الجزيرة.نت - 9/15/2026 1:18:56 AM - GMT (+3 )
روتنبرغ – بمجرد أن تطأ قدماك محطة القطار الصغيرة جدا في روتنبرغ جنوبي ألمانيا، تدرك أنك في مدينة صغيرة وهادئة، وهذه من خصائص الوجهات التي يبحث عنها الزائر الذي يسعى للابتعاد عن ضجيج المدن السياحية الكبرى، والمقاصد المكتظة بالزوار.
بعد مسير ربع ساعة من المحطة تصل إلى برج رودر التاريخي، وهي المدخل الشرقي الرئيس للمدينة القديمة في روتنبرغ، وتدرك مباشرة أنك أمام مدينة احتفظت بكل مقومات معمار القرون الوسطى في ألمانيا.
فالمدينة القديمة محاطة بسور يمتد على مسافة 4 كيلومترات وتتخلله عدة أبراج، أما شوارعها فمرصوفة بالحصى، وبيوتها خشبية قرمزية اللون ومزينة برسومات الزهور، تبدو كأنها خرجت للتو من كتاب قصص خيالية.
والمميز في أسوار المدينة القديمة أنها تتيح للزوار إمكانية المشي في مسارات متعددة بجوار السور فوق ممر مغطى بسقف خشبي، مما يوفر إطلالات ساحرة على أسطح منازل ومباني المنطقة التاريخية المصنفة.
أصل تسمية روتنبرغ ينبئك بما تزخر به المدينة من إرث معماري وطبيعي، فالاسم مكون من كلمة "روتن " (Roten) وتعني باللغة الألمانية "الأحمر "، و "برغ " (Burg) وتعني القصر، وذلك نسبة إلى "القصر الأحمر " المشيّد فوق التلة المطلة على نهر "تاوبر "؛ واسم المدينة الرسمي هو "روتنبرغ أوب دير تاوبر "، ويعني روتنبرغ المطلة على نهر تاوبر.
طريق الرومانسيةأُدرجت روتنبرغ بوصفها إحدى أهم المحطات وأبرز جوهرة في طريق الرومانسية الألماني الذي يضم عدة مدن في جنوب البلاد، وهو أشهر وأقدم مسار سياحي وثقافي في ألمانيا، وقد أنشئ هذا المسار في عام 1950 عقب الحرب العالمية الثانية، وذلك بهدف إعادة بناء قطاع السياحة وجذب الزوار، ورسم صورة جديدة لألمانيا تجمع بين الطبيعة الساحرة والتاريخ العريق.
ومن أبرز أسباب إدراج روتنبرغ ضمن طريق الرومانسية حفاظ المدينة بشكل جيد على طابعها الخاص بمدن القرون الوسطى، فقد نجت المدينة من التدمير خلال عدة حروب، غير أن جزءا من البلدة القديمة دُمر إبان الحرب العالمية الثانية دُمر جزء من البلدة القديمة قبل أن يُعاد ترميمه.
إعلان
كما أن روتنبرغ، التي تنتمي لولاية بافاريا، تقع في قلب طريق الرومانسية الممتد من مدينة فورتسبورغ شمالا إلى فوسن جنوبا، .
كما يضم جنوبي المدينة منطقة بلونلاين، وهي أشهر لقطة تصويرية في ألمانيا، وكانت تمثل الصورة الكلاسيكية المطبوعة على البطاقات البريدية للحملات الترويجية للسياحة في ألمانيا.
وبلونلاين، التي تستقطب أعدادا كبيرة من السياح الراغبين في تخليد زيارتهم لها بالصور، عبارة عن مفترق طرق صغير يضم بيتا خشبيا تقليديا أصفر اللون وغريب الشكل، وخلف المنزل الصغير يبدو برجان متميزان.
تستقطب قصة "جرعة المعلم " السياح في ساحة السوق المركزية بقلب روتنبرغ، حيث تُجسَّد مجرياتها كل نصف ساعة عبر دميتين ميكانيكيتين تطلان من نافذتي بناية بيضاء؛ إحداهما للجنرال الكاثوليكي "تيلي "، والأخرى للعمدة "نوش " وهو يجرع النبيذ.
تدمج القصة بين الواقع والأسطورة؛ وتعود إلى أحداث عام 1631 خلال حرب الثلاثين عاما، عندما حاصرت القوات الكاثوليكية المدينة البروتستانتية واقتحمتها. وغضبا من خسائره، قرر الجنرال تيلي إحراق روتنبرغ وإعدام أعضاء مجلسها.
وفي محاولة لتهدئته، قدم له الأعيان كأسا ضخما يتسع لأكثر من 3 لترات من النبيذ. شرب تيلي منه، ثم طرح تحديا ساخرا: إذا استطاع أحدكم إفراغ هذا الكأس دفعة واحدة، سأعفو عن المدينة!
تقدم العمدة السابق جيورج نوش وشرب الكأس كاملا دون توقف. أُذهل الجنرال ووفى بوعده، فألغى الإعدام والحرق ونَجت المدينة التاريخية من الدمار.
واليوم، تُمثل هذه القصة إحدى ركائز هويتها السياحية في ساحة السوق، التي تضم أيضا مبنى البلدية وأعلى أبراجه، وتتحلق حولها المقاهي والمحلات التجارية.
جولة حارس الليلمن أكثر التجارب متعة التي يمكن أن يخوضها زائر هذه المدينة الألمانية الهادئة جولة حارس الليل، وهي أمسية تنظم يوميا في وقت العصر يقودها حراس اختارتهم بلدية المدينة وهم يرتدون ملابس تعود للقرون الوسطى ويحملون في أيديهم فوانيس ليروا قصصا عن تاريخ المدينة العتيقة وحياة أناسها، مما يضفي لمسة من الغموض والرومانسية الكلاسيكية على التجربة.
الجولة ليست مجانية إذ تبلغ رسومها 8 يورو للبالغين، وهي مجانية للأطفال دون سن الـ12 سنة و4 يوروات للطلاب)، حيث يقوم حارس الليل القديم بسرد قصص مشوقة للزوار المتحلقين حوله عن تاريخ المدينة في العصور الوسطى، وكيف كان يعيش سكانها آنذاك ودور حارس الليل الذي كان بمثابة جرس إنذار ضد مخاطر الليل من سرقات وحرائق واقتحام غرباء للمدينة.
وتنطلق جولة الحارس الليلي، التي تستمر قرابة ساعة، من أمام مبنى البلدية في ميدان المدينة المركزي (ساحة السوق) حيث يُوضَّح كيف نشأت فكرة الحارس الليلي والأدوار التي كان يقوم بها، والهيبة التي تحيط بهذه الشخصية، ثم تنتقل الجولة عبر عدة أماكن في البلدة العتيقة ولكل محطة قصة وحكاية ترتبط بأسلوب عيش سكان المدينة في القرون الوسطى، ومنها علاقة السكان بالحارس الليلي.
إعلان
وهي جولة لا تتطلب تسجيلا مسبقا للمشاركة فيها، وإنما فقط الوجود في مكان التجمع المحدد لجولة الحارس الليلي ويكون دفع رسوم المشاركة في آخر الجولة نقدا فقط.
فكرة هؤلاء الحكائين الليليين طريقة جميلة وذكية لتعريف الزوار بتاريخ المدينة بحلوه ومره بأسلوب حكائي يمزج بين الحقائق التاريخية والأسلوب الفكاهي الذي يشرك الجمهور عبر أسئلة تختبر معلوماتهم عن تاريخ المدينة وأسلوب عيش سكانها قديما.
الكنيسة الضخمةتُعد كنيسة سانت جيمس أهم معلم ديني ومعماري في روتنبرغ، وقد بدأ تشييدها في عام 1311، واستغرق بناؤها أكثر من قرن ونصف القرن، ليكتمل بناء الكنيسة في 1485.
ومن الناحية المعمارية، تتسم الكنيسة بتصميمها القوطي المميز، إذ تجد فيها أعمدة حجرية مرتفعة وأقواس مدببة وأسقف معقدة التفاصيل ومزينة بالنقوش.
ولكنيسة سانت جيمس برجان مهيبان غير متشابهين، لا في الطول ولا في التصميم. والمميز أيضا في هذا المعلم الضخم الذي يُرى من مختلف أرجاء البلدة العتيقة أن الكنيسة هي الوحيدة في ألمانيا التي يمكنك العبور من وسطها عبر وسائل النقل العامة والخاصة، فقد حفر نفق بعد بناء الكنيسة بفترة من أجل تسهيل حركة المرور.
وتستقطب الكنيسة آلاف السياح سنويا بالنظر إلى ما تضمه من محتويات متميزة وأبرزها:
- مذبح الدم المقدس: التحفة الفنية الأشهر في الكنيسة والمدينة ككل. نُحِتت من خشب القيقب بين عامي 1500 و1505 على يد النحات الألماني الشهير تيلمان ريمينشنايدر. ويجسد المذبح مشهد العشاء الأخير للمسيح، ويحتفظ في قلب التحفة الخشبية ببلورة زجاجية صغيرة يُقال إنها تحتوي على قطرة من دم المسيح.
- مذبح الـ12 رسولا: المذبح الرئيس للكنيسة المصنوع عام 1466، ويتميز بلوحات زيتية بديعة ومنحوتات خشبية مُذهّبة.
- الأورغن: تحتوي الكنيسة على أورغن ضخم يعد من أكبر آلات الأورغن في ولاية بافاريا، وتُقام في المكان حفلات موسيقية كلاسيكية تجذب عشاق الموسيقى.
وأنت تتجول في أحد الشوارع التاريخية الممتدة إلى منطقة بلونلاين توجه إلى مخبزة شتريفلر لتذوق حلوى كرة الثلج؛ فالمخبزة هي أقدم وأشهر مخبزة عائلية تاريخية مستمرة في قلب البلدة القديمة، إذ تأسست وتعمل في الموقع نفسه منذ عام 1885.
وتعرف المخبزة بكونها من أفضل وأقدم المخابز التي تُنتج حلوى كرات الثلج "شنيه بالين" (Schneeballen) التقليدية الشهيرة في روتنبرغ، التي تُعد بطريقة يدوية قديمة. ومنتجات المخبزة كلها تُعد بمواد محلية ما عدا مادة الشوكولاتة.
ويبقى أشهر منتج في المخبزة وفي المدينة ككل هو حلوى كرة الثلج (Snowball)، وهي مشهورة أيضا في ضواحي روتنبرغ، وتُقدم في المناسبات الاجتماعية والدينية، وقد بدأ تصنيع هذه الحلوى منذ 1920، وتنقسم لنوعين: نوع كلاسيكي ونوع حديث يصنع بنكهات صيفية (الفواكه) وبنكهات شتوية (الزبادي).
وميزة هذه الحلوى أنها تبقى لأسابيع وغير سريعة التلف، وهي من أكثر الأشياء التي تصلح هدايا من روتنبرغ.
مشي عبر الواديلا يحسن بالمرء أن يفوت خلال زيارته للمدينة القيام بجولة مشي عبر وادي نهر تاوبر إذا كان يريد التعرف على الطبيعة الخلابة للمدينة، ففي أسفل المدينة توجد مسارات عديدة وطويلة ومتعرجة للمشي وركوب الدراجات الهوائية، ويتوسط هذه المسارات نهر تاوبر الذي ارتبط به تاريخ واقتصاد المدينة لفترة غير يسيرة.
ومسارات المشي مكان مثالي لمحبي الرياضة واكتشاف الطبيعة في أجواء هادئة، وفي أحد مسارات المشي في الوادي تجد مكانا مخصصا للتخييم سواء لعربات الكرافانات أو السيارات العادية، وهو مكان مدفوع الرسوم لمن يرغب في المبيت بعربة الكرافانات حسب مدة الإقامة.
إعلان
وأنت تتمتع بالتعرف على مسارات المشي في وادي تاوبر تصادف الكثير من الناس من فئات عمرية متعددة (شباب، وأزواج، وكبار السن، وأطفال) وهم يتجولون بالدراجات الهوائية داخل المساحة الخضراء الفسيحة والمتشعبة في الوادي.
وقد وضعت في مسارات المشي المتعددة والمتقاطعة فيما بينها علامات وإشارات وخرائط تساعد المتنزهين على اختيار مسارهم المفضل حسب طوله، وما يوجد فيه من أماكن تستحق الزيارة.
وفي مسار المشي الذي اخترته، مررت بمصنع قديم للدقيق كان يعتمد على قوة النهر لتوليد الطاقة وطحن القمح، وهذه المصانع الهيدروليكية ارتبطت بتاريخ مدينة روتنبرغ، وكانت مطاحن الدقيق تمتد بأعداد كثيرة على مسار النهر، وكانت مصدرا أساسيا في ثراء المدينة ومكانتها الاقتصادية في منطقتها.
المتحف الوطنيمن المقاصد الأساسية في البلدة القديمة لروتنبرغ متحفها الوطني، الذي يضم أجنحة متنوعة بتنوع المقتنيات التي تحتويها، وأيضا باختلاف المراحل الزمنية التي يعبر عنها، ويضم المتحف أيضا مقتنيات وأعمالا يدوية وأوانٍ وملابس من أزمنة مختلفة لما قبل الميلاد أو في العصور الوسطى.
ومن تلك الأجنحة جناح كبير للأسلحة التاريخية المختلفة وتطورها من حقبة لأخرى. وفي المتحف أيضا قسم خاص بالفترة النازية التي مرت على المدينة وعلى ألمانيا ككل.
وبجوار هذا الجناح قسم يشد إليه الزوار ويقضون فيه وقتا أطول لقراءة الشروحات ومشاهدة مقاطع الفيديو المعروضة؛ إذ يشرح كيف دمرت المدينة إبان الحرب العالمية الثانية، وكيف أعيد بناؤها بعد انتهاء الحرب على مدى عشرات السنين، وفي إحدى القاعات وضعت بقايا منازل دمرت جراء قصف قوات التحالف.
إقرأ المزيد


