حصار الأناكوندا.. معركة صينية بلا رصاص في أخطر بقاع العالم
الجزيرة.نت -

"أعظم فنون الحرب أن تُخضع العدو دون قتال"

بواسطة (صن تزو)

في مناطق المستنقعات وسهول السافانا في فنزويلا، بينما كان قطيع من خنازير الماء (الكابيبارا)، أحد أكبر القوارض في العالم يتغذى على العشب بجوار الماء، لم يكن يدرك الخطر الكامن تحت الماء، ألا وهو ثعبان الأناكوندا، أحد أكبر وأقوى الثعابين في العالم.

يقترب المفترس من الأسفل ببطء، يباغت أحد حيوانات القطيع، ولكن بدلا من أن يلدغه ليقتله بالسم، كما هو معروف عن الكثير من الثعابين، تتبع الأناكوندا طريقة أخرى في الافتراس، حيث تحيط الفريسة بجسمها وتضغط عليها بقوة، ومع مرور الزمن، القصير بطبيعة الحال، تموت الفريسة بسبب الضغط على التنفس والدورة الدموية ومن ثم تبتلعها الأناكوندا.

قصص مقترحة list of 3 itemsend of list

يعتقد قائد البحرية التايوانية السابق الأدميرال تانغ هوا أن الصين تستخدم إستراتيجية الأناكوندا لخنق تايوان وضمها دون غزو، و "أن بكين تهدف إلى محاصرة الجزيرة.. ببطء ولكن بثبات"، نفس الرأي ردده طيف من المحللين الغربيين، مثل مارك مونتغومري الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في شهادته أمام لجنة الكونغرس لشؤون العلاقات بين الولايات المتحدة والحزب الشيوعي الصيني.

قال مونتغومري إن السيناريو المرجح لضم الصين لتايوان، التي تعتبرها بكين جزءا لا يتجزأ من أراضيها، ربما لن يكون غزوا عسكريا شاملا حتى لو كان هذا السيناريو مطروحا، بل حملة من الضغوط الاقتصادية والإعلامية والهجمات السيبرانية، تستهدف المؤسسات المالية ومصادر الطاقة وقطاعات الاتصالات، وربما يترافق ذلك مع هجوم سيبراني يستهدف الولايات المتحدة واليابان لأجل شل قدرة الاستخبارات على رصد الهجمات على تايوان. وتتفق جون تويفل دراير في مقال نشر في الموقع الإلكتروني لمعهد أبحاث السياسة الخارجية مع كل من هوا ومونتغومري في أن الصين تخطط للسيطرة على تايوان دون إطلاق رصاصة واحدة.

إعلان

في كتابها الأبيض الصادر عام 2022، أوضحت الصين الخطوط الرئيسية لسياستها تجاه تايوان مشددة على مرجعية قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2758 الذي يكرس مبدأ الصين الواحدة، وفق تفسير بكين. تؤكد الصين أيضا خيار "التوحيد السلمي" وفق مبدأ دولة واحدة ونظامين، وتحتفظ بالقوة كخيار أخير في حال فشلت الحلول السلمية.

سفينة صينية تقترب من شواطئ تايوان (أسوشيتد برس)
إستراتيجية الأناكوندا

في الحرب الأهلية الأمريكية بين عامي 1861 و1865، اقترح الجنرال وينفيلد سكوت خطة لفرض حصار خانق على الولايات الجنوبية المنشقة عن الاتحاد، عمد الجنرال سكوت إلى فرض حصار على جميع الموانئ التابعة للولايات الجنوبية، المطلة على المحيط الأطلسي وخليج المكسيك، كما أرسل جيشا عبر المسيسيبي لولاية نيو أورليانز، هادفا من وراء ذلك إلى تقسيم الولايات الجنوبية إلى شطرين، ومنع وصول الإمدادات والسلاح إلى تلك الولايات والحيلولة بينها وبين تصدير القطن، وكان القطن يمثل العمود الفقري لاقتصاد الولايات الجنوبية آنذاك.

لم تكن إستراتيجية حصار الأناكوندا في حالة الحرب الأهلية الأمريكية مانعة تماما من أي تواصل بين الولايات الجنوبية والعالم الخارجي، ولكنها أسهمت إسهاما كبيرا في زيادة الضغط على موارد تلك الولايات. وانتصرت الحكومة الفيدرالية على الولايات المنشقة في نهاية المطاف ونجحت في الحفاظ على وحدة الولايات المتحدة الأمريكية.

خط الجنرال سكوت، أو خطة الأناكوندا، لفرض حصار خانق على الولايات الجنوبية المنشقة عن الاتحاد (مكتبة الكونغرس)

بالعودة إلى تايوان، فإن الجزيرة الصغيرة تعتمد اعتمادا كبيرا على العالم الخارجي، فهي تستورد 97% من احتياجاتها النفطية من الخارج، و70% من احتياجاتها من الغذاء، ويستند الاقتصاد التايواني إلى التجارة الخارجية بشدة، إذ يفتقر للموارد الطبيعية ويعتمد على استيراد المواد الأولية لتُصنَّع في هيئة منتجات متقدمة ثم يُعاد تصديرها مرة أخرى. ومن ثم فإن تايوان ربما تكون هشة تجاه أي نوع من الحصار أو الحجر أو العزل عن العالم الخارجي.

على الجانب الآخر، فإن عملية عسكرية شاملة تستهدف ضم تايوان لا تخلو من مخاطر على الأمن في منطقة الباسيفيك، بسبب أهمية تايوان بالنسبة للولايات المتحدة، ومخاوف حلفاء واشنطن في المنطقة مثل الفلبين وكوريا الجنوبية واليابان، فضلا عن الصدمة التي سيتعرض لها الاقتصاد العالمي نظرا لأن خمس التجارة العالمية البحرية تقريبا تمر عبر مضيق تايوان. ويعتمد العالم بشكل كبير على تايوان في صناعة الشرائح الدقيقة. هذه الشرائح الدقيقة باتت تدخل في كل الصناعات في العالم تقريبا، الأمر الذي سيجعل العديد من القطاعات الصناعية عرضة للخطر إذا نشبت حرب حول تايوان.

"تايوان هشة تجاه أي نوع من الحصار أو الحجر أو العزل عن العالم الخارجي"

فضلا عن ذلك، فإن العلاقة بين الصين وتايوان لا تقرأ فقط من زاوية التنافس الجيوسياسي، بل تتداخل فيها اعتبارات تاريخية وثقافية هوياتية عميقة، إذ يتشارك معظم السكان على الجانبين إرثا حضاريا ولغويا وثقافيا ممتدا، فضلا عن روابط أسرية واقتصادية واجتماعية تراكمت عبر عقود.

إعلان

ومن ثم، فإن بكين لا تنظر إلى تايوان في خطابها الرسمي بوصفها دولة مستقلة بقدر ما تعدها جزءا من الأمة الصينية ومسألة داخلية مرتبطة بوحدة البلاد وسيادتها. وهذا التصور يجعل الخصومة معها أكثر تعقيدا من صراع تقليدي بين دولتين متباعدتين، لأن أي مواجهة واسعة قد تقدّم داخليا باعتبارها صداما مع مجتمع ترى الصين أنه ينتمي، تاريخيا وثقافيا، إلى المجال القومي نفسه، وهو ما يضيف إلى الحسابات العسكرية والسياسية بعدا نفسيا ورمزيا لا يمكن تجاهله.

مضيق تايوان (الجزيرة)
الصين تقترب ببطء ولكن بثبات

عندما زارت رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي تايبيه عاصمة تايوان في أغسطس/آب 2022، سارع الرئيس شي جين بينغ إلى الاتصال بنظيره الأمريكي آنذاك جو بايدن، ليعرب عن غضبه من الزيارة قائلا إن "هؤلاء الذين يلعبون بالنار سوف يحترقون بها"، ومعتبرا أن الخطوة الأمريكية تتجاوز خطا أحمر لدى بكين.

منذ ذلك الحين كثف جيش التحرير الشعبي وجوده بإزاء تايوان، وخلال السنوات التي تلت الزيارة أجرت الصين عددا كبيرا من التدريبات والمناورات في مضيق تايوان. بعض تلك المناورات شمل إطلاق صواريخ باليستية مر بعضها فوق تايبيه. إحدى أبرز تلك المناورات هي مناورة "السيف المشترك" في أبريل/نيسان 2023، التي يُعتقد أنها كانت رسالة صينية ردا على زيارة الرئيسة التايوانية آنذاك تساي إنغ وين إلى واشنطن ولقائها برئيس مجلس النواب كيفين ماكارثي.

شهدت المناورات إرسال قطع بحرية بالقرب من المياه الإقليمية لتايوان، كما أعلن خلالها عن دوريات في منطقة وسط وشمال مضيق تايوان بواسطة قوات خفر السواحل الصينية. أجرى جيش التحرير الشعبي مناورات في أغسطس/آب من العام نفسه، ردا على زيارة نائب الرئيس التايواني آنذاك لاي تشينغ تي وعندما انتخب تشينغ رئيسا في عام 2024 أُجريت مناورات "السيف المشترك-2" في أبريل/نيسان من العام التالي.

"طبقت مناورات رعد المضيق إستراتيجية يطلق عليها الملفوف ثنائي الطبقات"

لعل أكبر وأهم تلك المناورات وأكثرها أهمية كانت مناورات "ستريت ثاندر – إيه" (رعد المضيق)، التي أُجريت في أبريل/نيسان 2025، إذ كانت هذه المناورات أكثر تعقيدا وشملت مشاركة أفرع القوات المسلحة كافة في جيش التحرير الشعبي، ويشير تقرير معهد جيمس تاون إلى أن القوات المشاركة في المناورة طبقت إستراتيجية يطلق عليها (الملفوف ثنائي الطبقات) والمشتقة من اسم نبات الملفوف/الكرنب، ويقصد بهذه التسمية أن طبقات الملفوف الداخلية تتولى حصار تايوان، فيما تتولى الطبقات الخارجية التصدي لأي قوة خارجية تسعى إلى التدخل.

شملت المناورة تدريبا على السيطرة على المناطق والممرات الحيوية مثل قناة بهاسي التي تصل بحر جنوب الصين ببحر الفلبين وهي الممر المائي الأساسي الذي يتعين على السفن والغواصات التابعة للبحرية الصينية عبوره للوصول إلى مياه المحيط الهادئ المفتوحة. ونقلت "جلوبال تايمز" الصينية عن قيادة المسرح الشرقي، وهو أحد المسارح الخمسة لجيش التحرير الشعبي، أن المناورات شملت تحرك حاملة الطائرات شاندونغ إلى شرق تايوان لإقامة حاجز بحري لتطبيق إستراتيجية "الحصار ثلاثي المحاور"، التي تشمل منع خطوط الإمداد بالطاقة للانفصاليين في تايوان، ومنع تلقي مساعدة خارجية، ومنع هروب قوات الانفصاليين.

وخلال هذه المناورات أيضا، انتشرت قوات تابعة لخفر السواحل الصينية على مقربة من الساحل الشرقي لتايوان، كما ورد أن أساطيل صيد صينية انخرطت في أنشطة على بعد 200 كيلومتر شرق الجزيرة، وهي أساطيل تزعم الصحافة الغربية أنها تعمل قوة غير رسمية مساندة للبحرية الصينية. كل هذه الأنشطة تجعل من المناورات نموذجا مصغرا لما يمكن أن يكون عليه الحال إذا حاولت الصين تطبيق حجر أو "حظر وصول" إلى تايوان بتدابير غير عسكرية.

"من خلال المناورات المحدودة والمستمرة، تبقي بكين القوات المسلحة التايوانية في حالة تأهب مستمر"

ويطلق جيش التحرير الشعبي على هذا النوع من الأنشطة اسم "يان ليان" وتترجم إنجليزيا إلى "Drill" أو "مناورة" وتعني في الأدبيات العسكرية الصينية نشاطا تدريبيا صغيرا، يركز على مهارة بعينها وكثيرا ما يُطلَق فجأة دون جدول معلن مسبقا استجابة لتطور سياسي أو عسكري بعينه. في حين تطلق بكين على الأنشطة الواسعة والأكبر لفظة "يان شي" وتترجم إنجليزيا إلى "Exercise" أو "تدريب".

إعلان

وتستهدف الصين من خلال المناورات المفاجئة والمركزة إرسال رسائل سياسية مع ترسيخ وضع طبيعي جديد دون إثارة ردود الفعل الواسعة التي يمكن أن تثيرها التحركات الكبرى. ومن خلال المناورات المحدودة والمستمرة، تبقي بكين القوات المسلحة التايوانية في حالة تأهب مستمر، وتستنزف قدراتها باستمرار، وتفقدها حساسية التمييز بين الممارسات المعتادة والتغيرات الكبرى الجديدة.

مناورات الصين حول تايوان تزداد حدة مع كل نشاط تراه بكين انفصاليا (أسوشيتد برس)
عبور خط المنتصف الجوي

حينما وضعت الحرب الأهلية الصينية أوزارها عام 1949، انسحبت الحكومة الصينية القومية من بر الصين الرئيسي الذي أُعلنت فيه جمهورية الصين الشعبية بقيادة الحزب الشيوعي الصيني، فيما باتت تايوان مقرا لحكومة القوميين تحت اسم جمهورية الصين. وفي منتصف الخمسينيات اعْتُبِرَ خط منتصف المضيق الحد الفاصل بحكم الأمر الواقع بين الحكومتين رغم أن بكين لم تعترف به رسميا،  وظل الوضع كذلك حتى بعد انتقال الاعتراف الأمريكي والدولي إلى جمهورية الصين الشعبية في السبعينيات.

نيكسون (يمين) يلتقي الزعيم الصيني ماو تسي تونغ خلال زيارة الرئيس الأمريكي التاريخية إلى الصين عام 1972 (غيتي)

وقع أول عبور صيني موثق لخط المنتصف في يوليو/تموز 1999، ردا على تصريحات للرئيس التايواني آنذاك لي تنغ هوي وصفت العلاقات بين طرفي المضيق بأنها علاقات "بيد دولتين". ولم يحدث العبور التالي حتى عام 2011، وجاء ردا على النشاط العسكري الأمريكي في المنطقة. وبعد ذلك، كانت هناك استراحة طويلة أخرى قبل العبور الثالث، والذي حدث في مارس/آذار 2019. وفي السنوات التي تلت ذلك، أصبحت حالات العبور أكثر تكرارا إذ حدثت واقعتا عبور في عام 2020.

جاءت الواقعة الأولى إثر زيارة لتايوان قام بها وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكي أليكس أزار، فيما جاءت الثانية بعد زيارة كيث كراك، وكيل وزارة الخارجية الأمريكي للنمو الاقتصادي والطاقة والبيئة. خلال هذا التوغل تحديدا، في سبتمبر/أيلول 2020، عبرت ما يقرب من 40 طائرة خط الوسط أثناء إجراء تدريب بالذخيرة الحية. وقد قوبل ذلك الاستفزاز بإدانة أمريكية فورية، ولم تعبر أي طائرة عسكرية صينية خط الوسط بعد ذلك حتى مايو/أيار 2022.

"وقع أول عبور موثق للطائرات الصينية لخط المنتصف في يوليو/تموز 1999"

في ذلك العام، بدا أن الطلعات الصينية التي كانت نادرة واستثنائية تحولت إلى روتين معتاد. وبحسب صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست رصدت تايوان منذ عام 2022 عددا كبيرا جدا من الطلعات الجوية بالقرب من تايوان، وعدد معتبر من هذه الطلعات تجاوز خط المنتصف. وبحلول عام 2025 بلغ عدد الطلعات رقما قياسيا بلغ 5461 طلعة، منها 3782 طلعة تقريبا تجاوزت خط المنتصف، قبل أن ينخفض العدد نسبيا خلال النصف الأول من عام 2026، إذ بلغ نصف ما كان عليه الحال في العام الماضي.

هذه الطلعات لا تهدف بالضرورة إلى التمهيد لهجوم جوي مباشر، بقدر ما تمثل إحدى أدوات "إستراتيجية الأناكوندا"، فمع تكرار عبور الطائرات الصينية لخط المنتصف واقترابها من تايوان، تُجبر الدفاعات التايوانية على مراقبتها باستمرار وتشغيل الرادارات وإبقاء الطائرات ووحدات الدفاع الجوي في درجات مرتفعة من الاستعداد، بما يستهلك الموارد ويضغط على الأفراد والمعدات بمرور الوقت. والأهم كما ذكرنا أن التكرار يغير الوضع القائم عمليا، فما كان يعد قبل سنوات عبورا استثنائيا للخط الفاصل أصبح نشاطا شبه اعتيادي، وهو ما يضعف تدريجيا القيمة العملية لخط المنتصف ويجعل الوجود العسكري الصيني قرب تايوان أمرا مألوفا.

وهكذا تتكامل هذه الضغوط الجوية مع الدوريات البحرية وخفر السواحل والمناورات المحيطة بالجزيرة، بحيث تتدرب الصين بصورة متكررة على الانتشار في المساحات التي قد تحتاج إليها يوما لفرض حصار أو حجر بحري وجوي. وهكذا لا يكون الهدف فقط إرهاق تايوان، بل تضييق مجال الإنذار والحركة حولها، واعتياد القوات الصينية العمل بالقرب منها، حتى يصبح الانتقال من الضغط اليومي إلى تطويق فعلي، إذا اتُخذ القرار السياسي بذلك، أكثر سهولة.

يشير بعض الخبراء إلى زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى بكين في مايو/أيار الماضي باعتبارها السبب الرئيسي في التهدئة، بعدما أجل مبيعات أسلحة إلى تايوان. ومن الممكن أن تكون زيارة رئيس الحزب القومي  المعارض في تايوان (الكومينتانغ) إلى بكين قد أسهمت في هذا الانخفاض، إذ ترغب بكين أيضا في دعم الأطراف التي تراها معتدلة في الجانب التايواني. ومن الممكن أيضا أن تكون إستراتيجية بكين نفسها تطورت جزئيا، وأنها تشعر أن سيطرتها على المضيق بلغت حدا لا تحتاج معه لتكرار الرسائل السياسية بالوتيرة نفسها.

التقدم بدون هجوم

تمارس السفن الصينية نشاطا مشابها تقريبا في المياه المتاخمة لتايوان. المثير للانتباه أن معظم هذه الأنشطة لا تقوم بها بحرية الجيش الصيني الرسمية، ولكن جهات تنفيذ القوانين الصينية مثل خفر السواحل، وإدارة أمن البحار والبعثات العلمية، وسفن صيد مدنية تنفذ ما يعرف بـ "تدابير المنطقة الرمادية". ويعرّف مكتب مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية أعمال المنطقة الرمادية على أنها "الاستخدام المتعمد لأدوات القوة القسرية أو التخريبية لتحقيق أهداف سياسية أو أمنية، بطرق تتجاوز أو تستغل الثغرات في المعايير الدولية ولكنها تهدف إلى البقاء دون العتبة المتصورة للصراع المسلح المباشر".

سفن صينية تقوم بدوريات في الوقت الذي يجري فيه جيش التحرير الشعبي تدريبات عسكرية في مضيق تايوان (الفرنسية)

في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حللت دراسة نشرها مركز الدراسات الدولية والإستراتيجية حركة 12 ألف سفينة تبحر بالقرب من تايوان. اعتمدت الدراسة على معيارين رئيسيين، سفن الصيد التي تقضي وقتا معتبرا خارج مناطق الصيد المعروفة، أو تتواجد لمدد طويلة في مناطق المناورات العسكرية، أو السفن المدنية التي تتلاعب بهويتها، أو تحاول إخفاء شفرة التعريف الإلكترونية الخاصة بها، أو توقف بث أجهزة التعريف. بعد تحليل البيانات زعمت الدراسة أن ما بين 128 و209 سفن صيد صينية تنطبق عليها المواصفات والمعايير التي تدفع إلى الاعتقاد بأنها تمارس أنشطة رمادية.

إعلان

دأبت تلك القوات على التوغل في عمق مياه المضيق وصولا إلى ما تعتبره تايوان مياها إقليمية. وبعكس المناورات الجوية التي خفتت العام الحالي، تسجل التحركات البحرية الصينية قرب تايوان أرقاما قياسية. في يوليو/تموز الماضي وحده، سجلت تايوان نحو 244 "اختراقا"، 60% منها من قوات خفر السواحل، وهو رقم يفوق أرقام الشهرين الماضيين وأرقام الشهر نفسه في العام السابق. تُستخدم سفن الأبحاث العلمية في أنشطة المنطقة الرمادية. وتقول تايوان إن هذه السفن وإن كانت تابعة لمؤسسات مدنية إلا أنها تعمل لمصلحة جيش التحرير الشعبي وكذلك البحرية الصينية، وتتنوع أنشطتها بين قياس الأعماق ورسم خرائط للأعماق وتحليل العينات.

سفن تايوانية تتولى دوريات في بحر شرق الصين (غيتي)

تتهم تايبيه بكين أيضا بتوظيف السفن الصينية المدنية في أعمال تخريب لكابلات الاتصالات الواقعة أسفل المياه حول تايوان. وهناك ثلاثة حوادث كبرى على الأقل اتهمت فيها تايوان سفنا صينية أو تحمل أعلام دول أخرى بطواقم صينية بقطع كابلات الاتصالات، ففي عام 2023 اتهمت تايوان سفينتين صينيتين بقطع كابلين بحريين  بفارق نحو 6 أيام، هذان الكابلان يصلان الأرخبيل بالجزيرة الأم مما تسبب في تأثر خدمة الإنترنت لأسابيع، وتسبب في مشكلات جمة للسكان.

وفي يناير/كانون الثاني 2025 اشتبهت السلطات التايوانية في قيام سفينة شحن مسجلة بالكاميرون وتنزانيا وذات طاقم صيني بجر مرساة وقطع الكابل الرابط بين أمريكا وشرق آسيا. وبعد شهر واحد اعترض خفر السواحل سفينة شحن ترفع علم توجو بعد انقطاع كابل بحري يربط تايوان بإحدى جزرها الواقعة في المضيق وهي جزيرة بينغهو. من جانبها، نفت بكين مراراً أي دور لها في "تخريب" الكابلات، ووصفت الرواية التايوانية بأنها "تسييس" لحوادث بحرية عادية. وفي حادثة السفينة التوغولية، خلصت تحقيقات بكين إلى أن مهربَين تايوانيَّين كانا يديران السفينة ضمن شبكة تهريب بضائع مجمدة إلى الصين.

سباق الزمن

بالطبع، لا تعلن الصين صراحة أنها تتبع إستراتيجية معينة لحصار تايوان، ولكن وسائل الإعلام الموالية للحكومة تبرز عادة التحركات الصينية في المحيط التايواني، وتعدها حقا طبيعيا لبكين في مجالها الجوي والمائي. في حين تبقى الرواية السياسية لبكين قائمة على حالها: تايوان جزء لا يتجزأ من أراضي الصين، ومن حق بكين أن تستعيدها بكل السبل، ويا حبذا لو حدث ذلك بالطرق السلمية.

"تبقى الرواية السياسية لبكين قائمة على حالها: تايوان جزء لا يتجزأ من أراضي الصين، ومن حق بكين أن تستعيدها بكل السبل، ويا حبذا لو حدث ذلك بالطرق السلمية"

من جانبها تراهن تايوان حاليا على الدعم الأمريكي والغربي خط دفاع أساسي. في أغسطس/آب الماضي اتفقت واشنطن وتايبيه على تدريبات لقوات خفر السواحل التايوانية، ونشر المعهد الأمريكي لتايوان الذي يعد بمثابة سفارة غير رسمية، صورا لزوارق تدريب أمريكية تايوانية مشتركة في رسالة دعم أمريكية واضحة للجزيرة.

وتعمل تايبيه حاليا على تطوير شبكة وصول إلى الإنترنت تعتمد على الأقمار الصناعية بدلا من تلك التي تعتمد على الكابلات البحرية، لتفادي الظلام الإلكتروني إذا انقطعت الكابلات البحرية. وتجدر الإشارة إلى أن الظلام الإلكتروني لا يشمل فقط الوصول إلى الشبكة العالمية ولكنه يهدد التجارة الإلكترونية ووسائل الدفع المالي والحصول على الخدمات الحكومية وغيرها من الخدمات التي باتت جزءا لا يتجزأ من الحياة المعاصرة.

أما الجزء الصعب فيما يتعلق باعتماد تايوان على استيراد الطاقة، فإن هيئة الانتخابات التايوانية أعلنت أنها ستجري استفتاء على إلغاء قانون "لا نووي في تايوان" الذي يعني ضمنا فتح الطريق أمام إنشاء محطات طاقة تعمل بالطاقة النووية بدلا من استيراد المحروقات من الخارج، الأمر الذي ربما يدفع للاعتقاد بأن الجزيرة تستعد لحصار محتمل يقطع عنها مصادر للطاقة.

في نهاية المطاف، وسواء كانت تحركات الصين تشكل "إستراتيجية أناكوندا" ممنهجة لتطويق تايوان ببطء وإنهاك دفاعاتها دون قتال مباشر، أو أنها تندرج ضمن ممارسة السيادة والردع السياسي ردا على التحركات التايوانية والأمريكية، فإن الواقع العملي في مضيق تايوان قد تغير بالفعل. تراهن بكين على الزمن وإعادة رسم الأمر الواقع عبر الضغط المتواصل، بينما تسابق تايبيه الوقت وتعزز جاهزيتها ومناعتها عبر دعم حلفائها وتحديث بنيتها التحتية الحيوية. في غضون ذلك، يبدو أن مضيق تايوان سيظل يدار وفق معادلة دقيقة وحذرة، في صراع يُخاض بالصبر الإستراتيجي وحسابات الردع، وليس بالتحركات العسكرية الصارمة.



إقرأ المزيد