الجزيرة.نت - 9/18/2026 12:00:50 AM - GMT (+3 )
صورة مقسومة إلى نصفين، في نصفها الأيسر رجل أبيض يرتدي بذلة سوداء وإلى جانبه زوجته بفستان أنيق يتماشى مع بذلة زوجها، يبتسمان ابتسامة رسمية. وفي نصفها الأيمن رجل بملامح شرق أوسطية يجلس إلى جانب زوجته التي يُبرز حجابها ناصع البياض لون بشرتها المائل إلى السمرة. وفوق الصورة هذه الكلمات: "أمريكتان مختلفتان جدا".
لم تُنشَر هذه الصورة في إحدى مجموعات فيسبوك المعروفة بميولها العنصرية أو الشوفينية، كما أن الوجوه الظاهرة فيها ليست مغمورة بأي حال. الصورة نشرها حساب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ويظهر فيها بنفسه هو وزوجته ميلانيا في جانب ما يُفترض أنها أمريكا الحقيقية الطيبة، بينما يظهر في الجانب الآخر (الشرير) عبد الرحمن السيد، الأمريكي ذو الأصول المصرية، وزوجته سارة.
استجلب عبد الرحمن السيد تصريحات غاضبة من اليمينيين الأمريكيين منذ فوزه بترشيح الحزب الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان في الانتخابات النصفية القادمة. واستهدفه ترمب عدة مرات، لعل أوضحها عندما نشر صورة له إلى جانب عضوتي الكونغرس المُحجَّبتين إلهان عمر ورشيدة طليب، وكتب فوقها بخط أحمر كبير: "الجهاديون". واتهمه نائب الرئيس جي دي فانس أمام حشد انتخابي بأنه يريد تطبيق الشريعة في أمريكا، وفي سياق حديث فانس عن جده (الذي يتفاخر دائما بأنه كان لحاما من الطبقة العاملة الكادحة في ولاية أوهايو) تساءل فانس: "ماذا كان باباو (الجد بلغة ولايات الغرب الأوسط الدارجة) ليقول إن عدت بالزمن إلى الوراء، وحكيت له حال الحزب الديمقراطي اليوم؟".
فهم السيد الرسالة المُبطنة في كلام فانس، التي صرح بها قبله منافسه عن الحزب الجمهوري مايك روجرز، قائلا إن السيد "ليس أمريكيا" حقا. وفي تصريح من تصريحاته النارية التي اشتهر بها، رد السيد على فانس متسائلا إذا كان على استعداد لأخذ زوجته أوشا فانس، الهندية-الأمريكية، معه عبر الزمن ليُعرِّفها على "باباو". أثار رده عاصفة انتقادات من الجمهوريين الذين اتهموه باستثارة النعرات العنصرية، لكن المثير للاهتمام أيضا أنه استدعى تعليقات استحسان من اليمين المتطرف. فعبد الرحمن السيد إن كان أقل أمريكية من فانس، فكذلك أوشا زوجة فانس، وقطب الحزب الجمهوري فيفيك راماسوامي، وكلاهما من أصول هندوسية.
"يعكس التراشق خصيصة من خصائص السياسة الأمريكية، وهي النزاع على تعريف الهوية الوطنية"
يعكس التراشق خصيصة من خصائص السياسة الأمريكية، وهي النزاع على تعريف الهوية الوطنية. ويستعر الخلاف بين اليمين واليسار، والتيارات الفرعية داخلهما، على تعريف الأشخاص والأفعال والقيم التي تدخل في نطاق "الأمريكي"، ونبذ كل ما عداها بوصفه "لا أمريكيا" جديرا بالمساءلة والإقصاء.
الأمريكي واللا أمريكي"إن الولايات المتحدة ليست وطنا أم تعيش فيه عائلة وطنية.. إنها بلد من المهاجرين الذين، مهما شعروا بالامتنان في مقامهم الجديد، ما زالوا يتذكرون أوطانهم القديمة"
بواسطة مايكل والزر
من الأمريكي؟ هذا سؤال شائك. فالتصور الذي يصفه المنظر السياسي الأمريكي مايكل والزر في الاقتباس السابق ليس إلا واحدا من ثلاثة تصورات تتنازع على تعريف المواطنة الأمريكية. أولها تصور ليبرالي ورثته أمريكا عن الحركة التنويرية في القرن الثامن عشر، يرى المواطنة اختيارا لا ميراثا، ولا يطلب من المواطن سوى احترام قوانين نظام تُصان فيه الحقوق. وثانيها تصور "جمهوري – نسبة إلى الجمهورية" يشترط المشاركة الفعلية في الشأن العام والفضيلة المدنية، ويميل إلى المجتمعات المتجانسة. وثالثها تصور إثني لا يربط العضوية بالاختيار ولا بالحرية ولا بالمشاركة، وإنما بأصول وسمات بعينها: نسب شمال أوروبي، ومسيحية بروتستانتية، وعرق أبيض، وما يُعرف وفقا لهذا التصوُّر بـ"أسلوب الحياة الأمريكي".
إعلان
في التصوُّرين الأولين تكون الهوية الأمريكية "محلها نفس الإنسان وروحه"، إن اقتبسنا كلمات الرئيس الأمريكي الراحل تيدي روزفلت. ويبدو أن غالبية الأمريكيين مقتنعون بهذا، حيث أظهر استطلاع أجراه معهد أبحاث الدين العام في عام 2025 أن الأمريكيين يعتبرون القيم المدنية أهم عناصر الهوية الوطنية، إذ يرى 93% منهم أن الإيمان بالحريات الفردية علامة على كون المرء أمريكيا حقا، وذكر 91% الإيمان بالدستور، بينما ذكر 89% تقبُّل القادمين من خلفيات عرقية ودينية مختلفة.
وفي الوقت نفسه، يراقب عدد ليس بالقليل سمات كفيلة بإقصاء قطاعات واسعة من سكان الولايات المتحدة. فقد قال 75% من المشاركين في الاستطلاع إن التحدث باللغة الإنجليزية مهم، بينما شدد 57% على الإيمان بالله، و54% على أن يكون المرء مولودا على أرض أمريكا، واعتبر 43% المسيحيين أكثر أمريكية من غيرهم، وهذا يشير إلى أن "التفسيرات المدنية والإثنية الثقافية تتجاور تجاورا مضطربا في الوعي الجمعي"، بحسب القائمين على الدراسة.
"في التفسيرين (الليبرالي والجمهوري) تبرز مشكلة، وهي أن الحكم بأمريكية إنسان ما يتطلب النبش في صدره والحكم على ما في نفسه"
في التفسيرين (الليبرالي والجمهوري) تبرز مشكلة، وهي أن الحكم بأمريكية إنسان ما يتطلب النبش في صدره والحكم على ما في نفسه. فالمواطنة في الولايات المتحدة وفق هذا التعريف لا تشترط الانتماء الثقافي الكامل لهوية "أمريكية" خالصة (بغض النظر عن إمكانية صياغة تعريف واضح لهذه الهوية من الأصل)، وإنما الالتزام بمجموعة من القيم والمبادئ أو المعتقدات التي لا يمكن قياس اعتناقها بأي وسيلة موضوعية. ولطالما كان الشك الدائم في ولاء الأفراد مثار قلق لدى دعاة الوطنية، يدفعهم إلى خلق رموز فضفاضة، من العَلَم المُرصَّع بالنجوم إلى قَسَم الولاء، وفرض تقديسها شرطا لإثبات الانتماء الأمريكي.
وعلى النقيض نجد "اللا أمريكي" (Un-American) الذي يجب ألا نخلط مفاهيميا بينه وبين المعادي لأمريكا (Anti-American). الأول أخفق في أن يكون أمريكيا حقا لأنه لم يعتنق الأفكار والمعتقدات التي تتماشى مع الصبغة "السليمة"، أما الثاني فهو يسعى بثبات إلى تدمير الولايات المتحدة ويرفع شعارات "الموت لأمريكا". ومع ذلك فإن كان الخلط بينهما لعبة سياسية سائدة في الولايات المتحدة يمينها ويسارها، فالانزلاق من تحقير الشخص بوصفه "لا أمريكيا" إلى اتهامه بمعاداة أمريكا سهل قريب.
في التفسير الثالث، الذي يُعرف بالأصلانية، لا ترتبط الهوية الأمريكية بالحرية ولا بالمشاركة، وإنما بجذور إثنية وعرقية، ويعد مصطلح "اللا أمريكي" الابن الشرعي لهذا التصوُّر، ولا يُفهَم إلا بمنطقه. ولعل أوضح وصف لهذه الألفاظ ما سماه المؤرخ الألماني راينهارت كوزيليك "المفاهيم المضادة اللا متناظرة"، مثل الهيليني في مقابل البربري، والمسيحي في مقابل الوثني. والاسم الأول يسمي به المرء نفسه ويودعه كل ما يفخر به، أما الثاني فلا يصف صاحبه بشيء، وإنما ينفي عنه صفات الأول. ومن هنا يأتي اللاتناظر، إذ يقال "من ليس هيلينيا فهو بربري" ولا يقال العكس أبدا. ولا يملك المسمَّى أن يرد التسمية، لأن المعنى هنا لا تصنعه اللغة بل موقع القوة الذي يتكلم منه المُسمِّي.
إعلان
ولذا فإن "اللا أمريكي" كلمة لا يطلقها أحد على نفسه، ولا تقول شيئا سوى أن صاحبها تنقصه أمور غير محددة. ولهذا يسهل الانزلاق بها إلى الاتهامات بالخيانة والعمالة وعدم الانتماء، ويساعد في ذلك سيولة تعريف اللا أمريكي باختلاف الزمان والمكان، فتارة هو غير الأبيض، وتارة هو الشيوعي، وتارة هو الآسيوي، وبعد الحادي عشر من سبتمبر كان المسلم، ثم اللاتينيون والمكسيكيون مع صعود ترمب، وهلم جرا.
"التاريخ الأمريكي يحفل بمثل هذه الحملات التي شهدت محاولات رسم إطار إقصائي لمن هم أقل أمريكية"
يلجأ "الوطنيون" إلى شن حملات شعواء بين حين وآخر على الأنشطة "اللا أمريكية" لفرز الأمريكيين حقا عن غيرهم. وربما أشهر هذه الحملات "لجنة الأنشطة اللا أمريكية" في خمسينيات القرن الماضي، المعروفة بالمكارثية، التي لاحقت الرموز السياسية والثقافية والفنية حين اشتُبِه مجرد اشتباه في اعتناقها أي أفكار أو ميول شيوعية. ولكن التاريخ الأمريكي يحفل بمثل هذه الحملات التي شهدت محاولات رسم إطار إقصائي لمن هم "أقل أمريكية"، وكان مضمارها الأول هو قوانين الجنسية والهجرة.
فقد نصَّ أول قانون للجنسية عام 1790 على منحها للبيض الأحرار فقط، حتى جاء التعديل الرابع عشر للدستور عام 1868 ومنح الجنسية للمولودين على أرض أمريكا والخاضعين لسلطتها. وبعدها أتى قانون إقصاء الصينيين في عام 1882، الذي علَّق هجرة العمال من الصين وحظر منح الصينيين المقيمين الجنسية، ويُعد أول قانون أمريكي استهدف عرقية بأكملها. ثم سُنَّ قانون عام 1924 الذي وضع حصصا عرقية للهجرة وفق نِسَب ثابتة لأبناء العرقيات المقيمين في أمريكا بالفعل، معتمدا على إحصاء سكاني من عام 1890، في خطوة مُتعمَّدة لاستبعاد موجات المهاجرين السلافيين والإيطاليين التي وصلت إلى الولايات المتحدة بعد ذلك التاريخ.
ولم تنشأ هذه القوانين من فراغ، بل سبقتها حجة تتردد كلما ضاق تعريف الأمريكي. ففي أربعينيات وخمسينيات القرن التاسع عشر طالب حزب "لا أدري" (Know-Nothings) باستبعاد المولودين خارج البلاد والكاثوليك من المناصب العامة. وفشل الحزب في مساعيه، لكن حجته بقيت: الحكم الحر لا يقوم إلا بمواطنين تجمعهم عقيدة وعادات مشتركة. ثم انتقلت الحجة نفسها من السياسة إلى القضاء، فأيَّدت المحكمة العليا قيود الهجرة في "قضية الإقصاء الصيني" عام 1889 رغم المنطق العنصري الكامن فيها، وردَّت طلبات تجنيس اليابانيين في قضية لاحقة بدعوى أنهم ليسوا بيضا.
ومن المغري أن ننسب هذه الحملات إلى تيار أو حزب معين، لكن معظم ما ذكرناه من قوانين الجنسية والهجرة جرى تمريرها بشبه إجماع في الكونغرس، ومعظم الحملات لمحاربة اللا أمريكية كانت بتأييد من الحزبين، وبالأخص في زمن المكارثية.
قصة سفينتينربما ترجع جذور هذا الاختلاف في تعريف هوية الأمة الأمريكية إلى قرون مضت، تسبق حتى الثورة الأمريكية التي أسست الولايات المتحدة عام 1776. ففي أغسطس/آب 1619، رَسَت عند سواحل فرجينيا سفينة إنجليزية تُدعى "الأسد الأبيض"، تحمل حوالي عشرين زنجيا. لم تكن تلك أول واقعة استرقاق في الأمريكتيْن، لكنها أول سفينة تنزل بأفارقة في مستعمرة إنجليزية ستصير جزءا من أمريكا وتُعرف باسم جيمستاون.
وبعد عام واحد رست السفينة "ماي فلاور" عند شبه جزيرة كيب كود (في ولاية ماساتشوستس اليوم)، قادمة من مدينة بليموث الإنجليزية كي تؤسس مُستعمرة ستُعرف بالاسم نفسه، وأعلن ركابها في ميثاقهم الشهير حكومة قوامها التراضي، ولم تُقنِّن مستعمرتهم الرِّق بخلاف جارتها آنذاك مُستعمرة جزيرة ماساتشوستس (هي الأخرى جزء من ولاية ماساتشوستس اليوم).
من هذين الموقعيْن المتجاوريْن، ومن هاتين الواقعتين، صنع أمريكيو القرن التاسع عشر أسطورتين متنافستين لأصل الهوية الأمريكية، لا ليُفسِّروا الماضي بل ليُبرِّروا الحاضر. فقد شاع قبيل الحرب الأهلية وصف الصراع المُقبل بأنه صدام بين "سفينة الأسد الأبيض" رمز الجنوب المالك للعبيد، و"ماي فلاور" رمز الشمال، حتى قال السيناتور تشارلز سمنر إن بذور الحرب كانت في عنابر السفينتين، وإن "ماي فلاور" ستنتصر.
إعلان
ولكن ما جرى بعد الحرب كان أغرب من انتصار إحدى الروايتين. ففي عام 1886 أعلن الصحفي هنري غرادي، متحدثا باسم "الجنوب الجديد"، أن الخصومة القديمة انقضت وأن النمطين امتزجا معا في «الأمريكي»، وأن لنكولن كان أعظم منهما لأنه كان أمريكيا. وهذا «الأمريكي» الموحَّد نفسه، أي غرادي، وقف بعد عام في تكساس يطالب بصون سيادة العرق الأبيض إلى الأبد. وفي عام 1924 مُحِي ما تبقى من فرق بين بليموث وجيمستاون مع إقرار قانون الحصص العرقية، المعروف بقانون "جونسون – ريد".
لمن ولاء "الأمريكي بشرطة"؟
"إن الذين لا يصبحون أمريكيين، ولا شيء غير أمريكيين، فهم أمريكيون بشرطة؛ وينبغي ألا نفسح مكانا لهم في بلادنا.. لا يمكن أن يكون الأمريكي بشرطة مواطنا أمريكيا صالحا"
بواسطة تيدي روزفلت - الرئيس السادس والعشرون للولايات المتحدة
.
هل يحمل رجل وطنين في قلبه؟ يؤمن أنصار الليبرالية التعددية بذلك، فأمريكا في بعض التفسيرات ليست "وطنا غيورا" بالمعنى التقليدي، بل تُفسح المجال للتعدد الإثني لمواطنيها. هي ليست فرنسا التي حين قررت تحرير اليهود في أواخر القرن الثامن عشر شدد أعضاء البرلمان على أن اليهود لا يمكن أن يظلوا "وطنا داخل الوطن"، وإنما عليهم الاندماج بالكامل في الهوية الفرنسية الموحدة وتشربها.
الولايات المتحدة هي "وطن الشعوب"، والأفراد لهم حق الانتماء لهذه الشعوب أو لفظها بالقدر الذي يريدونه، وهذا مكمن "الحرية" الحقيقية التي تقدمها الولايات المتحدة حسب الليبراليين؛ حرية أن يجد المرء إشباعا ثقافيا في جذوره الإثنية، وإشباعا سياسيا بالانخراط في المجتمع المدني والمشاركة في العملية السياسية، ليس بالضرورة كلاتيني في الأولى وكأمريكي في الثانية، بل كلاتيني-أمريكي (وبينهما شرطة) في الحالتين. ومن ثمَّ فإن أي مساعٍ أو حملات جادة "للأمركة"، أي فرض تجانس إثني وعرقي بين المكونات المختلفة للمجتمع الأمريكي، هي لا أمريكية في جوهرها، وقد تُفلح في قمع بعض المظاهر الثقافية أو إسكات بعض الجماعات، لكنها محكومة بالفشل.
وليست هذه الفكرة بلا أب. فحين اشتدت "حملة الأمركة" مع الحرب العالمية الأولى وراحت تنزع عن المهاجرين قسرا أي سمات "غريبة"، ردَّ الفيلسوف هوراس كالن بأن الهوية الأمريكية في حقيقتها "تعددية ثقافية"، هي جمهورية اتحادية في شكلها، لكنها في جوهرها "ديمقراطية قوميات"، تجد فيها حاجة المرء إلى جماعة ينتسب إليها باعتبارها متنفسا، لا خصما مع الكيان السياسي الأكبر. الأمر أشبه بتفرقة راينهارت كوزيليك بين "غير المسيحي" و"الذي لم يصر مسيحيا بعد"، فالأول مطرودٌ في المكان، والثاني مؤجلٌ في الزمان. وعلى هذا المنوال تنظر حملات الأمركة إلى المهاجر بوصفه أمريكيا لم يكتمل بعد، وشرطته تسقط متى تخلى عن لغته، أما الأمريكية التراثية فتراه غريبا لا ترقية له مهما فعل.
السيد مصري-أمريكي، ومن ثمَّ فهو أحد هؤلاء "الأمريكيين بشرطة" مع أنه وُلِد في الولايات المتحدة. وهذه الخلفية الثقافية المتمايزة لم يحاول إخفاءها، بل حرص على إبرازها في خطابه بعد فوزه بترشيح الحزب الديمقراطي. عبَّر السيد عن امتنانه لما أسماها "الصدفة التاريخية" التي غيَّرت مسار حياته حين هاجر والده إلى ديترويت والتحق بجامعة "واين ستيت". كل ما تلا ذلك من الحال المادي الميسور الذي تمتَّع به "عبدول" مقارنة بأقاربه في مصر، والتحاقه بكلية الطب في جامعة عامة وصفها بالرائعة، وترشحه للكونغرس، كلها منحتها له أمريكا، وهذه الفرص هي التي تجعل أمريكا عظيمة حقا، وهي ما يقاتل من أجله، على حد قوله.
أوشا فانس، لمجرد انتمائها إلى خلفية ثقافية آسيوية، هي أمريكية بشرطة أيضا، ولم يشفع لها عند اليمين المتطرف أنها زوجة نائب الرئيس الجمهوري. فهي ابنة أبوين مهاجرين من هنود التيلوغو، نبغت في دراسة القانون بجامعة ييل بشهادة أساتذتها، وتتلمذت على يدِ قضاة محافظين بالمحكمة العليا. بالكاد يوجد أي شيء يثير التحفظ في حياة أوشا التي اعتنت بأبناء نائب الرئيس الثلاثة، وحازت على ثناء زوجها وأقرانها وأساتذتها، ومع ذلك لم تسلم من الهجمات الشرسة من اليمين المتطرف، وبالأخص من نيك فوينتس، المذيع المثير للجدل الذي نعتها عام 2024 بألفاظ عنصرية استهدفت أصولها الهندية، واتهم فانس بأنه "خائن للعرق الأبيض" لأنه تزوجها. السيد نفسه وجد في أوشا هدفا سهلا، بغض النظر عن أن تعليقه خرج من أرضيةِ الرد على فانس.
إعلان
يسهل أن نتجاهل تصريحات فوينتس وغيره باعتبارها لا تعبر إلا عن جناح عنصري متطرف داخل اليمين الأمريكي. ولكن يصعب أن نتجاهل أن فانس نفسه من أبرز أنصار ما يُعرف بـ "الأمريكية التراثية". في مؤتمر الحزب الجمهوري خلال حملة ترشحه إلى جوار ترمب في عام 2024، قال فانس إن الولايات المتحدة ليست مجرد فكرة، بل هي وطننا الأم، متذكرا أجداده المدفونين في مقبرة عائلته في كنتاكي، ومتمنيا أن يُدفَن هناك. ما يُفهم من ذلك ضمنيا ليس فقط أن من له أجداد مدفونون في تراب الولايات المتحدة هو أكثر أمريكية من أبناء المهاجرين، ولكن أيضا أن أمريكا إذا لم تكن مجرد فكرة، فلا يمكن لأي شخص أن يعتنقها إذا أراد. لا يمكن للسيد، وبالمثل لأوشا، التغلب على صلة فانس التي تربطه بتراب أمريكا عبر "باباو"، فمهما تحلوا بالقيم المدنية والتسامح وتقبل الآخر، وشاركوا في العملية الديمقراطية وتلقوا تعليما غربيا، لن تغيب الشرطة.
باختصار، فانس "أمريكي-أمريكي"، أو الأمريكي الأصيل إن استخدمنا مصطلح الكاتب المحافظ غلين إلمرز في مقاله المثير للجدل المنشور عام 2021 بعنوان "المحافظة لم تعد كافية"، واستهلَّه بقوله إن "أكثر من يعيشون في الولايات المتحدة اليوم – بالتأكيد أكثر من نصفهم – ليسوا أمريكيين بأي معنى حقيقي للكلمة". وللمفارقة فإن زوجته، قبل خصومه الذين يستهدفهم، ليست كذلك.
إقرأ المزيد


