عندما لا يمكن الوثوق بالعين.. كيف يخدع الذكاء الاصطناعي المحقق الصحفي؟
الجزيرة.نت -

Published On 12/9/2026

مساء يوم 17 أكتوبر/تشرين الأول 2023، هز انفجار مجمع مستشفى المعمداني في مدينة غزة. وقد نقلت مقاطع فيديو مهتزة صورها شهود عيان مشاهد مروعة: بطانيات استُخدمت نقالات لحمل الجرحى، وموقف سيارات محترق، حيث كانت الطائرات الإسرائيلية قد أطلقت في ذلك اليوم صاروخين على المستشفى، وأظهرت مقاطع مصورة تشكل كرة من اللهب لحظة القصف.

وقد تحركت بعض فرق التحقق البصري في مؤسسات إعلامية كبرى ومنظمات مستقلة لتحليل لقطات الحادثة، لكنها خرجت بنتائج متضاربة، بعضها غير دقيق أو غير حاسم، مما استدعى لاحقا تصويبات واعتذارات تحريرية.

وقد كشفت هذه واقعة، بحسب تقرير نشرته مجلة جامعة كولومبيا للصحافة، هشاشة مجال "التحقق البصري " الذي يعتمد على تحليل الصور ومقاطع الفيديو والبيانات المفتوحة المصدر، والمسمى اختصارا "أوسينت" لتحديد وقائع الأحداث والمسؤولين عنها.

نشأة المجال وتوسعه داخل غرف الأخبار

بدأت تقنيات التحقق البصري، مثل تحديد الموقع الجغرافي للقطات والتحقق من المحتوى الذي ينشره المستخدمون وأرشفة منشورات التواصل الاجتماعي، على يد منظمات مستقلة أبرزها "بيلينغكات" و"إيروورز" و"الأرشيف السوري" و"العمارة الجنائية" وقد برزت خلال الربيع العربي عام 2011 والثورة السورية حين أصبحت التغطية الميدانية المباشرة شديدة الخطورة. وقد شكّلت مؤسسات كبرى لاحقا -مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست ووول ستريت جورنال ولوموند و"سي إن إن" "بي بي سي" وفايننشال تايمز– فرقا متخصصة حصدت جوائز صحفية مرموقة.

فحص الصورة عبر أداة (Image Whisperer) المتخصصة بالتحقق الرقمي وتدقيق الصور (الجزيرة)

وتقول إيموجين بايبر الصحفية في قسم التحقيقات البصرية بواشنطن بوست إن قلقها الأكبر لم يعد إثبات أن صورة ما مزيفة بل إثبات أن أخرى حقيقية فعلا. ووصفت أليكسا كوينيغ مديرة مختبر التحقيقات بمركز حقوق الإنسان بجامعة كاليفورنيا بيركلي -اللحظة الراهنة- بأنها تتطلب إعادة تفكير كاملة في وسائل إثبات المصداقية.

إعلان

وأشار تقرير مجلة جامعة كولومبيا للصحافة إلى أن شركة "بلانت لابز" لتصوير الأقمار الصناعية أوقفت في أبريل/نيسان الماضي نشر صور يومية لمنطقة الشرق الأوسط، بينما أضافت غوغل في يوليو/تموز الماضي ميزات لتوليد صور بالذكاء الاصطناعي داخل خدمة "غوغل إيرث " قبل أن تتراجع بعد احتجاجات صحفية.

وحذر هينك فان إس خبير أدوات التحقق مفتوحة المصدر من ظاهرة أسماها "الهجائن الوحشية" وهي صور حقيقية بنسبة 99% يُعدَّل فيها تفصيل بسيط كشارة على زي عسكري، مؤكداً أن مواجهتها تتطلب الجمع بين أدوات الكشف الآلي والتحقيق البشري الدقيق معاً.

تراجع المواد المتاحة وتعقيد التحقق

وقد لاحظت أليسون كيلينغ الصحفية في فايننشال تايمز أن حجم المواد المتاحة للتحقق تراجع بشكل حاد في إيران وغزة مقارنة بسوريا وأوكرانيا، لأن الأطراف المشاركة في الصراع هناك أدركت خطورة انتشار الفيديوهات عليها. أما جيمس هاركين مدير مركز الصحافة الاستقصائية، فرأى أن الخطر الحقيقي ليس تزييف الصور بل انتشار أنصاف الحقائق وسط تسريع وتيرة الصراعات.

صورة بالقمر الصناعي تظهر الفارق البنيوي لبلدة عيناتا بالجنوب اللبناني قبل وبعد تعرضها للتدمير (الجزيرة)

وأوضح كريشنا كارا الصحفي في بلومبيرغ نيوز أن معالجة صور الأقمار الصناعية كسلاسل بيانات إحصائية أكثر صرامة من مجرد عرض صورة "قبل وبعد".

ومن جهته، وصف مالاكي براون مدير فريق التحقيقات البصرية في نيويورك تايمز -هذا المجال- بأنه بات جزءا من عمل كل صحفي، مشيرا إلى أن أكبر فائدة له تظهر في مناطق يصعب الوصول إليها مثل السودان وأوكرانيا وغزة. ونبهت مانيشا غانغولي (من صحيفة الغارديان) إلى ظهور ما سمته "استعراض مفرط " يطغى على هدف المساءلة الأصلي للمهنة، وسط تسلل "منتحلين" لا يفقهون سياق الصراعات التي يغطونها.

وحذر كريغ سيلفرمان (من منصة "إنديكيتور ") من تصاعد محتوى مضلل مموّل بأدوات آلية. ورغم ذلك، أنهت إيميلي تريب (من منظمة إيروورز) حديثها بنبرة متفائلة وحذرة في نفس الوقت، مؤكدة أن المطلوب ليس القلق بل مزيد من الابتكار في الأدوات والمهارات المستقبلية.



إقرأ المزيد