الجزيرة.نت - 9/11/2026 10:38:32 PM - GMT (+3 )
على مدار مائة عام، مرت الأغنية العربية بتحولات كبيرة في التلحين والتوزيع والأداء، وتغيرت معها ذائقة الجمهور وطريقة استقباله للأغنية. ومع ذلك، ظلت أعمال كثيرة قادرة على البقاء وتجاوز زمنها، لتصبح جزءا من الذاكرة الموسيقية.
في هذا السياق، يأتي مشروع المطرب المصري علي الحجار "100 سنة غنا"، الذي يتناول تاريخ الأغنية من خلال الأعمال والملحنين إلى جانب المطربين، في محاولة لاستعادة محطات مختلفة من تطور الموسيقى العربية. ويكتسب المشروع بعدا موسيقيا إضافيا مع مشاركة عمر خيرت، الذي يتولى إعادة صياغة عدد من الأعمال برؤية أوركسترالية جديدة.
العودة إلى الأغنيات القديمة يطرح التساؤل حول كيفية تقديمها دون فقدان روحها، وما الذي تكشفه هذه الأعمال عند وضعها في صياغة موسيقية جديدة؟ وهل لا يزال التراث قادرا على الوصول إلى جمهور لم يعش زمن هذه الأغنيات، أم أن المشكلة لم تكن يوما في الأغنية نفسها، وإنما في الطريقة التي تقدم بها؟
"100 سنة غنا".. تاريخ الأغنية من زاوية مختلفةيرى الناقد الموسيقي محمد عطية أن مشروع علي الحجار "100 سنة غنا" يلفت الانتباه إلى جانب مهم من تاريخ الموسيقى العربية، يتمثل في أسماء صنّاع الأغنيات الذين وقفوا خلفها، من شعراء وملحنين، وليس المطربين فقط. ويوضح، في تصريحات خاصة للجزيرة نت، أن تعريف الأجيال الجديدة بهذه الأسماء أمر مهم، لكنه لا يغير بالضرورة طريقة قراءة تاريخ الموسيقى العربية، بقدر ما يعيد ترتيب الأولويات.
ويشير عطية إلى أن موسيقارا بحجم محمد القصبجي، على سبيل المثال، لم يحظ بالتقدير الكافي باعتباره واحدا من أبرز من أطلقوا شرارة التغيير في الموسيقى العربية؛ لذلك يرى ضرورة منح هذه الأسماء مساحة أكبر داخل أي مشروع يتناول تاريخ الأغنية.
قراءة أوسع لذاكرة الأغنيةويرى الناقد الموسيقي المصري أن ذاكرة الأغنية العربية ما زالت محفوظة إلى حد كبير، بل إن بعض الأعمال القديمة تعود إلى الظهور من وقت إلى آخر، وتجد طريقها إلى جمهور جديد، مستشهدا بعودة موشح "بنور محياك" لأم كلثوم إلى الواجهة، وتحوله إلى تريند على مواقع التواصل الاجتماعي.
إعلان
ومن وجهة نظره، تكمن أهمية المشروع في إلقاء الضوء على بعض الأعمال التي ربما أهملها الجمهور أو تناساها، لكنه لا يقدم بالضرورة قراءة فنية جديدة للتاريخ، وإنما يعيد تقديم الأغنيات برؤية تقترب من صيغها الأصلية، على نحو يشبه ما تقدمه فرق الموسيقى العربية.
ويرى عطية أن المشروع يحتاج إلى أن يتسع ليشمل أكبر عدد ممكن من الأسماء المؤثرة في التراث المصري والعربي، وألا يكتفي بالأسماء الأكثر شهرة أو الأعمال المتداولة باستمرار. ويضرب مثالا بالقصبجي ومحمود الشريف وعبد العظيم عبد الحق وأحمد صدقي، في مقابل التركيز المعتاد على أسماء مثل محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ ومحمد فوزي وفريد الأطرش.
ويضيف أن إعادة تقديم الأغنية القديمة اليوم تكشف الفارق بين طبيعة الفن القادر على العيش لعقود، وبين بعض المشروعات الفنية الحالية التي أصبحت مرتبطة بفكرة الانتشار السريع أكثر من الاستمرارية. فوجود أغنية مرّ عليها 80 أو 90 عاما، وما زالت قادرة على جذب الجمهور، يمثل، بحسب رؤيته، تأكيدا لقدرة العمل الجيد على البقاء في الوجدان، في مقابل أعمال تُسلّع لتُستهلك مرة واحدة، ثم تدخل سريعا دائرة النسيان.
ولا يرى عطية حدودا ثابتة لإعادة تقديم التراث، مؤكدا أن لكل فنان الحق في التعامل معه بالطريقة التي تتناسب مع رؤيته، سواء من خلال أساليب حديثة أو بالاقتراب من الشكل الأصلي للعمل. وقد ينجح التوزيع الجديد في إعادة لفت الانتباه إلى عمل فني أهمل أو اقترب الجمهور من نسيانه.
ويستشهد في ذلك بأعمال سيد درويش، التي فقد جزء كبير من صيغها الأصلية وتناقلتها الأجيال، ثم أعاد إيمان البحر درويش تقديمها في فترة كانت الأغنية المصرية تشهد تحولا وابتعادا عن الماضي والتراث.
ويضيف أن الفن في الأساس مساحة للحرية والخيال، وكل جيل يمكنه أن يقرأ التراث بالطريقة التي يعرفها ويفهمها. ويرى أن الأجيال الجديدة، إذا تعمقت في التراث بشكل أكبر، قد تسلك اتجاها مختلفا في إنتاجها الموسيقي، لأنها ستتعرف على كيفية صناعة فن قادر على العيش والاستمرار.
في حين اعتبر أن مشاركة عمر خيرت في "100 سنة غنا" إضافة مهمة للمشروع، خاصة مع امتلاكه تجربة سابقة في إعادة تقديم أعمال محمد عبد الوهاب برؤيته الخاصة. ويؤكد أن خيرت يمتلك أفكارا موسيقية متطورة كموزع، ويرى أن قوته في هذا الجانب تحديدا لافتة، وقد تمنح بعض الأعمال القديمة قوة إضافية من خلال تقديمها في صياغة أوركسترالية لم تكن متاحة لها بالإمكانات نفسها وقت صدورها.
وفي المقابل، لا يرى عطية أن المشروع يقدم رؤية مختلفة تماما لما سبق، وإنما يعتبره إعادة تنفيذ موسيقي بشكل أحدث نسبيا. لكنه يرى أن نجاح الحفلات يؤكد أن الجمهور لم يمل الأغنية الكلاسيكية نفسها، وإنما مل تقديمها في قوالب جامدة أو تكرار الأعمال نفسها في كل مناسبة.
ومن هنا، يعتقد أن الرهان الحقيقي هو تجديد روح التراث والتنقيب داخله عن أعمال لم تدركها بعض الأجيال، وليس الاكتفاء بإعادة تدوير الأغنيات الأكثر شهرة.
وعند انتقال الأغنية من سياقها الأصلي إلى أداء علي الحجار وتوزيع عمر خيرت، يرى عطية أن الحجار لن يقدم الأصل بصورته الأولى، لأنه يمتلك أسلوبه وشخصيته المستقلة. ويشير إلى تجارب سابقة للحجار في إعادة تقديم "داري العيون" و"جفنه علم الغزل" في ألبوماته الخاصة، معتبرا أنها كانت مجازفة فنية في وقت كانت الأغنية المصرية تتجه خلاله إلى شكل مختلف.
إعلان
وبحسب عطية، فإن وجود التسجيل الأصلي يحافظ دائما على هوية العمل في ذاكرة الجمهور، وهو ما يجعل إعادة تقديمه برؤية مختلفة أمرا لا يلغي الأصل. ويستشهد بأغاني أم كلثوم التي ما زالت تقدم بصوتها في الإذاعة، وفي الوقت نفسه يعيد مطربون آخرون تقديمها برؤى مختلفة على المسارح العربية، وهو ما يراه أحد أسرار استمرار هذه الأغنيات وقدرتها على جذب المستمع سواء سمعها بصوت أم كلثوم أو بصوت مطرب آخر.
ويؤكد عطية في النهاية أن نجاح "100 سنة غنا" يرتبط بقدرته على منح كل فنان قديم مؤثر حقه من الاهتمام، وليس فقط إعادة تقديم الأعمال الأكثر انتشارا. ويرى أن المشروع سيكون أكثر أهمية إذا ابتعد عن الشائع في تراث ملحنين مثل عبد الوهاب ومحمد الموجي وكمال الطويل ومحمد فوزي وفريد الأطرش، واتجه إلى الغوص في تراثهم بشكل أعمق، إلى جانب تقديم أعمال وأسماء أخرى كان لها دور أساسي في تطور الأغنية المصرية والعربية.
بدوره يرى الناقد الموسيقي محمد الأسواني أن تقديم الأغاني القديمة وإحياء أعمال الملحنين والمطربين الراحلين في الحفلات ليس اتجاها جديدا، إذ تقدم هذه التجارب بالفعل في حفلات عدد من المطربين الحاليين، لكن وجود عمر خيرت في مشروع "100 سنة غنا" يمنحه، بحسب رأيه، جانبا جديدا ودرجة أكبر من الجدية.
ويؤكد الأسواني أن الأهم ألا يظل المشروع مقتصرا على الحفلات، وإنما يمتد إلى تسجيل الأغاني القديمة، خصوصا غير الشهيرة منها، في نسخ صوتية عصرية وجديدة، بما يسمح بإعادة تقديم هذا التراث إلى الجمهور بشكل يمكنه من الاستماع إليه خارج إطار الحفل.
ويرى أن مختلف فئات المستمعين يمكن أن تستمتع بنسخ جديدة من التراث الغنائي المصري، لكن إذا كان الهدف الأساسي هو تعريف الأجيال الجديدة بهذه الأعمال، فمن الأفضل أن يشارك الفنانون الشباب في هذه المهمة، وأن يقدموا الأغاني بوجهة نظرهم وأساليبهم الفنية الحالية، وهو ما قد يجعلها أكثر اتصالا بالجمهور الجديد، خاصة أن علي الحجار وعمر خيرت ينتميان، إلى حد ما، إلى المدرسة الكلاسيكية.
التراث بين الحفاظ والتجديدويشير الأسواني إلى أن الحفاظ على روح العمل القديم لا يرتبط بالتوزيع الموسيقي وحده، وإنما يمكن أن تكون الروح موجودة في الكلمات أو اللحن أو طريقة الأداء وغيرها من عناصر الأغنية، كما أن تعريف هذه الروح يختلف من مستمع إلى آخر ومن فنان إلى آخر.
لذلك، يرى أن التعامل مع التراث يجب أن يجمع بين احترامه والحرية الفنية في التجريب والتعديل والإضافة، مع منح الفنان مساحة لوضع أسلوبه ورؤيته الخاصة، سواء في التوزيع الموسيقي أو طريقة الأداء. ويؤكد أن التراث يحتاج إلى أن يقدم بروح العصر الحالي، وأن يندمج مع الأغاني والأصوات الجديدة، لأن ذلك هو ما يجعله حاضرا وقابلا للاستمرار، بدلا من التعامل معه باعتباره "أثرا" يجب الحفاظ عليه في صورة ثابتة.
ويشدد الأسواني كذلك على أهمية وجود قدر من الجرأة في تناول التراث، موضحا أن إعادة تقديم الأعمال القديمة بصيغ جديدة قد تدفع الجمهور في النهاية إلى العودة إلى التسجيلات الأصلية والاستماع إليها ومقارنتها بالنسخ الجديدة. وفي كل الأحوال، يرى أن روح العمل يمكن أن تظل موجودة حتى مع اختلاف طريقة تقديمه.
أما عن مشاركة عمر خيرت، فيعتبرها الأسواني إضافة لأي مشروع موسيقي، مشيرا إلى الحاجة إلى مزيد من السياقات التي تتيح للجمهور الاستمتاع بأعمال المؤلفين الموسيقيين الكبار. وفي الوقت نفسه، يتمنى أن تمتد التجربة إلى تعاونات تجمع عمر خيرت بالفنانين الشباب، إلى جانب تعاونه مع علي الحجار وغيره من الفنانين الكبار.
ويرى أن الجمع بين المدارس الفنية المختلفة يمكن أن يثري الساحة الفنية بتجارب جديدة وغير مألوفة، كما يمنح الجمهور فرصة للاستماع إلى التراث والموسيقى من زوايا مختلفة.
إعلان
إقرأ المزيد


