حين يتوقف التنفس ليلا.. مرض شائع يرهق القلب ويعكر النوم
الجزيرة.نت -

لم يكن العالم يدرك على نطاق واسع حجم انتشار مرض انقطاع النفس الانسدادي النومي إلا بعد الدراسة المجمعة التي نشرتها مجلة "ذا لانست" عام 2019، والتي قدرت أن نحو 936 مليون شخص تتراوح أعمارهم بين 30 و69 عاما يعانون هذا الاضطراب حول العالم.

ومنذ ذلك الحين، أصبح المرض يحظى باهتمام طبي متزايد، ليس فقط بسبب تأثيره المباشر في جودة النوم، بل أيضًا لما يرتبط به من مخاطر قد تطال القلب والأوعية الدموية والتمثيل الغذائي والحياة اليومية للمريض.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

ويُعد انقطاع النفس الانسدادي النومي من اضطرابات النوم الشائعة التي تحدث عندما يضيق مجرى الهواء العلوي أو ينسد بشكل متكرر أثناء النوم، ما يؤدي إلى انخفاض تدفق الهواء أو توقفه مؤقتا لثوانٍ قد تتجاوز 10 ثوانٍ، ثم يعود التنفس بعد استيقاظ جزئي أو اختناق مفاجئ.

كيف يحدث المرض؟

بحسب المكتبة الوطنية الأمريكية للطب، فإن انقطاع النفس الانسدادي النومي يظهر لدى كثير من المرضى على هيئة نوبات متكررة من انسداد مجرى الهواء أثناء النوم، وقد تتكرر هذه النوبات أكثر من 5 مرات في الساعة الواحدة. ويؤدي ذلك إلى انخفاض مستويات الأكسجين، وتقطّع النوم، وإجهاد الجسم على نحو مستمر حتى إن بدا المريض نائما لساعات كافية.

وغالبا ما تظهر الحالة عبر أعراض واضحة، مثل الشخير المرتفع أو غير المنتظم، والشعور بالاختناق أو اللهث ليلا، والاستيقاظ المتكرر، والنعاس المفرط أثناء النهار، والصداع الصباحي، وعدم الشعور بالراحة بعد النوم.

ويحدث هذا الاضطراب نتيجة تضيق مجرى الهواء العلوي أثناء النوم، وتعد التشوهات أو المشكلات التشريحية في مجرى الهواء من أبرز العوامل المساهمة فيه، إلى جانب عامل مهم آخر هو السمنة.

فزيادة الدهون حول الرقبة واللسان والبطن تسهم في تضييق المجرى الهوائي وتقليل كفاءة التنفس أثناء النوم، كما قد تؤدي إلى انخفاض حجم الرئة وزيادة فرص الانسداد.

أدوية GLP-1 لا تعد بديلا مطلقا عن العلاجات الأخرى للمرض (مولدة بالذكاء الاصطناعي)
أمل جديد

حملت دراسة سريرية حديثة نشرتها مجلة (JAMA Otolaryngology–Head & Neck Surgery) في سبتمبر/أيلول الجاري بارقة أمل لمرضى انقطاع النفس الانسدادي النومي، خاصة أولئك الذين ترتبط حالتهم بالسمنة.

إعلان

واعتمد الباحثون على مراجعة الدراسات المنشورة لتقييم دور محفزات مستقبلات الببتيد الشبيه بالغلوكاغون-1 (GLP-1)، وهي فئة دوائية تستخدم أساسا في علاج السكري والسمنة، في تقليل شدة انقطاع النفس الانسدادي النومي.

وأظهرت النتائج أن هذه الأدوية، وخصوصا تيرزيباتيد، قادرة على خفض مؤشر انقطاع النفس النومي، وهو المؤشر المستخدم لقياس شدة الحالة وعدد نوبات توقف التنفس أو انخفاضه أثناء النوم.

كما أظهرت البيانات، التي شملت مرضى خلال الفترة من يناير/كانون الثاني 2021 إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أن تيرزيباتيد ساعد عددا أكبر بكثير من المرضى على الوصول إلى الشفاء التام بعد عام واحد، إذ تراوحت النسبة بين 42% و50%، مقارنة بنحو 14% إلى 16% فقط في مجموعة الدواء الوهمي.

نتائج واعدة وحذرة

ورغم هذه النتائج المشجعة، فإن الباحثين شددوا على أن هذا التحسن لا يعني بالضرورة حلا نهائيا لجميع المرضى. فالفائدة الأساسية لهذه الأدوية تبدو أوضح لدى الأشخاص الذين ترتبط حالتهم بالسمنة، بينما قد لا تحقق الأثر نفسه لدى من يعانون انقطاع النفس بسبب أسباب تشريحية في الفك أو الحلق أو اللسان أو مجرى الهواء.

كذلك، لفت الباحثون إلى أن الانتكاسة تظل احتمالا قائما، خاصة إذا عاد الوزن للارتفاع بعد التوقف عن العلاج. وهذا يطرح تساؤلات مهمة بشأن فعالية هذه الأدوية على المدى الطويل، وتكلفتها، ومدى أمان استخدامها المستمر.

لذلك لا يُنظر إلى أدوية GLP-1 على أنها بديل مطلق عن العلاجات الأخرى، بل علاج تكميلي محتمل قد يفيد بعض المرضى، غالبا بالتوازي مع الوسائل العلاجية التقليدية وفي مقدمتها جهاز ضغط مجرى الهواء الإيجابي المستمر المعروف باسم CPAP.

حالة انقطاع النفس الانسدادي تظهر عبر أعراض مثل الشخير المرتفع أو غير المنتظم والشعور بالاختناق أو اللهث ليلا (غيتي)
لماذا لا يزال CPAP هو الخيار الأهم؟

رغم الجدل المتزايد حول العلاجات الدوائية الجديدة، لا يزال جهاز CPAP العلاج الأكثر شيوعا وموثوقية لمرضى انقطاع النفس الانسدادي النومي، خاصة في الحالات المتوسطة والشديدة.

ويعمل هذا الجهاز عبر توصيل ضغط هواء مستمر من خلال قناع يرتديه المريض أثناء النوم، ويكون هذا الضغط كافيا لإبقاء الممرات الهوائية العلوية مفتوحة، ما يمنع توقف التنفس أو يقلل نوباته بشكل كبير.

ولا يزال CPAP أكثر فاعلية في تقليل نوبات انقطاع التنفس، إذ يمكنه خفضها بنحو 31 مرة في الساعة، مقارنة بحوالي 22 مرة مع دواء تيرزيباتيد.

وبحسب مايو كلينك فإن علاجات الضغط الموجب في مجرى التنفس، إلى جانب بعض الأجهزة الفموية، قد تمنع توقف النفس أثناء النوم وتحد من الشخير. ورغم أن بعض المرضى يجدون القناع مزعجا أو غير مريح في البداية، فإن كثيرين يتأقلمون معه بعد مدة عبر تعديل أشرطة التثبيت واختيار المقاس المناسب للقناع.

متى تكون الجراحة مطلوبة؟

ليست كل الحالات قابلة للعلاج بالأدوية أو بالأجهزة المساعدة وحدها. فبعض المرضى قد لا يستجيبون بصورة كافية للعلاج، ما يدفع الأطباء إلى التفكير في التدخل الجراحي، لكنه يظل عادة الخيار الأخير بعد استنفاد الوسائل الأخرى وعدم فعاليتها.

إعلان

وبوجه عام، يُنصح بتجربة خيارات علاجية أخرى لمدة لا تقل عن 3 أشهر قبل التفكير في الجراحة، إلا في حالات محدودة يكون فيها الخلل التشريحي واضحا ويجعل الجراحة خيارا أول.

ومن الخيارات الجراحية المطروحة استئصال الأنسجة الزائدة في الحلق أو البلعوم أو اللوزتين أو اللحمية، أو استخدام الاستئصال بالترددات الراديوية لتقليل الأنسجة في الجزء الخلفي من الحلق، لا سيما لدى المرضى الذين لا يستطيعون تحمل جهاز CPAP أو الأجهزة الفموية.

كما يمكن اللجوء إلى تصحيح وضع الفك عبر تحريكه إلى الأمام، وهو ما يزيد المساحة خلف اللسان والحلق الرخو ويقلل فرص الانسداد.

وفي حالات أخرى، قد يُستخدم جهاز مزروع في الصدر لتحفيز العصب تحت اللسان، بما يساعد على إبقاء اللسان في موضع يسمح ببقاء مجرى الهواء مفتوحا أثناء النوم. ويستخدم هذا الخيار عادة عندما تفشل العلاجات غير الجراحية.

جهاز CPAP هو العلاج الأكثر شيوعًا لمرضى انقطاع النفس الانسدادي النومي (مولدة بالذكاء الاصطناعي)
خطر لا يقتصر على النوم

لا تكمن خطورة انقطاع النفس الانسدادي النومي فقط في اضطراب النوم والإرهاق النهاري، بل في ارتباطه كذلك بمضاعفات صحية قد تكون خطيرة إذا تُرك من دون علاج مناسب.

فبحسب دراسات وبائية منشورة في المكتبة الوطنية الأمريكية للطب، يزيد انقطاع النفس النومي من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، ويرتبط بزيادة احتمالات الإصابة بمرض الشريان التاجي، وفشل القلب الاحتقاني، والسكتة الدماغية.

وتشير هذه الدراسات كذلك إلى وجود صلات بين المرض واضطرابات عوامل التخثر، وتلف بطانة الأوعية الدموية، وتنشيط الصفائح الدموية، وزيادة الوسائط الالتهابية، وهي كلها مسارات بيولوجية قد تسهم في نشأة أمراض القلب والأوعية.

وفي المقابل، تبين الدراسات أن علاج انقطاع النفس النومي باستخدام CPAP قد يحقق فوائد مهمة، من بينها خفض ضغط الدم الانقباضي، وتحسين وظيفة البطين الأيسر في القلب، وتقليل تنشيط الصفائح الدموية.

إذن، فالمرض ليس حالة واحدة، وبالتالي لا يمكن التعامل معه بعلاج واحد يناسب الجميع، فالمريض الذي ترتبط حالته بالسمنة قد يستفيد من أدوية خفض الوزن، بينما يحتاج مريض آخر يعاني مشكلة تشريحية في مجرى الهواء إلى جهاز CPAP أو تدخل جراحي. ولهذا، تبدو الدقة في التشخيص وتحديد سبب الحالة ودرجة شدتها أساسا لاختيار العلاج الأنسب.



إقرأ المزيد