ربع قرن على 11 سبتمبر.. إرث الحرب على "الإرهاب" يعيد تشكيل الشرق الأوسط
الجزيرة.نت -

Published On 11/9/2026

بعد 25 عاما على هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، لا تبدو آثار تلك اللحظة التاريخية محصورة في الذاكرة الأمريكية أو في الإجراءات الأمنية التي اتخذتها واشنطن عقب الهجمات، بل امتدت إلى صياغة عقيدتها الأمنية، وإعادة ترتيب أولوياتها الخارجية، وفتح سلسلة من الحروب والتدخلات التي تركت آثارا عميقة في الشرق الأوسط وفي موقع الولايات المتحدة داخل النظام الدولي.

وفي هذا الاتجاه طرح برنامج "ما وراء الخبر" على قناة الجزيرة، أسئلة تتجاوز استعادة أحداث تلك اللحظة إلى بحث إرثها المستمر في السياسة الأمريكية والشرق الأوسط والنظام الدولي. وتركز النقاش حول ما إذا كانت عقيدة مواجهة التهديدات خارج الحدود التي ترسخت بعد الهجمات لا تزال تحكم خيارات الأمن القومي الأمريكي، أم أن واشنطن تعيد صياغة هذه العقيدة وأدواتها في مواجهة خصوم وتهديدات جديدة.

وتوقف البرنامج عند التحولات التي أعقبت هجمات سبتمبر/ أيلول، حين أطلقت الولايات المتحدة الحرب على الإرهاب، بدءا من أفغانستان عام 2001، ثم غزو العراق عام 2003، قبل أن تتوسع عمليات مكافحة الإرهاب إلى ساحات أخرى في الشرق الأوسط وخارجه، في مسار أعاد تشكيل العقيدة الأمنية الأمريكية وترك آثارا عميقة في المنطقة.

ويرى مارك فايفل، نائب مستشار الأمن القومي السابق لشؤون الاتصالات الاستراتيجية في البيت الأبيض، أن الحرب على الإرهاب حققت في بدايتها نتائج إيجابية، إذ ساهمت في إضعاف قدرات عدد من المهاجمين والقضاء على بعض المسؤولين عن هجمات "إرهابية"، كما أسهمت الإجراءات الأمنية في إحباط مخططات وإنقاذ أرواح.

لكن فايفل يرى أن الولايات المتحدة انحرفت لاحقا عن مسار استراتيجيتها الأصلية، وانتقلت من التركيز على الدبلوماسية إلى الاعتماد المتزايد على العمل العسكري، فأصبحت، بحسب تعبيره، تنتقل من أزمة إلى أخرى. ويضع حربي أفغانستان والعراق ضمن أبرز الأمثلة على هذا الانحراف.

من مراسم تأبين الذكرى 25 لهجمات 11 سبتمبر بمقر لويدز أوف لندن (غيتي)
أفغانستان والعراق.. حصيلة حرب طويلة

من جهته، يقول أندرو داي، المحرر الأول في مجلة "ذا أمريكان كونسيرفاتيف"، إنه يتفق إلى حد كبير مع تقييم فايفل للأخطاء التي ارتكبتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة. ويرى داي أن أفضل مكان لقياس إرث الحرب على الإرهاب هو الشرق الأوسط، الذي بقي، بحسب وصفه، بعيدا عن الاستقرار، مشيرا إلى أن الحرب التي استمرت في أفغانستان لعقود انتهت بعودة طالبان إلى السلطة بعد الانسحاب الأمريكي، بينما تركت حرب العراق تداعيات سياسية وأمنية وإنسانية عميقة.

إعلان

ويعتبر داي أن أحد الأخطاء الأساسية تمثل في تحويل التهديد الإرهابي إلى مبرر لشن حروب على دول في الشرق الأوسط، بدلا من التعامل معه باعتباره تهديدا أمنيا محددا.

أما زياد ماجد، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية في باريس، فيقدم قراءة أكثر نقدا، إذ يرى أن الحرب على الإرهاب كرست نموذجا جديدا في الحروب الدولية، وصفه بـ"الحروب التي لا تنتهي". وبحسب ماجد، فإن الإرهاب بوصفه ظاهرة عابرة للحدود أتاح للولايات المتحدة خوض حروب لم تعد مقيدة بزمن أو جغرافيا محددة، وهو ما جعل الحرب قابلة للتمدد كلما جرى الاستناد إلى مبرر مكافحة الإرهاب.

ويرى ماجد أن هذه الحروب خلفت كلفة إنسانية كبيرة، مشيرا إلى سقوط أعداد ضخمة من المدنيين في أفغانستان والعراق ومناطق أخرى، بينما انتهت الحرب في أفغانستان بعودة طالبان إلى الحكم بعد نحو عقدين من التدخل الأمريكي.

الحرب على الإرهاب.. من عقيدة أمريكية إلى أداة إقليمية

ولا يرى ماجد أن آثار الحرب على الإرهاب توقفت عند حدود السياسة الأمريكية، بل يعتقد أنها أعادت تشكيل طريقة تعامل عدد من الأطراف في الشرق الأوسط مع خصومها. ويقول إن بعض الأنظمة العربية استفادت من خطاب مكافحة الإرهاب لتعزيز علاقاتها بواشنطن وكسب دعمها، كما استخدم هذا الخطاب لاحقا في التعامل مع الثورات العربية، حيث جرى وصف بعض التحركات الاحتجاجية بالإرهاب لتبرير استخدام القوة ضدها.

ويضيف ماجد أن إسرائيل استفادت بدورها من المفهوم، مشيرا إلى توظيف خطاب الحرب على الإرهاب منذ الانتفاضة الثانية، ثم في لبنان، وصولا إلى الحرب على غزة، معتبرا أن المفهوم تحول تدريجيا إلى ذريعة يمكن استخدامها لتبرير أشكال مختلفة من العنف.

إيران.. خصم جديد أم استمرار لحرب ما بعد سبتمبر؟

وفي الجزء المتعلق بإيران، ناقش البرنامج ما إذا كان إدراج طهران في خطاب الأمن القومي الأمريكي يمثل تحولا في العقيدة أم امتدادا للحرب التي بدأت بعد سبتمبر. ويرى أندرو داي أن هناك استمرارية بين حرب إدارة جورج بوش على الإرهاب والسياسة الأمريكية الحالية تجاه إيران، معتبرا أن إيران كانت منذ سنوات ضمن قائمة الخصوم الأمريكيين، وأن إسرائيل لطالما ضغطت باتجاه استهدافها.

وينتقد داي النهج الأمريكي تجاه إيران، قائلا إن واشنطن لا تمتلك، في رأيه، استراتيجية واضحة للدخول في الحرب أو الخروج منها، كما أن أهدافها تبدلت أثناء مسار الصراع. ويشكك في قدرة الضغط العسكري والاقتصادي وحده على إخضاع إيران.

في المقابل، يرى مارك فايفل أن التعامل مع إيران لا يمكن أن يكون عسكريا فقط، بل ينبغي أن يجمع بين العقوبات والقدرات الاستخبارية والجهود الدبلوماسية، إلى جانب التعاون مع حلفاء الولايات المتحدة والأمم المتحدة، مع إبقاء الباب مفتوحا أمام إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات.

هل تغيرت العقيدة الأمريكية أم تغيرت أدواتها؟

وحول ما إذا كانت إدارة ترمب قد أعادت النظر فعليا في عقيدة الحرب على الإرهاب، يقول أندرو داي إنه لا يرى تحولا جوهريا في هذه العقيدة، بل استمرارا لها في مواجهة خصوم جدد. ويشير إلى أن الولايات المتحدة استخدمت قدرات عسكرية ضخمة في حروبها السابقة من دون أن تحقق النتائج السياسية المرجوة، معتبرا أن العودة إلى التدخل العسكري في الشرق الأوسط أعادت إنتاج حالة من الاضطراب في المنطقة.

إعلان

أما مارك فايفل فيرى أن المشكلة لا تكمن في امتلاك الولايات المتحدة للقوة العسكرية، فهي، بحسب قوله، لا تزال قوة عظمى وتمتلك أقوى الجيوش، وإنما في كيفية استخدام هذه القوة، مؤكدا أن واشنطن تحتاج إلى هدف واضح وألا تنتقل من أزمة إلى أخرى أو تتعامل مع القوة العسكرية باعتبارها الأداة الوحيدة.

لماذا لم تنتج المنطقة تحولات أكبر في تحالفاتها؟

وانتقل النقاش إلى سؤال آخر: لماذا لم تؤد إخفاقات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط إلى تحولات جذرية في خيارات دول المنطقة وتحالفاتها؟

ويعزو زياد ماجد ذلك إلى مجموعة عوامل، بينها غياب الديمقراطية في عدد كبير من دول المنطقة، وما أعقب الثورات العربية من ثورات مضادة وانقلابات وصراعات مسلحة وتدخلات خارجية، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية والفوارق الاجتماعية، فضلا عن استمرار القضية الفلسطينية والصراع الإسرائيلي.

ويضيف ماجد أن هذه العوامل تزامنت مع تحولات أوسع في النظام الدولي، بينها صعود الصين وروسيا ومحاولة أوروبا البحث عن موقع جديد، وهو ما جعل المنطقة جزءا من إعادة تشكيل أوسع للعلاقات الدولية.

الخليج وتنويع التحالفات

ويرى ماجد أن جزءا من النخب السياسية والثقافية في المنطقة بات أكثر إدراكا لحدود الاعتماد على الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن بعض الأنظمة العربية بدأت تدرك أن التحالف مع واشنطن ليس كافيا وحده لمواجهة التحديات الأمنية والسياسية.

وفي السياق ذاته، يشير مارك فايفل إلى استمرار العلاقة بين الولايات المتحدة ودول الخليج، لكنه يتوقع في الوقت نفسه أن تتجه بعض دول المنطقة إلى تنويع علاقاتها وتحالفاتها، لافتا إلى احتمال تطور ترتيبات إقليمية جديدة. ويذهب فايفل إلى أن التطورات قد تدفع دول الخليج إلى التعاون مع إيران في بعض الملفات، ولا سيما تلك المرتبطة بالممرات والمصالح الإقليمية، بما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل العلاقات والتحالفات في المنطقة.

إرث مستمر أم مرحلة جديدة؟

يكشف النقاش الذي قدمه "ما وراء الخبر" أن الخلاف لا يدور فقط حول تقييم نتائج الحرب على الإرهاب، وإنما حول طبيعة الإرث الذي تركته في السياسة الأمريكية والعلاقات الدولية. فبالنسبة إلى مارك فايفل، المشكلة الأساسية تكمن في انحراف الاستراتيجية عن هدفها الأصلي والانتقال المتكرر بين الأزمات، مع الإفراط في استخدام القوة العسكرية على حساب الدبلوماسية.

أما أندرو داي* فيرى أن الحروب الأمريكية في المنطقة لم تحقق أهدافها، وأن التعامل الحالي مع إيران يعكس استمرارا لمنهج ما بعد سبتمبر أكثر مما يمثل قطيعة معه. بينما يذهب زياد ماجد إلى قراءة أوسع، يعتبر فيها أن حرب ما بعد سبتمبر أسست لنمط من الحروب المفتوحة زمنيا وجغرافيا، وأعادت إنتاج خطاب "الحرب على الإرهاب" في المنطقة، فضلا عن مساهمتها، إلى جانب عوامل دولية أخرى، في إعادة تشكيل النظام العالمي.



إقرأ المزيد