الجزيرة.نت - 9/11/2026 10:07:11 PM - GMT (+3 )
على مدى سنوات نجحت تانيا هيد في أن تسوق نفسها شخصية حقيقية ارتبطت بإحدى القصص المؤثرة عن هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، شخصية ذُرفت من أجلها الدموع وحظيت بالتكريم أينما حلت، بل إنها نُصبت رئيسة لـ"جمعية الناجين من الهجمات".
ورغم مرور ربع قرن، لا تزال الهجمات تثير من حولها رواياتٍ بعضها موثق والبعض الآخر قيد التحقيق فيما كثير منها أيضا من نسج الخيال والإشاعة.
لكن الفتاة الإسبانية أليسيا إستيف التي انتحلت شخصية "تانيا هيد"، تمكنت من ترسيخ قصتها لمدة 6 سنوات كاملة دون أن تثير شكوكا عن مدى صحتها، لتتحول مع كل ذكرى للهجمات إلى "ترند" في الصحافة الدولية.
وسبب الإثارة أن تانيا هيد ادعت أنها كانت واحدة من بين 18 شخصا نجوا من الطابق الـ78 في البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي، وهي المنطقة الواقعة فوق نقطة اصطدام الطائرة الثانية بالمبنى في 11 سبتمبر/أيلول 2001.
ومن بين تفاصيل القصة التي سوقت لها هيد وتناقلتها تقارير دولية، أنها كانت مخطوبة لديفيد سكوت سواريز، الموظف بشركة "ديلويت" الذي لقي حتفه في الهجوم، لتبلغ الإثارة ذروتها مع ادعائها بأن رجلا يحتضر سلمها خاتم زواجه لتسليمه لأرملته، وأن شخصا آخر متطوعا كانت ملابسه تشتعل بالنيران ساعدها على النزول عبر السلالم.
بهذه التفاصيل المحبكة تحولت تانيا الى بطلة الناجين من هجمات 11 سبتمبر، لينتهى بها المطاف رئيسة لـ"جمعية الناجين من مركز التجارة العالمي" وإلى لقاء تكريمي مع عمدة نيويورك آنذاك رودي جولياني.
انكشاف الحقيقةأمكن لقصة تانيا أن تصمد حتى عام 2007، قبل أن يكشف زيفها تحقيق لصحيفة نيويورك تايمز قاده الصحفيان ديفيد دنلاب وسيرج كوفاليسكي، بعد أن ساورتهما شكوكا بوجود تضارب في بعض التفاصيل.
وبخلاف اسمها الحقيقي أليسيا إستيف، توصل التحقيق إلى أن تانيا كانت تزاول دراسة الماجيستير في مدينتها برشلونة في إسبانيا يوم وقوع الهجوم ولم يسبق لها أن زارت برجي مركز التجارة العالمي. كما لم تذكر عائلة ديفيد سكوت أو شركته للصحفيين، وجود أي خطوبة له أو علاقة مع تانيا.
إعلان
وبعد نحو 25 عاما عن الهجمات، أعاد المخرج الإسباني كيكي مايلو قصة تانيا هيد إلى الواجهة عبر فيلم وثائقي يحمل عنوان "الناجية"، حاول من خلاله إعادة تشكيل الأحداث استنادا إلى مصادر أخرى مباشرة وقريبة من هيد في الولايات المتحدة.
وتعيد القصة إلى الأذهان قضية "إنريك ماركو"، وهو كتالوني انتحل صفة ناج من معسكر الاعتقال النازي فلوسنبرغ وقد تولى أيضا رئاسة "رابطة ماوتهاوزن" قبل أن يُكشف أمره.
ويقول تقرير لـ"يورونيوز" الإسبانية، أن الفيلم الوثائقي لا يسعى إلى تتبع أثر أليسيا إستيف في الوقت الراهن بقدر ما يسعى لفهم كيف تمكنت على مدى 6 سنوات ودون إثارة أي شكوك، من الحفاظ على هوية مختلقة بالكامل وادعاء صدمة نفسية ملفقة تماما.
مع ذلك يتغافل السؤال عن احتمال آخر أوسع نطاقا. فماذا لو كانت تانيا هيد مجرد قصة من بين عدة قصص أخرى ملفقة مرتبطة بأحداث 11 سبتمبر/أيلول؟
حتى اليوم تستمر جهود السلطات في تحديد هويات جميع الضحايا الذين سقطوا في الهجوم باستخدام علم الأنساب الجيني، وهي تقنية تجمع بين تحليل الحمض النووي والبحث في سجلات الأنساب وشجرات العائلات.
مكنت هذه الجهود من التعرف على 1654 شخصا، في حين لا تزال هوية نحو 1100 ضحية غير محددة، أي ما يقارب 40% من إجمالي الضحايا البالغ عددهم رسميا 2977 باستثناء الـ19 الخاطفين.
لكن على الجانب الآخر لم تكن هناك آلية تدقيق واضحة لحصر أعداد الناجين أو من كانوا حاضرين ببرجي مركز التجارة العالمي يوم الهجوم، حيث قدرت التقارير في أغلبها وجود ما بين 17 إلى 18 ألف شخص، علما أن طاقة استيعاب الحضور قد تصل في أقصاها إلى 50 ألف شخص.
ويفتح هذا الباب أمام إمكانية افتعال أكثر من رواية كما يرسخ جانبا إضافيا من الغموض بشأن الأحداث التي رافقت الهجمات والحقائق التي تم التسويق لها.
وعلى سبيل المثال طال الغموض والإشاعات، لعدة سنوات بعد الهجوم الجوانب التالية وفق تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية:
- جماعات ناشطة، مثل "حركة الحقيقة حول أحداث 11 سبتمبر"، تقول إن الحقائق قد تم إخفاؤها وهي من بين مؤيدي "نظرية المؤامرة".
- الادعاء بأن وقود الطائرات لا يذيب عوارض الصلب في البرجين لكن التحقيقات أشارت الى التأثير الهائل لقوة التفجير على أعمدة الدعم ودرجة الحرارة الفائقة التي وصلت إلى ألف درجة التي تسببت في انحناء الأعمدة وانهيار البرجين في نهاية المطاف.
- انهيار ناطحة سحاب قرب البرجين التوأمين دون أن تصيبها طائرة لكن التحقيقات أشارت لاحقا الى أسباب ترتبط بحرائق غير مسيطر عليها، لتكون بذلك أول ناطحة سحاب تنهار بسبب حريق.
لكن بعيدا عن نظريات المؤامرة يقول عمدة نيويورك زهران ممداني إن ما حدث يوم 11 سبتمبر/أيلول لا يزال يؤثر في حياة الناس حتى اليوم مع إقراره بتسجيل آلاف الوفيات المرتبطة بمخلفات الغبار والمواد السامة التي خلفتها الهجمات وظلت عالقة في الهواء لعدة أسابيع، حيث يقدر عددهم بنحو 9400 حالة وفاة حتى اليوم وفق وثائق طرحها فريقه مؤخرا، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف ضحايا الهجوم، عدا أعداد المرضى.
إعلان
والأخطر من القصص الملفقة ونظريات المؤامرة غير المثبتة، أن ممداني وجه اتهامات مباشرة لأسلافه من المسؤولين في نيويورك بالتستر على خطورة المواد التي خلفتها الهجمات على صحة الناس لكن مع ذلك أصروا على عودة الحياة الى طبيعتها واستئناف الأعمال في المنطقة المنكوبة.
ووفق تقرير نشرته صحيفة "لوموند"، فإنه من المتوقع أن يطرح الفريق المساعد لممداني خلال الأشهر المقبلة المزيد من الوثائق لكشف دور الإدارة فيما سماه بـ"الفضيحة الصحية" بعد هجمات 11 سبتمبر، وهي قصة لا يبدو أن أثرها سيتوقف عند هذا الحد.
إقرأ المزيد


