الجزيرة.نت - 9/14/2026 2:52:36 PM - GMT (+3 )
Published On 14/9/2026
أعاد النزاع على خلافة عرش مملكة تورو في غرب أوغندا، عقب وفاة الملك أويو نيمبا عن 34 عاما نهاية أغسطس/آب الماضي، أعاد إحياء الاهتمام بالممالك التقليدية التي ما تزال حاضرة داخل جمهورية تقوم نظريا على مؤسسات منتخبة.
فقبل الاستعمار، كانت البنية السياسية والاجتماعية في أجزاء واسعة من الأراضي الأوغندية تقوم على ممالك إقليمية، أبرزها بوغندا وتورو وبنيورو وبوسوغا. ولم تكن هذه الكيانات مجرد رموز قبلية، فقد طورت أنظمة للحكم وإدارة الأرض وشؤون العشائر وتسوية النزاعات.
ويُعتقد أن بدايات مملكة بوغندا تعود إلى القرن الثالث عشر الميلادي، حين كانت عبارة عن خمس إمارات عشائرية متفرقة على الشاطئ الشمالي لبحيرة فيكتوريا. ومع اتساع نفوذها، نشأت سلطة مركزية يقودها من يسمى بالملك، أو "كاباكا"، إلى جانب مجلس مستشارين من زعماء العشائر. وكان هذا البناء تحولا من تجمعات محلية صغيرة إلى نظام أكثر تماسكا، مع آليات لإشراك العشائر والرعية في إدارة المملكة.
أما تورو، فتعود روايتها التأسيسية إلى الأمير أوليمي كابويو، ابن ملك بنيورو، الذي أعلن في القرن التاسع عشر الميلادي انفصال المنطقة الجنوبية وتأسيس مملكة مستقلة. وتقول هيئة السياحة الأوغندية إن المملكة تنتمي إلى سلالة بابيتو، وإن ملكها يحمل لقب "أوموكاما". كما تورد دائرة المعارف البريطانية "بريتانيكا" أن تورو انفصلت عن بنيورو نحو عام 1830، قبل أن تستعيد بنيورو السيطرة عليها مؤقتا في أواخر القرن التاسع عشر.
وفي عام 1894 أنشأت بريطانيا "محمية" أوغندا ، بعد اتفاقات مع حكام محليين، واستفادت من البنى الملكية القائمة في إدارة الأراضي. وكانت بوغندا، الأكبر والأكثر تنظيما، نواة مهمة للترتيب الاستعماري، في حين احتفظت الممالك الأخرى بأشكال من الإدارة المحلية بدرجات متفاوتة. وفي تورو، أعاد المستعمرون أميرا إلى العرش مقابل الولاء والحصول على حقوق في الغابات والموارد المعدنية، بحسب موسوعة "بريتانيكا".
إعلان
لكن ذلك الاعتراف لم يكن استقلالا كاملا، فقد عملت الممالك ضمن ترتيبات تخضع في النهاية للسلطة الاستعمارية. ومع اقتراب الاستقلال عام 1962، برز التوتر بين مؤسسات ملكية ذات جذور إقليمية وحكومة مركزية تريد بناء دولة موحدة.
وبلغ الصراع ذروته بعد استقلال البلاد عن الحكم البريطاني. فقد هاجمت قوات رئيس الوزراء آنذاك ميلتون أوبوتي قصر ملك بوغندا عام 1966، ثم أُلغيت الملكيات رسميا في الإطار الدستوري الذي تلا ذلك، وتكرس إلغاء الممالك عام 1967. وبذلك تحولت أوغندا إلى جمهورية بلا اعتراف رسمي بالعرش التقليدي.
وقد أعاد الرئيس الحالي يوري موسيفيني الذي وصل إلى السلطة في أوغندا عام 1986، أعاد الاعتراف بالممالك عام 1993. غير أن العودة لم تكن استعادة لسلطات الدولة القديمة، إذ قُيد دور الملوك بالوظائف الثقافية والتقليدية. وينص دستور 1995 على منع الزعماء التقليديين من ممارسة صلاحيات إدارية أو تشريعية أو تنفيذية أو قضائية، أو الانخراط في السياسة الحزبية، وفق مركز الأبحاث الأفريقي "أفروباروميتر".
ولم تكن الخطوة استعادة للنظام الملكي بقدر ما كانت تسوية بين مطلب اجتماعي وحسابات سياسية بعد سنوات من العنف. فقد رأى مؤيدو الإعادة أن إلغاء المؤسسات التقليدية بالقوة عمق التوترات، وأن الاعتراف بها قد يساعد على تهدئة العلاقات وإعادة الثقة، ولا سيما في بوغندا. وفي المقابل، أفاد تقرير لصحيفة "لوس أنجلوس تايمز" الأميركية بأن موسيفيني وافق على إعادة الممالك لاستمالة القاعدة البوغندية، مع إبقاء دور الملوك ثقافيا لا سياسيا. وخلصت دراسة أكاديمية بجامعة كامبريدج نشرت عام 2020، إلى أن التسوية أعادت الملك لا المملكة بصلاحياتها السابقة، أي اعترفت بالرمز والهوية، وأبقت السلطة السياسية بيد الحكومة المركزية.
تعيش الممالك اليوم داخل الجمهورية لا خارجها، فهي لا تدير الحكومة المركزية، لكنها تحتفظ بمكانة اجتماعية وروحية وثقافية، وتشارك في حل النزاعات المحلية وحشد السكان لبعض المبادرات العامة. وأظهر مسح لأفروباروميتر نُشر عام 2023، أن 69% من الأوغنديين قالوا إنهم يثقون بالزعماء التقليديين إلى حد ما أو بدرجة كبيرة، فيما رأى أغلب المستطلعين أن لهم نفوذا في تسوية النزاعات وإدارة المجتمعات وتخصيص الأراضي.
لذلك يكشف نزاع الخلافة في مملكة تورو حدود هذا التعايش: فالعرش لا يمنح صاحبه سلطة تنفيذية على أوغندا، لكنه يظل مركزا للهوية والشرعية داخل جماعته. وبينما لم تحسم الأسرة المالكة والعشيرة مسألة الوريث، تظل الجمهورية مطالبة بإدارة خلاف تقليدي ذي أثر اجتماعي واسع، من دون أن يتحول إلى صراع على نظام الحكم نفسه، وفق ما يراه مراقبون.
إقرأ المزيد


