الجزيرة.نت - 9/15/2026 6:40:10 PM - GMT (+3 )
نشرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مؤخرا صورة معدلة مستوحاة من شخصيات مسلسل "حافلة المدرسة العجيبة" (The Magic School Bus) للترويج لعمليات إدارة الهجرة والجمارك "آي سي إي" (ICE) في واشنطن العاصمة. وسرعان ما أثارت الصورة جدلا واسعا، بعدما وظّفت واحدا من أشهر الأعمال المرتبطة بطفولة أجيال من الأمريكيين في سياق سياسي شديد الحساسية.
وليست المرة الأولى التي تدخل فيها شخصيات الطفولة إلى الخطاب السياسي الأمريكي، لكنها تكشف عن ظاهرة تجدر ملاحظتها، حول ما يحدث عندما تنتقل شخصيات ارتبطت في الذاكرة بالتعلم واللعب والخيال إلى قلب معارك سياسية وثقافية معاصرة.
من "الأتوبيس السحري" إلى "أتوبيس الترحيل"
بدأت الأزمة عندما نشرت الحسابات الرسمية للبيت الأبيض على مواقع التواصل الخاصة بها صورة معدلة مستخدمة شخصيات كارتون "الأتوبيس السحري" لكن بعنوان جديد هو "أتوبيس الترحيل السحري" (The Magic Deportation Bus). وظهرت في الصورة المعلمة السيدة فريزل والسحلية ليز في مقدمة الحافلة الصفراء الشهيرة، بينما جلس في الجزء الخلفي 5 أشخاص مكبلين، في إشارة إلى عمليات توقيف المهاجرين التي تقوم بها إدارة الهجرة والجمارك بمنطقة واشنطن العاصمة.
وجاء المنشور مصحوبًا بعبارة تستعيد الجملة الافتتاحية الشهيرة للمسلسل "من فضلك، فلتكن هذه رحلة مدرسية عادية" قبل أن يحيل المنشور إلى تقرير لشبكة "فوكس نيوز" عن حملة أمنية استهدفت مهاجرين غير نظاميين.
"الصورة جزءًا من خطاب إعلامي أوسع" تتبناه إدارة الرئيس للترويج لسياساتها المتعلقة بالهجرة والترحيل، عبر استخدام الميمات وشخصيات الثقافة الشعبية بدلًا من الاكتفاء بالبيانات الرسمية والخطاب السياسي التقليدي.
وقد أثارت الصورة انتقادات بسبب المفارقة بين الطابع الطفولي والتعليمي للشخصيات المستخدمة، والمشهد الذي يحول الحافلة إلى وسيلة لنقل أشخاص مكبلين خارج البلاد. كما رأى منتقدون أن تقديم الأشخاص الخمسة بملامح متشابهة وصورة جماعية مجردة من أي ملامح فردية يختزلهم في صورة نمطية عن "المهاجر".
حافلة أخذت الأطفال لاكتشاف العالمبدأت رحلة "الأتوبيس السحري" من سلسلة كتب تعليمية أصدرتها الكاتبة جوانا كول والرسام بروس ديغن عام 1986، واعتمدت على فكرة بسيطة ومبتكرة، وهي تحويل الحافلة المدرسية إلى وسيلة للسفر خارج حدود الفصل الدراسي، بحيث يخوض الأطفال مغامرات داخل جسم الإنسان، وفي أعماق المحيط، وبين الكواكب، ويتعلمون العلوم من خلال التجربة بدلًا من التلقين المباشر. وقد تجاوزت مبيعات السلسلة عشرات الملايين من النسخ حول العالم، قبل انتقالها إلى التلفزيون في تسعينيات القرن الماضي.
إعلان
وفي المسلسل الأصلي، الذي عُرض للمرة الأولى عام 1994، قادت فريزل تلاميذها في رحلات مستحيلة لفتح مجالات جديدة أمامهم، وتحولت الحافلة إلى مساحة للفضول والانفتاح على العالم. ولهذا ظل المسلسل حاضرًا في ذاكرة أجيال متعاقبة، وعاد في نسخة جديدة بعنوان "الأتوبيس السحري ينطلق مجددًا" (The Magic School Bus Rides Again) على شبكة نتفليكس عام 2017.
من هنا تكتسب الصورة السياسية الجديدة دلالتها الصادمة، فالحافلة التي حملت الأطفال إلى الفضاء وداخل جسم الإنسان، وأتاحت لهم أن يروا العالم مجالا مفتوحا للتعلم، ظهرت هذه المرة في سياق يرتبط بالاعتقال والترحيل. وتغيرت الوظيفة الرمزية التي تؤديها: من أداة لاكتشاف المجهول إلى وسيلة لإخراج أشخاص من البلاد.
لماذا تستخدم السياسة شخصيات الكارتون؟بالنسبة إلى كثيرين، ترتبط فريزل والحافلة الصفراء بالطفولة والتعلم، وبصورة أكثر لطفًا عن المعرفة والعالم. لذلك فإن استدعاء هذه الشخصيات في خطاب سياسي ذي موقف أيديولوجي واضح يستخدم هذه الذاكرة المشتركة في التأكيد على هذه الأيديولوجيا السياسية.
وتمنح الألفة الناتجة عن استخدام الكرتون الرسالة السياسية مظهرا أخف، وتجعلها أكثر قابلية للتداول على وسائل التواصل. فبدلًا من نشر بيان عن سياسات الهجرة أو مقطع دعائي مباشر لعمليات الترحيل، يجري تحويل الفكرة إلى صورة لها صدى في الذاكرة الجمعية، مما يسمح لها بالانتشار خارج جمهور المؤيدين التقليدي. وبالتالي تصبح الثقافة الشعبية وسيلة لتحويل الخطاب السياسي إلى محتوى سريع الاستهلاك والمشاركة.
لكن فاعلية المنشور لا تعتمد على الألفة وحدها، بل أيضًا على الصدمة الناتجة عن التناقض. فالحافلة المرتبطة بالمدرسة والخيال تظهر فجأة في مشهد عن الاعتقال والترحيل، بينما تُستبدل مغامرات الأطفال بصورة أشخاص مكبلين. وهذا التصادم بين الذاكرة البصرية والسياق السياسي هو ما يمنح الميم قوته، ويجعله قابلًا للغضب والسخرية وإعادة النشر في الوقت نفسه.
من "فرانكلين" إلى "الأتوبيس السحري"واقعة "الأتوبيس السحري" ليست معزولة عن نمط أوسع في الخطاب الإعلامي السياسي الحالي. ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، نشر وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث صورة معدلة لشخصية السلحفاة "فرانكلين" (Franklin the Turtle) ظهرت فيها مرتدية زيًا عسكريًا وتحمل سلاحًا، بينما تطلق النار على قارب وُصف بأنه مرتبط بتهريب المخدرات. وأثارت الصورة انتقادات واسعة، فيما نأى ناشرو الشخصية بأنفسهم عن استخدامها، مؤكدين أن فرانكلين ارتبط تاريخيًا بقيم الصداقة والتعلم والتعاطف، لا بالعنف العسكري.
ويختلف فرانكلين عن فريزل في الشكل والعالم الذي ينتمي إليه كل منهما، لكن ما يجمع الشخصيتين أكثر أهمية: كلاهما نشأ داخل أعمال موجهة إلى الأطفال، تقوم على بناء علاقات آمنة، وتشجيع الفضول، والتعامل مع العالم كمساحة للتعلم والتجربة. ومع ذلك، أُعيد توظيفهما داخل خطاب سياسي يقوم على القوة والردع والعقاب، فتحولت السلحفاة المسالمة إلى مقاتل، والحافلة المدرسية إلى وسيلة للترحيل.
وتستخدم الإدارة الأمريكية الحالية الشخصيات الكرتونية كرموز ثقافية جاهزة، يكفي ظهورها حتى يتعرف الجمهور إليها، وتستدعي معها ذاكرة كاملة من الطفولة، مما يجعلها أدوات فعالة في تمرير الرسائل السياسية.
إعلان
إقرأ المزيد


