الجزيرة.نت - 9/16/2026 9:59:01 PM - GMT (+3 )
في أعقاب اشتعال المعارك على امتداد الساحل الغربي لليمن، وتصاعد الاشتباكات في تعز والحديدة متسببة في نزوح نحو 50 ألف شخص، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تصريحات لافتة في العاصمة الأيرلندية دبلن، قال فيها إن إدارته تلقت اتصالا من جماعة أنصار الله (الحوثيين) أبدوا فيه رغبتهم في تجنب الصدام مع واشنطن، موحيا بوجود تفاهمات ضمنية تضمن انسياب الملاحة في باب المندب من دون استهداف السفن الأمريكية.
غير أن هذا المشهد سرعان ما اصطدم بنفي قاطع وصريح من العاصمة صنعاء؛ إذ وصفت القيادات الحوثية ما تردد عن وجود تفاهمات بأنه "محض أوهام" تندرج ضمن المناورات السياسية للبيت الأبيض، وأكدت أن مياه البحر الأحمر مفتوحة أمام التجارة الدولية، وأن استهدافاتها محددة حصرا بالرد على الحصار.
لكن هذا التعارض الحاد لم يحجب حقيقة التحركات الدبلوماسية النشطة في مسقط، حيث كشفت مصادر متطابقة عن لقاءات غير معلنة برعاية عمانية لترسيم حدود الاشتباك وتفادي الانزلاق نحو صدام مفتوح بين الطرفين.
وهذا التدافع بين الميدان الساخن والدبلوماسية الهادئة يثير أسئلة من قبيل: هل تعكس هذه الترتيبات حقيقة وجود تفاهمات قائمة، أم أنها مجرد تقاطع مصالح عارض فرضه التصعيد الإقليمي في هرمز؟ وما الطبيعة الدقيقة لهذه التفاهمات ومدى استمرارها؟ وكيف انعكست على إشعال التصعيد في اليمن وبسط الحوثيين سيطرتهم على ميناء المخا وجزيرة ميون، ومن ثم باب المندب كاملا، واضعة الأمن القومي السعودي والملاحة الدولية أمام منعطف خطير؟
حقيقة التفاهمات بين الحوثيين وأمريكاتتقاطع تقديرات المراقبين الدوليين عند نقطة تفيد بوجود تفاهمات ميدانية غير معلنة بين واشنطن والحوثيين، استنادا إلى وقائع التفاوض التي احتضنتها مسقط؛ إذ يؤكد أستاذ الدبلوماسية والعلاقات الدولية بجامعة سيتون هول الأمريكية بورناكا إل. دي سيلفا أن الأدلة المادية تدعم وجود تفاهم عملي بين إدارة ترمب وجماعة أنصار الله.
إعلان
وفي تصريحات للجزيرة نت، يوضح دي سيلفا أن هذا الترتيب يمثل صيغة لعدم الاعتداء وتبادل المنافع، وليس اتفاقا سياسيا شاملا أو اعترافا رسميا بسلطة الجماعة. ويستند في هذا التقييم إلى ما كشفته تسريبات دبلوماسية عن لقاء عُقد في مسقط مطلع الشهر الجاري، التقى فيه دبلوماسيون أمريكيون وفدا حوثيا رفيعا، وتم خلاله تأكيد الالتزام بوقف إطلاق النار المبرم في مايو/أيار 2025.
ويتفق مع هذا الطرح الخبير في الشؤون العسكرية والإستراتيجية الدكتور علي الذهب، حيث يؤكد أن التفاهمات حقيقة وقائمة وتمثل استمرارا عمليا لاتفاق العام الماضي.
ويوضح الذهب -في تصريحاته للجزيرة نت- أن هذه الترتيبات تقوم على "ضمانات مشروطة"، تقضي بامتناع الحوثيين عن اعتراض السفن الأمريكية، مقابل التزام واشنطن بعدم المساس بالحوثيين أو بمكاسبهم الميدانية، محذرا من أن خرق هذه المعادلة سيعيد إشعال الهجمات فورا. ويرى الخبير اليمني كذلك أن التواصل ليس مستغربا؛ فالعداوة لا تلغي ممارسة "فن الممكن"، وهو ما تعزز بتأكيد السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي سريان الهدنة، وإشارة نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى وجود اتصال مباشر مع الجماعة، حسب قوله.
وفي السياق ذاته، يؤكد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة برمنغهام سكوت لوكاس وجود اتفاق لوقف إطلاق النار بين إدارة ترمب والحوثيين يعود إلى مايو/أيار 2025؛ مبينا أن جوهر ذلك الاتفاق قام على أن توقف الولايات المتحدة ضرباتها الجوية التي كانت تشنها مطلع ذلك العام، في مقابل امتناع الحوثيين عن مهاجمة حركة الشحن في البحر الأحمر، وهو اتفاق عملي يرجح لوكاس استمرار العمل به حتى الآن.
وفي مقابل كل ما سبق، ينفي الموقف الرسمي لجماعة الحوثي وجود أي تفاهمات؛ ويصف وكيل محافظة صنعاء في حكومة الحوثيين غير المعترف بها دوليا وعضو الأمانة العامة للتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري حميد عاصم تصريحات ترمب بأنها "محض أكاذيب وأحلام يقظة".
ويحتج عاصم -في تصريحات خاصة للجزيرة نت- بأن الإدارة الأمريكية التي تدرج صنعاء على قوائم الإرهاب وتفرض عقوبات على قياداتها لا يمكن منطقيا أن تدير معها تفاهمات، مشددا على أن الجماعة لا تخفي مواقفها، ولو وُجدت تفاهمات لأُعلنت صراحة أمام الرأي العام.
ويجرد وكيل محافظة صنعاء في حكومة الحوثيين الامتناع الأمريكي عن شن ضربات ضد الجماعة من أي بعد تفاوضي، مرجعا ذلك إلى ترسيخ "معادلة الردع"؛ مستشهدا باستهداف 4 بوارج حربية أمريكية وإسقاط قرابة 20 طائرة من طراز "إم كيو-9″، وهذا ما فرض على واشنطن التراجع خشية الصواريخ الحوثية القادرة على ضرب القواعد الأمريكية بالمنطقة.
غير أن الدكتور دي سيلفا يفكك هذا النفي، معتبرا إياه جزءا من تكتيك "الغموض الإستراتيجي"؛ فالجماعة تستمد شرعيتها من مناهضة واشنطن ونصرة غزة وإسناد طهران، ومن شأن الإقرار بمهادنة القوات الأمريكية أن يقوض سرديتها الأيديولوجية ويضعف موقفها التفاوضي أمام الرياض.
وهذه الترتيبات المعلنة من طرف والمنفية من الطرف الآخر تتطلب تدقيقا أعمق في أوجه التلاقي التي يمكن أن تتقاطع عندها المصالح المتبادلة؛ فالأمر لا يتعلق بمعاهدة سلام مكتوبة، بل بهندسة صيغة يمكن تسميتها "التعايش البحري"، مما يمنح كل طرف مكاسب تكتيكية تحميه من استنزاف غير مدروس.
إعلان
وتتكثف طبيعة هذه التفاهمات في مصفوفة من الالتزامات والمصالح غير المعلنة التي يجمع عليها المحللون في تصريحاتهم للجزيرة نت:
- التزام الحوثيين بالامتناع التام عن استهداف السفن الحربية والتجارية الأمريكية.
- تجميد الضربات الجوية، وتعهد واشنطن بوقف حملات القصف وتجنب التدخل العسكري المباشر في الحرب اليمنية.
- تأمين الشحن الدولي من خلال التزام الجماعة بالسماح بمرور حركة التجارة والملاحة الدولية المعتادة دون اعتراض.
- استثناء الملاحة السعودية من خلال إبقاء حركة الشحن والناقلات النفطية السعودية هدفا مشروعا للعمليات الحوثية لفرض الضغط الاقتصادي.
- اعتماد وساطة مسقط كآلية محورية لتبادل الرسائل والتحقق عند وقوع أي احتكاك بحري.
ويشير الدكتور دي سيلفا إلى أن واشنطن حققت عبر هذه الصيغة حماية لأفرادها وسفنها دون التورط في حملة عسكرية مكلفة، بينما كسب الحوثيون فك الارتباط بين واشنطن والرياض وتوطيد مكاسبهم الميدانية.
ويضيف الدكتور علي الذهب أن التفاهمات من منظور واشنطن تعد "تحييدا مؤجلا"؛ إذ توظف إدارة ترمب هذه التهدئة كأداة ضغط تكتيكية لوقف التصعيد ودفع الأطراف نحو مسارات تخدم أولوياتها بالمنطقة.
ويرد القيادي الحوثي حميد عاصم على ذلك بدحض وجود أي بنود أو التزامات مفروضة، مؤكدا أن "سلامة البحر الأحمر نابعة من قرار يمني سيادي، باستثناء السفن المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي أو التابعة للمملكة العربية السعودية استجابة لمتطلبات كسر الحصار". ويشدد عاصم على أن صنعاء لا تخضع لشروط أمريكية، وأن "خطوط الساحل تحكمها تضحيات الميدان لا التفاهمات المزعومة".
التصعيد في باب المندب وحسابات واشنطنلقد كشفت المعارك الأخيرة عن أن تجميد الصدام مع واشنطن مكّن الجماعة من شن هجوم واسع اجتاحت خلاله ميناء المخا الإستراتيجي وبلدة ذو باب، وبسطت سيطرتها التامة على جزيرة ميون المتحكمة في ممرات باب المندب.
وهو ما يعلق عليه سكوت لوكاس بالإشارة إلى تساؤل داخلي ظل يراود المراقبين منذ أشهر حول المدى الذي يمكن أن يبلغه الحوثيون في حملتهم العسكرية ضد القوات الحكومية، لا سيما في ظل ما أصاب تلك القوات من إضعاف عقب التطورات في التحالف العربي.
ولذلك يرى المحلل والباحث السياسي السعودي المتخصص في قضايا الأمن القومي والجيوبوليتيك سليمان العقيلي أن تصريحات ترمب عكست هرم أولويات بالغ الخطورة؛ إذ تمنح واشنطن الأولوية للمواجهة مع إيران وتأمين مضيق هرمز لكونه شريان الطاقة الحيوي للغرب، بينما ينحدر باب المندب إلى قاع اهتماماتها كونه يخدم في الأساس تدفق النفط نحو الصين والأسواق الآسيوية المنافسة للاقتصاد الأمريكي.
ويوضح العقيلي -في مقال منشور بموقع الجزيرة نت بعنوان "اتصلوا بي".. هل تخلى ترمب عن باب المندب للحوثيين؟"– أن هذا التراجع يرتبط بالحسابات السياسية لترمب؛ فالحرب الإيرانية أدت إلى تآكل شعبيته، وجعلت أي تورط جديد عبئا يهدد الجمهوريين في انتخابات الكونغرس النصفية، إلى جانب استنزاف مخزون القوات الأمريكية من الصواريخ الاعتراضية.
أما الخبير في الشؤون الإستراتيجية والعسكرية فيوافق الرأي السابق، مبينا أن ترمب فضّل تجميد النزاع باليمن مؤقتا إلى أن تنجلي نتائج انتخابات التجديد النصفي بأمريكا في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، أو أن يتحقق خرق في أزمة هرمز، مكتفيا بتقديم دعم استخباري ولوجستي غير معلن للشركاء الإقليميين.
وهذا الطرح يتقاطع مباشرة مع رؤية سكوت لوكاس، الذي يرى فيه تفسيرا لعدم استجابة إدارة ترمب لنداءات السعودية بشن ضربات مباشرة ضد الحوثيين؛ لافتا إلى أن فريق ترمب يسير على مسارين متوازيين:
فمن جهة، لا يريد التخلي تماما عن دعم السعودية لما يترتب على ذلك من تداعيات ضخمة، ومن جهة أخرى، يمضي قدما في محادثاته مع الحوثيين، بالتوازي مع استمرار اجتماعات التنسيق وتبادل المعلومات الاستخبارية الفعالة بين واشنطن وإسرائيل والسعودية.
إعلان
وفي المقابل، لا يوافق القيادي الحوثي حميد عاصم على وجود مكاسب ممنوحة من واشنطن لجماعة أنصار الله، مؤكدا أن التمدد الذي حققه الحوثيون في الميدان يعد "استحقاقا وطنيا لتحرير الأرض وكسر طوق الحصار".
ويجزم عاصم بأن أمريكا لم تمتنع عن التدخل العسكري رغبة في التهدئة، بل لعلمها بأن أي مغامرة ستواجه بإغلاق كامل لمضيق باب المندب وضربات تستهدف عمق القواعد الأمريكية بالمنطقة.
إلى متى تصمد التفاهمات؟تظل التفاهمات الميدانية غير المكتوبة أو الملزمة هشة وتفتقر إلى الضمانات الدولية أو المؤسسية، مما يجعلها مهددة بالسقوط أمام أول احتكاك لا يحقق المصلحة التي على أساسها قامت هذه التفاهمات.
ويقسم الدكتور دي سيلفا قدرة التفاهمات بين الحوثيين والإدارة الأمريكية على الاستمرار إلى 3 آفاق زمنية:
- المدى التكتيكي العاجل (3 إلى 6 أشهر): وهو الأكثر هشاشة وقابلية للانهيار السريع نتيجة التداخل الميداني المعقد في البحر الأحمر.
- المدى العملياتي المرحلي (6 إلى 12 شهرا): وهو مشروط بالحفاظ على انضباط الأهداف واستمرار فاعلية قناة الاتصال العمانية.
- المدى السياسي الإستراتيجي: ويظل مستبعدا في المدى المنظور ما لم تتوج الترتيبات بتسوية سياسية شاملة للحرب اليمنية وإنهاء الصراع الإقليمي، بما في ذلك معضلة أشد أهمية متمثلة في مضيق هرمز.
ويرى دي سيلفا أيضا أن ثمة خطوطا حمراء كفيلة بتفجير التهدئة؛ كوقوع خطأ صاروخي يصيب سفينة أمريكية، أو تنفيذ إسرائيل ضربات لاغتيال قيادات حوثية، أو إغلاق الحوثيين للمضيق كليا دعما لإيران مع أي تصعيد، أو تحول الدعم الأمريكي للرياض إلى مشاركة مباشرة في عمليات استعادة الساحل.
ويتفق الدكتور علي الذهب مع هذا التحذير, مؤكدا أن تزامن أزمتي هرمز وباب المندب سيفرض على واشنطن تدخلا عسكريا مباشرا لإعادة ضبط المضائق.
وهنا يربط سكوت لوكاس مستقبل هذا الاتفاق بمسار المواجهة الإقليمية الكبرى، مؤكدا أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران تضع صمود التفاهمات على المحك؛ بالنظر إلى أن الحوثيين مدعومون من طهران، وأن الأخيرة في ظل مواجهتها لأزمة وجودية باتت في أمسّ الحاجة لأي إسناد، مما يجدد التساؤل الملحّ: هل سيعود الحوثيون إلى استهداف حركة الشحن في البحر الأحمر وإغلاق مضيق باب المندب كليا لتخفيف الضغط عن إيران؟
في حين يختتم حميد عاصم بأن أي تصعيد أمريكي سيشعل مواجهة شاملة تستهدف القواعد والمصالح الأمريكية في سائر أنحاء المنطقة.
والخلاصة التي يذهب إليها المحللون أن التفاهمات الأمريكية الحوثية ليست سلاما دائما، بل صيغة "تعايش بحري مؤقت" أملتها رغبة ترمب في تحييد البحر الأحمر لخفض أسعار الطاقة وتأمين حزبه في الانتخابات النصفية، وقابلها الحوثيون ببراغماتية لتثبيت مكاسب الساحل الغربي في اليمن وتشديد الخناق على باب المندب والمزيد من التحكم فيه بعد تآكل مظلة "الأمن مقابل النفط".
إقرأ المزيد


