فخ هرمز.. لماذا يجب على الخليج والعراق إعادة رسم خريطة أمنهم الاقتصادي؟
الجزيرة.نت -

في العصر الذهبي للعولمة، كانت بوصلة التجارة الدولية تتجه نحو مبدأ واحد وهو "تعظيم الربحية " وخفض التكاليف اللوجيستية إلى الحد الأدنى.

لقد بنيت سلاسل التوريد العالمية على فلسفة "التسليم في الوقت المحدد " (Just-in-Time)، حيث الأولوية القصوى لتقليص نفقات التخزين والشحن.

ولكن، وسط العواصف الجيوسياسية العاتية التي تضرب منطقة الشرق الأوسط اليوم، تحولت تلك البوصلة بعنف نحو عقيدة جديدة قوامها "الأمن الاقتصادي " ومرونة سلاسل التوريد، أو ما يعرف بإستراتيجية "التحوط للطوارئ ".

إن الصراعات المتلاحقة، وعسكرة الممرات البحرية، والاضطرابات التي تعصف بالبحر الأحمر، أعادت إحياء شبح "إغلاق المضايق "، وحولت الممرات المائية الضيقة من مجرد شرايين تجارية حيوية إلى أسلحة جيوسياسية فتاكة في صراع النفوذ العالمي.

هذه التفاصيل تفرض على دول الخليج حاجة ماسة لبلورة إستراتيجية مشتركة تتجاوز المشاريع الفردية، نحو بناء شبكة خليجية موحدة من الممرات اللوجيستية البرية، وربط خطوط الأنابيب بشرايين تمتد نحو بحر العرب أو البحر الأحمر، وتأسيس منظومة أمن غذائي إقليمية تقوم على تحويل مفهوم "الأمن الاقتصادي " من مجرد تنويع لمصادر الدخل إلى تحصين مادي وعملياتي لشرايين الحياة ضد الابتزاز الجيوسياسي

في قلب هذا التحول الهيكلي، يقف مضيق هرمز كأهم نقطة اختناق للطاقة والتجارة في العالم قاطبة.

ومع اقتراب ارتدادات الصراع المفتوح من المياه الإستراتيجية، يفرض تساؤل مركزي نفسه بقوة على طاولات صناع القرار في المنطقة: هل أصبح تأمين سلاسل التوريد أهم من تكلفتها المالية؟

إن الإجابة عن هذا التساؤل لم تعد مجرد ترف أكاديمي، بل هي المحرك الأساسي الذي يعيد اليوم تشكيل الخريطة الجيواقتصادية للشرق الأوسط، ويدفع دول الخليج العربي والعراق نحو حتمية إعادة التفكير في قدرهم الجغرافي، والانتقال من الارتباط بممر مائي واحد إلى هندسة شرايين اقتصادية محصنة تتجاوز تحديات الجغرافيا.

من تعظيم الأرباح إلى إدارة المخاطر

اعتماد دول الخليج العربي والعراق على مضيق هرمز لم يعد مجرد نقطة جدلية لوجيستية يمكن التغاضي عنها، بل تحول إلى معضلة مركبة تهم صميم الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

إعلان

فمن خلال هذا الممر المائي، الذي لا يتجاوز عرضه 21 ميلا بحريا في أضيق نقاطه، كان يعبر يوميا نحو 20 مليون برميل من النفط، وهو ما يمثل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للمواد البترولية، وأكثر من 27% من تجارة النفط المنقولة بحرا.

وتبرز لغة الأرقام مدى ارتباط اقتصادات المنطقة بهذا الشريان الأساسي، حيث تتركز النسبة الكبرى من صادرات النفط الخليجي في هذا المضيق الإستراتيجي.

وتتجلى الخطورة القصوى في كون بعض دول المنطقة تعتمد بنسبة كبيرة على هذا المضيق لمرور وارداتها، و81% من واردات الأرز للخليج بأسره تمر عبر هرمز قادمة من الأسواق الآسيوية.

وعندما ترتفع حدة التوترات الجيوسياسية، تظهر التكلفة الفورية في أسواق التأمين البحري قبل أن تطلق رصاصة واحدة.

تاريخيا، وفي أوقات السلم، كانت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب (War Risk Premium) للسفن العابرة للخليج تتأرجح حول 0.125% إلى 0.25% من قيمة هيكل السفينة، لكن التقارير تشير إلى أن هذه النسبة قفزت خلال فترات التصعيد وتصنيف المنطقة كعالية المخاطر من قبل لجنة الحرب المشتركة "جيه دبليو سي " (JWC) في لندن، لتتراوح بين 1% و10%.

بالنسبة لناقلة نفط عملاقة أو سفينة شحن تجارية تبلغ قيمتها 150 مليون دولار، يعني هذا أن تكلفة التأمين للرحلة الواحدة تقفز بشكل جنوني من 375 ألف دولار إلى أرقام تتراوح بين 1.5 مليون و4.5 ملايين دولار.

هذه التكاليف الخفية لا تتحملها شركات الشحن وحدها، بل تتدحرج ككرة الثلج عبر سلاسل التوريد لتنعكس ارتفاعا في أسعار الوقود، وتكاليف استيراد الأغذية، وأسعار الأسمدة الزراعية، مما يخلق تضخما مستوردا يرهق الموازنات الحكومية ويضرب القوة الشرائية.

أمام هذا الواقع المربك، تنهار النظريات التقليدية لتعظيم الربحية تحت وطأة ما يمكن تسميته "تكلفة انقطاع الإمدادات ".

لقد أدركت بعض دول الخليج هذه المعضلة مبكرا وحاولت إيجاد بدائل فعلية. فالمملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، رفعت سعة خط أنابيب "بترولاين " (شرق-غرب) ليصل إلى قدرة ضخ تاريخية تبلغ 7 ملايين برميل يوميا نحو ميناء ينبع على البحر الأحمر، متجاوزة بذلك مضيق هرمز، وذلك عبر تحويل خطوط كانت مخصصة لسوائل الغاز الطبيعي (NGL) لضخ النفط الخام.

وبالمثل، تمتلك الإمارات خط أنابيب "أدكوب " (ADCOP) الذي ينقل نحو 1.5 إلى 1.8 مليون برميل يوميا إلى ميناء الفجيرة المفتوح على خليج عمان.

عندما ترتفع حدة التوترات الجيوسياسية، تظهر التكلفة الفورية في أسواق التأمين البحري قبل أن تطلق رصاصة واحدة

ومع ذلك، يظهر التحليل المجهري للبنية التحتية أن هذه الحلول، رغم أهميتها الإستراتيجية، تظل غير قادرة على استيعاب الصدمة الكلية عند الإغلاق التام.

هذه التفاصيل تفرض على دول الخليج حاجة ماسة لبلورة إستراتيجية مشتركة تتجاوز المشاريع الفردية، نحو بناء شبكة خليجية موحدة من الممرات اللوجيستية البرية، وربط خطوط الأنابيب بشرايين تمتد نحو بحر العرب أو البحر الأحمر، وتأسيس منظومة أمن غذائي إقليمية تقوم على تحويل مفهوم "الأمن الاقتصادي " من مجرد تنويع لمصادر الدخل إلى تحصين مادي وعملياتي لشرايين الحياة ضد الابتزاز الجيوسياسي.

العراق.. الجغرافيا كأداة للأمن القومي

العراق من جهته يقود محاولة لإعادة تعريف وزنه الجيوسياسي وتوظيف جغرافيته كدرع واق عبر مشروعي "ميناء الفاو الكبير " و "طريق التنمية ".

إعلان

لعقود طويلة، نظر إلى العراق في الأدبيات الاقتصادية والسياسية باعتباره مجرد بئر نفط عملاق، دولة ريعية بامتياز ترتهن كليا لتقلبات أسعار الطاقة العالمية، وساحة رخوة لتصفية الحسابات الإقليمية بالوكالة.

واليوم، تسعى بغداد من خلال مشروع يبلغ حجم استثماراته الإجمالية نحو 17 مليار دولار إلى تحويل البلاد إلى عقدة لوجيستية مركزية تربط المياه الدافئة للخليج العربي بالأسواق الأوروبية عبر تركيا، من خلال شبكة معقدة من السكك الحديدية السريعة والطرق البرية التي تمتد لمسافة 1200 كيلومتر.

عندما ينجح العراق في تشبيك المصالح الإستراتيجية والاقتصادية لقوى إقليمية وازنة، ودمجها داخل الجغرافيا العراقية عبر اتفاقيات استثمارية كبرى، فإنه يبني فعليا "مظلة أمنية " تحميه من التدخلات.

بمعنى آخر، يتحول العراق من ساحة مستباحة للصراعات إلى شريان حيوي إقليمي، يصبح الحفاظ على استقراره ضرورة حتمية ومصلحة عليا لجيرانه.

وتكتسب هذه الرؤية زخما مضاعفا في ظل حمى التنافس العالمي لإنشاء الممرات الاقتصادية الكبرى، وخاصة بعد استبعاد تركيا والعراق من الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا "آي إم إي سي " (IMEC) المدعوم أمريكيا.

في الوقت الذي يواجه فيه ممر "آي إم إي سي " تحديات سياسية كبرى بسبب استمرار الصراع العربي الإسرائيلي، وتواجه فيه مبادرة "الحزام والطريق " الصينية توجسات جيوسياسية من القوى الغربية، يقدم "طريق التنمية " العراقي التركي حلا إقليميا براغماتيا يتجاوز اختناقات البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ويقلل من الاعتماد الحصري على مضيق هرمز لتدفق البضائع نحو أوروبا.

وميناء الفاو الكبير، الذي من المقرر أن يبدأ تشغيله الجزئي في عام 2026 بطاقة أولية تبلغ 3.5 ملايين حاوية لتصل لاحقا إلى 25 مليون حاوية في مراحله المتقدمة، لا يمثل مجرد رصيف تجاري لتفريغ البضائع، بل هو إعلان سيادي عن استقلالية العراق اللوجيستية.

مخاوف مشروعة

ورغم هذه الآفاق الجيوسياسية الواعدة، فإن هناك مخاوف مشروعة وعميقة تسيطر على الأوساط الاقتصادية – وأنا، بوصفي اقتصاديا، أشاركهم هذا القلق – من أن يتحول "طريق التنمية " إلى مجرد "ممر ترانزيت " سريع تعبر منه البضائع الأجنبية دون أن تترك أثرا تنمويا حقيقيا داخل الجسد الاقتصادي العراقي.

الخشية تكمن في أن تكتفي الدولة بجمع رسوم العبور (الترانزيت) بدلا من استغلال هذا الشريان لخلق قيمة مضافة.

الخشية تكمن في أن تكتفي الدولة (العراق) بجمع رسوم العبور (الترانزيت) بدلا من استغلال هذا الشريان لخلق قيمة مضافة. فبدون تأسيس مدن صناعية ومناطق حرة ومراكز لوجيستية متطورة على جانبي طريق التنمية، سيظل المشروع عاجزا عن معالجة الأزمات الهيكلية للاقتصاد العراقي، وفي مقدمتها تفشي البطالة وضعف الإنتاج المحلي، مما يعيد إنتاج "الريعية " بصورة جديدة؛ ريعية الجغرافيا بدلا من ريعية النفط

فبدون تأسيس مدن صناعية ومناطق حرة ومراكز لوجيستية متطورة على جانبي الطريق، سيظل المشروع عاجزا عن معالجة الأزمات الهيكلية للاقتصاد العراقي، وفي مقدمتها تفشي البطالة وضعف الإنتاج المحلي، مما يعيد إنتاج "الريعية " بصورة جديدة؛ ريعية الجغرافيا بدلا من ريعية النفط.

كذلك يطرح الاقتصاديون تساؤلات جوهرية حول البيئة الاستثمارية والتشغيلية التي ستحتضن هذا المشروع العملاق.

فالبنية التحتية المتهالكة في قطاعات حيوية كالطاقة، إلى جانب التعقيدات البيروقراطية وضعف المنظومة المصرفية، وتحديات الفساد الإداري تمثل كوابح حقيقية أمام جذب رؤوس الأموال الأجنبية اللازمة لاستكمال مراحله.

المستثمر العالمي لا يبحث فقط عن طريق معبد وسكة حديد، بل يبحث عن بيئة قانونية شفافة، وضمانات سيادية، ونظام مالي رصين، وهي أدوات لا تزال تحتاج إلى إصلاحات جذرية وعاجلة في العراق قبل أن يتمكن من منافسة الممرات العالمية الأخرى.

إعلان

كما لا يمكن التغافل عن التحديات الجيواقتصادية الإقليمية، فمشروع طريق التنمية لا ينشأ في فراغ، بل وسط بيئة شديدة التنافسية من الممرات البديلة مثل مشروع الممر الاقتصادي (IMEC) المدعوم أمريكيا، كلها بدائل تتحين الفرص.

نجاح العراق لا يتوقف فقط على إنجاز البنية التحتية، بل على قدرته على تقديم تعرفة تنافسية وخدمات لوجيستية متكاملة تتفوق على هذه الممرات، وهو تحد يفرض على صانع القرار تبني إدارة اقتصادية احترافية بعيدة عن التجاذبات السياسية.

ومع الإقرار بوجاهة هذه المخاوف، فإن هذه المخاطر يجب أن تكون حافزا لتصحيح المسار، لا مبررا للتراجع.

"طريق التنمية " يمثل فرصة تاريخية قد لا تتكرر لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي، ولكي ينجح المشروع في أن يكون "قاطرة للتنمية " الحقيقية، يجب أن يتزامن مسار البناء الهندسي مع مسار هندسة اقتصادية موازية، تشمل تشريع قوانين استثمار عصرية، وتأهيل الكوادر البشرية، وإلزام الشركات الأجنبية بنقل التكنولوجيا.

فقط حينها، يتحول العراق من مجرد "جسر تعبر عليه الثروات " إلى شريك فاعل في صناعتها.

وخلاصة القول بالنسبة لدول الخليج، فإن الخروج من فخ مضيق هرمز يتطلب ما هو أبعد من الحلول المؤقتة وخطوط الأنابيب الفردية، إنه يستدعي هندسة جماعية جذرية للشرايين الاقتصادية المشتركة، تقوم على التكامل البري والبحري بعيدا عن نقاط الاختناق التقليدية.

أما بالنسبة للعراق، فإن إنجاز مشروعي "طريق التنمية " و "ميناء الفاو الكبير " لا يمثل مجرد فرصة اقتصادية عابرة لزيادة الناتج المحلي، بل هو طوق النجاة الإستراتيجي للفكاك من لعنة الاقتصاد الريعي المتقلب، شريطة النجاح في تجاوز التحديات المرتبطة بهما.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد