة.

اتفاق الـ25 عاما.. مظلة سياسية أم التزام استثماري؟

وقعت إيران والصين في مارس/آذار 2021 اتفاق تعاون إستراتيجيا يمتد 25 عاما ويشمل مجالات الاقتصاد والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا، وارتبط الاتفاق برقم يصل إلى 400 مليار دولار من الاستثمارات الصينية المحتملة خلال مدة الاتفاق.

لكن الرقم لا ينبغي التعامل معه بوصفه برنامجا استثماريا صينيا رسميا مكتمل التفاصيل أو التزامات تعاقدية منفذة، فتقديرات لجنة المراجعة الأمريكية الصينية تشير إلى أن الاستثمارات الفعلية ظلت محدودة قياسا بالطموحات المعلنة، بسبب حذر الشركات الصينية من العقوبات ومخاطر التمويل وتحويل الأرباح.

كما أشارت اللجنة إلى تقرير عن ترتيب "نفط مقابل بنية تحتية" قد يكون سهل أعمالا أو استثمارات مرتبطة بشركات صينية بقيمة تصل إلى 8.4 مليارات دولار عام 2024، لكن هذا الرقم لا ينبغي مساواته تلقائيا باستثمار أجنبي مباشر تقليدي، إذ قد يشمل عقود مقاولات أو توريدا أو تمويلا مرتبطا بعائدات النفط.

وبالتالي يظل اتفاق الـ25 عاما مهما بوصفه إطارا سياسيا وإستراتيجيا يفتح مجال التعاون، لكنه لا يرقى، حتى الآن، إلى ضمانة لاستثمار صيني ضخم ومستقر أو تمويل غير مشروط لإيران.

إيران والصين وقعتا في مارس/آذار 2021 اتفاق تعاون إستراتيجيا يمتد 25 عاما (غيتي)
اضطراب الملاحة: نقطة ضعف مشتركة

أظهر اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز عام 2026 أن الاعتماد المتبادل بين إيران والصين قائم، لكنه غير متكافئ، فإيران تحتاج إلى الممر البحري لتصدير جزء رئيسي من نفطها إلى آسيا، بينما تعتمد الصين على المضيق في جانب مهم من إمداداتها القادمة من الخليج.

إعلان

وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن واردات الصين من الخام هبطت إلى 8.1 ملايين برميل يوميا في الربع الثاني من عام 2026، بانخفاض 32% عن الربع الأول، وفي مايو/أيار ويونيو/حزيران انخفضت الواردات إلى أقل من 8 ملايين للمرة الأولى منذ عام 2016.

وجاء هذا التراجع بعد مستويات غير مسبوقة عام 2025، حين بلغ متوسط واردات الصين النفطية 11.6 مليون برميل يوميا، وارتفع المتوسط إلى نحو 12 مليونا في النصف الثاني من العام نفسه، وهو مستوى استمر حتى فبراير/شباط 2026.

لكن بيانات إدارة معلومات الطاقة تظهر أن التراجع لم يكن مرتبطا فحسب بالنفط الإيراني، فأكبر الانخفاضات في الإمدادات البحرية المتجهة إلى الصين بين الربعين الأول والثاني من عام 2026 جاءت من العراق وروسيا والإمارات، بينما ظلت الإمدادات عبر خطوط الأنابيب أكثر استقرارا، كما انخفضت واردات الصين بصورة أكبر من انخفاض تكرير مصافيها، وهو ما يشير إلى سحبها من المخزونات لتغطية جزء من الفجوة.

وتشير تقديرات لجنة المراجعة الأمريكية الصينية إلى أن بكين تعتمد على الواردات البحرية لتغطية أكثر من 63% من احتياجاتها النفطية، وأن نحو نصف وارداتها يمر عبر مضيق هرمز، لكنها تشير أيضا إلى تنويع مصادر الإمداد وتوسيع قدرات التخزين واستخدام خطوط الأنابيب.

لذا فإن اضطراب الحركة في مضيق هرمز يمثل مشكلة كبيرة للصين، لكنه لا يضربها بالطريقة نفسها التي يضرب بها إيران. فبكين تستطيع, بدرجات متفاوتة، السحب من المخزون وتعديل خريطة الموردين وخفض نشاط التكرير مؤقتا، بينما تواجه إيران خطرا مباشرا على تدفق النقد الأجنبي وقدرتها على تمويل الواردات.

لا يحك ظهرك مثل برميلك

تكتسب ترتيبات المقاصة أو الائتمان التجاري أهميتها عندما تكون المشكلة الأساسية هي الدفع والتحويلات، لكن هذه الأدوات لا تعالج مشكلة غياب شحنة النفط نفسها.

وإذا استمر تعطل الشحن، تتراجع قدرة إيران على تكوين أرصدة جديدة تمول بها مشترياتها من الموردين الصينيين أو المشروعات المرتبطة بها. وفي المقابل تخسر شركات التكرير الصينية ميزة الخام الإيراني المخفض، لكنها تستطيع نسبيا التحول إلى خامات بديلة أو السحب من المخزون أو خفض التشغيل.

وهنا تظهر حدود النموذج الاقتصادي القائم على "النفط مقابل السلع والائتمان" إذ يمكن إيجاد حلول جزئية لمشكلة الدفع، لكن لا يمكن للمقاصة المالية أن تعوض عدم وصول البرميل إلى الميناء.

العلاقة بين الصين وإيران شراكة سياسية إستراتيجية ذات قاعدة اقتصادية مهمة (رويترز)
لعبة توازن

لا يمكن فهم حدود الدعم الاقتصادي الصيني لإيران من دون مقارنة موقعها بشركاء بكين الآخرين في المنطقة. فبحسب تقديرات لجنة المراجعة الأمريكية الصينية، بلغت التجارة الثنائية للصين مع السعودية نحو 108 مليارات دولار عام 2025، ومع الإمارات نحو 108 مليارات، مقابل حجم للعلاقة مع إيران يقدر بـ41.2 مليارا عند إضافة النفط غير المبلغ عنه إلى التجارة الرسمية.

ولا تعني هذه المقارنة أن إيران غير مهمة للصين، فهي مورد للنفط الرخيص وشريك سياسي وموقع جغرافي مهم في مسارات الربط الإقليمي، كما أن عضوية طهران في منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس تعطي العلاقة بعدا سياسيا متعدد الأطراف.

لكن دول الخليج تقدم للصين، إلى جانب الطاقة، فرصا أوسع في الاستثمار والتكنولوجيا والخدمات المالية واللوجستية والأسواق، كما أن البنوك والشركات الصينية الكبرى لديها مصالح واسعة في الاقتصاد الدولي، وهو ما يدفع بكين إلى إدارة علاقتها مع إيران بحذر، لا إلى تحويلها إلى التزام اقتصادي مفتوح الكلفة.

شراكة ومصالح

العلاقة بين طهران وبكين ليست شكلية ولا عابرة، فهي تمنح إيران متنفسا اقتصاديا حقيقيا في ظل العقوبات، وتوفر للصين خاما تنافسيا وموقعا جيوسياسيا ذا أهمية إقليمية.

لكنها لا تملك حتى الآن مقومات شراكة اقتصادية متكاملة ومتوازنة، فليست هناك تدفقات استثمارية ضخمة ومستقرة بحجم الوعود المتداولة، ولا تمويل حر واسع، ولا ضمانات مؤسسية تقلل مخاطر العقوبات، ولا استعداد صيني معلن لتحمل كلفة اقتصادية غير محدودة من أجل إيران أوقات الأزمات.

لذلك فإن المعادلة الأقرب إلى الواقع هي نفط إيراني مخفض ومخاطر سياسية ولوجستية مرتفعة، مقابل سوق صينية واسعة وسلع ومعدات وائتمان تجاري وقنوات محدودة لتخفيف أثر العقوبات.

إعلان

وفي لحظة الأزمة، يتجلى عدم التكافؤ. فالصين تخسر مصدرا رخيصا للطاقة وتتعرض لاضطراب أوسع في أمن إمداداتها، لكنها تملك قدرة أكبر على التكيف، أما إيران فتخسر شريانا ماليا وتجاريا يصعب استبداله سريعا.

لذلك، تبدو هذه العلاقة شراكة سياسية إستراتيجية ذات قاعدة اقتصادية مهمة، لكنها تظل في جوهرها تبادلا للمصالح تحت سقف من الحذر والمخاطر، لا تحالفا اقتصاديا متكاملا أو ضمانة صينية غير مشروطة لطهران.



إقرأ المزيد