سقوط علي الطاهر: انكفاء حزب الله أم مقامرة جديدة؟
سكاي نيوز عربية -

ذلك الموقع الاستراتيجي الذي رفض الحزب تسليمه للجيش اللبناني قبل اليوم، تحوّل بين ليلة وضحاها إلى ساحةٍ مكشوفة تحت النيران الإسرائيلية، وإلى سؤالٍ محرجٍ عن حدود القرار اللبناني المستقل.

فإذا كان الإسرائيلي ما زال فوق التلة أو انسحب وأوقعها تحت نيرانه، فماذا بقي من السيادة؟ وماذا يقول الحزب؟ وكيف يقرأ الباحثون السياسيون هذه اللحظة المفصلية؟
في حديثهما إلى برنامج "رادار" على سكاي نيوز عربية، رسم الكاتب والباحث السياسي علي سبيتي والباحث السياسي مكرم رباح صورتين متباينتين لما جرى في علي الطاهر.

لكنهما اتفقا في نقطة واحدة: أن ما حدث هناك ليس حدثا عسكريا عابرا، بل مؤشرٌ على تحوّلٍ أعمق في بنية القوة والتفكير السياسي في لبنان. فماذا قالا؟ وإلى أين يشير هذا التحوّل؟

يقرأ علي سبيتي خسارة تلة علي الطاهر بوصفها كاشفةً لتراجع نفوذ حزب الله أمام إسرائيل.

فالحزب، برأيه، "انكفأ كمعادل لإسرائيل أو مواجه لها أو كقوة ردع"، وتحوّل إلى "قوة داخلية في لبنان، ممسكة بالقرار السياسي وبطبيعة اللعبة وبالتوازنات الداخلية". هذا التحوّل هو ما يعتبره الحزب "فوزاً ومكسباً وقوة ونفوذاً"، وهو ما يدفعه إلى بذل جهدٍ للحفاظ عليه، لا إلى خوض مواجهات عسكرية مفتوحة.

لكن سبيتي لا يتوقف عند حدود الحزب وحده. فالمشكلة، في تحليله، ليست في حزب الله بقدر ما هي في "الشركاء" الذين "يدعمون هذا المسار".

ويشير إلى أن الرئيس نبيه بري "ينعي الجنوب" وكأنه "أي مواطن في لبنان"، وهو موقفٌ — كما يرى — "لا يعكس حجم ودور الرئيس نبيه بري الذي إذا ما أراد أن يقول للشيء في لبنان كن فيكون".

ويرصد سبيتي مشهدا لبنانيا أوسع: "خطابان لم ينفذا"، و"مقررات حكومية لم ينفذ منها شيء"، و"قوة خرجت للتو من الكهف بعد أن كانت نائمة لسنين طويلة" تقف إلى جانب حزب الله وترفض الاتفاق الذي أبرمه رئيس الجمهورية.

ويخلص إلى أن "البنية السياسية سواء داخل الحكومة وخارجها" هي ما يعزز من موقف الحزب، الذي يستمد قوته "من خلال هذه التحالفات ومن هذه الشبكات السياسية ومن خلال هذه المروحة الواسعة، سواء داخل المجلس النيابي أو داخل المجلس الحكومي أو الشارع".

وفي ما يتعلق بمسألة تسليم التلة للجيش اللبناني، يكشف سبيتي عن معضلةٍ أعمق: إسرائيل نفسها "تشكك بالجيش اللبناني" وتعتبره "الصنو الأساسي لحزب الله".

ويستشهد ببيان قيادة الجيش الذي أكد أن وجوده في النبطية "ليس ضمن خطة"، بل هو وجودٌ "عادي وليس طارئاً"، مما "حرر نفسه من أي التزام كخطة من أجل السيطرة أمنياً على مدينة النبطية". ويضيف أن الأميركيين أنفسهم يصرّحون بأن "هذه الدولة عاجزة، وهذه السلطة عاجزة، ولا تريد أن تبني شيئاً في لبنان".

أما عن قرار الحزب، فيجزم سبيتي بأنه "إيراني"، وأن ما جرى في علي الطاهر كان جزءاً من "صفقة تمت بين إيران والولايات المتحدة الأميركية"، تم بموجبها تسليم الموقع، و"تحرير أميركا الجميع من الالتزامات"، و"تحرير إسرائيل من الرد على الرد الإيراني". ويخلص إلى أن حزب الله "حامل أسلحة بترخيص إيراني ".

المقامرة بدماء اللبنانيين وقرارٌ في طهران

على الضفة الأخرى، يرفض مكرم رباح مقولة "الرهان" من الأساس، "حزب الله لا يراهن، حزب الله يقامر بدماء اللبنانيين وبركام الضيع والمدن اللبنانية التي دُمّرت بسبب دخوله في حرب إيران"، يقول رباح بحدّة.

ويشير إلى أن الحزب "يستفيد من حماية الدولة ومن السلاح الأهلي"، وأن أي محاولة ردعية ضد "مغامراته وانتحاراته المستمرة" ستُقابل بالسلاح والقوة، "كما فعل في 7 أيار وعندما جرّب أن يعتدي على اللبنانيين في عين الرمانة".

ويوجّه رباح نقداً مباشراً للرئيس نبيه بري، الذي "فشل فشلاً ذريعاً في أن يقنع حلفاءه في حزب الله بعدم الدخول إلى الحرب الثانية"، بل ذهب إلى حد "استجلاب القرار 1701 الذي فعلياً أعطاهم غطاء". لكنه يعود ليؤكد أن "قرار حزب الله موجود في طهران وليس في علي الطاهر".
ويعتبر رباح أن ما جرى في علي الطاهر "تذكير إضافي بأن الهزائم المتوالية لهذا المحور الإيراني ستكون على حساب الشعب اللبناني والشيعة منهم بالتحديد".

وهنا يختلف مع سبيتي: "أنا لا أتفق مع علي بأن هذا الموضوع وصل أو استشعر به أهل الجنوب. أنا كلبناني أحسست بالإهانة الكبيرة. الإهانة الكبيرة بأن حزب الله فضّل أن يدمر جنوب لبنان وأن يدمر علي الطاهر ولم يعطِ هذا الموقع للجيش اللبناني".

ويخلص رباح إلى أن "حزب الله لا يكترث لدماء اللبنانيين وهو مستعد أن يموت فداءً لشخص في طهران"، داعياً إلى "مواجهة بالسياسة وعدم الرهان على عقلية ميليشيا تأتمر من إيران".

يعود رباح ليتناول مسألة الجيش اللبناني من زاوية مختلفة. فالتشكيك بالجيش "لا يأتي من إسرائيل فقط"، بل هو أيضاً نتاج "تصريحات سياسية" يصدرها قائد الجيش، وهو ما يعتبره رباح "تعدياً على الدستور" و"ترديداً لسردية حزب الله".

ويطرح سؤالاً جوهرياً: "إذا كان هذا التنظيم تنظيم إيراني، فهناك واجب شرعي دستوري أن يقوم به قائد الجيش ورئيس الجمهورية بالاشتباك مع هذا التنظيم".

لكنه يعود ليذكّر بأن "الدولة اللبنانية قررت بشكل رسمي الذهاب إلى المفاوضات"، وأن رئيس الجمهورية "ذهب إلى البيت الأبيض وتعاهد مع دونالد ترامب"، وأن الرئيس نبيه بري "أكد لنا أمام الكل بأنه شخص وطني ويريد مصلحة الجنوب". ثم يسأل: "هل مصلحة الجنوب هو السماح لحزب الله بأن يحفروا في منطقة جزين؟.لياكد خلال حديثه ان ما يقوم به الآن حزب الله هو نقل المعركة إلى مكان آخر هي جريمة مستمرة بحق أهل الجنوب".



إقرأ المزيد