التعذيب بالوكالة.. حين استأجرت واشنطن زنازين دمشق
الجزيرة.نت -

بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، دخلت واشنطن مرحلة جديدة من حربها على الإرهاب، ولم تعتمد المعركة على القوة العسكرية وحدها، بل على جمع المعلومات عن التنظيمات المسلحة وقياداتها وشبكاتها ومخططاتها.

لكن أجهزة الأمن الأمريكية واجهت قيدا قانونيا واضحا، إذ يخضع التحقيق مع المحتجزين على الأراضي الأمريكية لقيود القانون والمحاكم وحقوقهم القانونية. ومع رغبة واشنطن في الحصول على المعلومات بسرعة، بدأت تبحث عن وسائل أخرى خارج حدودها.

ووفق ما عرضته حلقة "التعذيب بالوكالة" من برنامج "ملفات محظورة" على الجزيرة 360، دفعت هذه القيود واشنطن إلى البحث عن وسائل خارج حدودها، ضمن شبكة سرية لنقل مشتبه فيهم إلى دول تمتلك أجهزة أمنية أقل التزاما بالمعايير الأمريكية لحقوق الإنسان. وكانت سوريا، رغم تصنيفها أمريكيا دولة راعية للإرهاب، إحدى الدول التي تقاطعت معها المصالح الأمنية الأمريكية.

ويمكنكم مشاهدة الحلقة كاملة بالضغط (هنا)

مبنى "فرع فلسطين" في دمشق من الخارج بعد احتراقه (الجزيرة)

في دمشق، برز فرع فلسطين (المعروف بالفرع 235) التابع للمخابرات العسكرية السورية، بوصفه أحد المواقع التي ارتبطت بهذه القصة. وتوضح الحلقة أن الفرع تأسس لمتابعة الفصائل الفلسطينية واللاجئين من منظور أمني، قبل أن يتحول مع مرور السنوات إلى أحد أبرز مراكز الاعتقال والتحقيق في سوريا.

وتنقل الحلقة شهادة معتقل سابق يدعى مروان، قال فيها إن زنزانته كانت تفتقر إلى التهوية والضوء، وإن نحو 60 شخصا كانوا يحتجزون فيها، ويتناوبون النوم ويحاولون تحريك الهواء بقمصانهم. كما تستعرض شهادات عن زنازين انفرادية تحت الأرض، ووسائل تعذيب مختلفة، بينها "الدولاب" و"الكرسي الألماني" و"الشبح" و"الفلقة" والصعق الكهربائي.

وتشير الحلقة إلى تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش، صدر عام 2012 بعنوان "أرخبيل التعذيب"، استند إلى مقابلات مع أكثر من 200 ناج وشاهد، ووثق أساليب التعذيب في مراكز الاعتقال السورية. وتشير كذلك إلى أن محكمة ألمانية أدانت لاحقا ضابط مخابرات سوريًا في قضية تتعلق بالتعذيب.

من مطار نيويورك إلى قبو دمشق

تتوقف الحلقة مطولا عند قضية ماهر عرار، المواطن الكندي من أصل سوري، إذ أصبحت من أشهر القضايا المرتبطة ببرنامج التسليم السري للمشتبه فيهم. ففي سبتمبر/أيلول 2002، كان عرار عائدا من عطلة عائلية في تونس إلى كندا، وتوقف في مطار جون كينيدي بنيويورك، حيث أوقفه موظفو الهجرة، ثم خضع للاستجواب من مكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي).

وتقول الحلقة إن السلطات الأمريكية اشتبهت في صلته بتنظيم القاعدة، رغم أن الأدلة التي عرضت عليه كانت، وفق الرواية المقدمة، مرتبطة أساسا بمعرفته بشخصين من أصل سوري في كندا.

احتجز عرار 12 يوما في الولايات المتحدة، ثم اتخذت السلطات قرارا بترحيله إلى سوريا، رغم حمله الجنسية الكندية ومطالبته بإعادته إلى كندا. وتنقل الحلقة عنه قوله إنه حذر من تعرضه للتعذيب في سوريا، لكن طلبه لم يُستجب له.

وصل عرار إلى دمشق، وانتهى به المطاف في فرع فلسطين. وبحسب ما ترويه الحلقة، أمضى هناك 10 أشهر و10 أيام في زنزانة تحت الأرض، وصفها بأنها تشبه القبر، وتعرض للضرب والصعق والتهديد، قبل أن يوقع على اعتراف يتعلق بتدريب مزعوم في أفغانستان، وهو ما نفاه.

لكن خلف جدران الزنزانة، كانت زوجته مها المزيغ تخوض معركة مختلفة، فقد لجأت إلى وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية والبرلمان الكندي، وحولت قضية زوجها إلى قضية رأي عام. وبعد أشهر من الضغوط، أفرج عن عرار يوم 15 أكتوبر/تشرين الأول 2003، من دون محاكمة أو تهمة، بحسب الحلقة.

عاد عرار إلى كندا، لكنه لم يكتف بالإفراج عنه، فطالب بإثبات براءته ومعرفة حقيقة ما حدث، وفتح تحقيق رسمي كندي استمر عامين. وخلص التحقيق إلى أنه لا يشكل خطرا على المجتمع الكندي ولا توجد أدلة تربطه بنشاط إرهابي. واعتذرت الحكومة الكندية له، ودفعت تعويضا بلغ 10.5 ملايين دولار كندي.

أما في الولايات المتحدة، فقد رفضت واشنطن التعاون مع التحقيق الكندي، كما رفضت دعوى عرار أمام القضاء الأمريكي استنادا إلى مبدأ أسرار الدولة.

ماهر عرار الكندي من أصل سوريا الذي اعتقلته الولايات المتحدة وسلمته إلى نظام الأسد على خلفية أحداث سبتمبر/أيلول (غيتي)
الأسئلة الأمريكية تصل إلى دمشق

وفي حالة أخرى يعرضها برنامج "ملفات محظورة" تأتي قضية محمد حيدر زمار، الألماني من أصل سوري، الذي ارتبط بخلية هامبورغ التي كان من أفرادها محمد عطا، أحد أبرز منفذي هجمات 11 سبتمبر/أيلول.

بعد اعتقال زمار خارج الولايات المتحدة، لم ينقل إلى غوانتانامو أو إلى سجن أمريكي، وإنما إلى فرع فلسطين في دمشق. ووفق ما تعرضه الحلقة، لم يكن المحققون الأمريكيون يصلون إليه مباشرة، بل كانوا يرسلون أسئلة مكتوبة إلى المخابرات السورية، التي تتولى التحقيق معه ثم تعيد الإجابات إلى الأمريكيين.

ويصف "ملفات محظورة" هذه الآلية باعتبارها أحد أوجه التعاون الأمني غير المعلن بين واشنطن ودمشق: أسئلة تكتب في الجانب الأمريكي، ومحتجز يوجد في زنزانة سورية، وإجابات تعود إلى المحققين الأمريكيين.

وتشير المادة إلى أن زمار بقي سنوات في السجون السورية، وحكم عليه عام 2007 بالسجن 12 عاما على خلفية 4 تهم، قبل أن يخرج عام 2013 ضمن صفقة تبادل. ثم التحق بتنظيم الدولة، وفق ما ترويه الحلقة.

محمد حيدر زمار (حساب @bjoernstritzel على منصة إكس)
من شراكة الظل إلى العداء العلني

لم تستمر العلاقة الأمريكية السورية على حالها. ففي عام 2011 اندلعت الثورة السورية، وتحولت آلة الاعتقال والتعذيب التي كانت تستخدم ضد المعارضين إلى محور أساسي في التقارير الدولية عن انتهاكات النظام.

وفي عام 2013، ظهرت إلى العلن صور التقطها مصور في الشرطة العسكرية السورية عرف باسم "قيصر". ويقول قيصر في شهادته إن طبيعة عمله تغيرت بعد اندلاع الثورة، فأصبح يصور جثث ضحايا الاعتقال. وتقول الحلقة إن الصور التي أخرجها من سوريا بلغ عددها نحو 55 ألف صورة.

استخدمت الولايات المتحدة صور "قيصر" في إدانة ممارسات النظام السوري، ثم أقر الكونغرس "قانون قيصر" الذي فرض عقوبات على النظام ومسؤولين وكيانات مرتبطة به بسبب انتهاكات حقوق الإنسان. وهنا يطرح "ملفات محظورة" المفارقة الأساسية في القصة: الدولة التي فرضت عقوبات على دمشق بسبب التعذيب، كانت قد تعاونت معها في مرحلة سابقة للحصول على معلومات من محتجزين.

أحد الضحايا الذين ظهروا في صور "قيصر" المسربة (الجزيرة)

وفي الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، وبعد سقوط نظام الأسد، فتحت السجون والفروع الأمنية أمام الأهالي والصحفيين، ومن بينها فرع فلسطين. وعاين الداخلون الزنازين الجماعية والأقبية التي كانت تستخدم للاحتجاز، لتظهر إلى العلن أماكن بقيت لسنوات خلف أبواب مغلقة.

تضع "التعذيب بالوكالة" هذه الوقائع في إطار سؤال أوسع عن العلاقة بين الأمن وحقوق الإنسان: ماذا يحدث عندما تبحث دولة عن معلومات لا تستطيع الحصول عليها بالوسائل المسموح بها قانونا؟ وهل يمكن أن تتحول الخلافات السياسية بين الدول إلى تعاون أمني سري عندما تلتقي المصالح؟

وفي حالة فرع فلسطين، كما يعرضها "ملفات محظورة"، لم يكن التقاطع بين واشنطن ودمشق قائما على تحالف معلن، بل على حاجة متبادلة: الولايات المتحدة تريد معلومات عن الجماعات المسلحة، والنظام السوري يمتلك أجهزة أمنية وأرشيفا واسعا عن الإسلاميين. وعندما تغيرت المصالح، عاد البلدان إلى العداء العلني.



إقرأ المزيد