سكاي نيوز عربية - 9/11/2026 10:13:13 AM - GMT (+3 )

وجاءت المائدة المستديرة، التي نظمها "ائتلاف السودان" الأربعاء الماضي تحت عنوان "الجغرافيا السياسية للنزاع المسلح في السودان: دور الفاعلين الداخليين والخارجيين"، على هامش مناقشة مجلس حقوق الإنسان في جنيف نتائج بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان.
وشارك في النقاش، الذي بُث مباشرة، غسان بو دياب، المدير التنفيذي لمركز "ديموكراتيا" للبحوث والدراسات الاستراتيجية في واشنطن، وإليسا مبيزا، مسؤولة الشراكات في منظمة نساء أفريقيا للتضامن، إلى جانب القيادي في تحالف القوى المدنية الديمقراطية السودانية "صمود" خالد عمر يوسف، ورئيس مركز السودان للمعرفة في جنيف عبد الباقي جبريل. وأدار الجلسة أستاذ القانون الدولي بجامعة جنيف غيسلان باتريك ليسين.
حرب سودانية بأدوات دولية
انطلق النقاش من فرضية أساسية مفادها أن جذور الحرب داخلية، وترتبط بتعدد مراكز القوة المسلحة، وفشل بناء جيش وطني موحد، وتسييس مؤسسات الدولة، والصراع على السلطة والموارد، لكن استمرار القتال واتساع قدرته التدميرية أصبحا مرتبطين، إلى حد بعيد، بالتدخل الخارجي.
وقال غسان بو دياب إن دخول الأسلحة والمقاتلين والتكنولوجيا العسكرية وشبكات الإمداد حول النزاع السوداني إلى حرب ذات أبعاد دولية، معتبراً أن أي استراتيجية لإنهائها يجب ألا تقوم على اختيار منتصر عسكري أو مساعدة أحد الطرفين على حسمها بالقوة.
وأوضح أن تحقيق تقدم عسكري لأي من الطرفين لن يعالج الأسباب السياسية التي أنتجت الحرب، وفي مقدمتها تعدد التشكيلات المسلحة، وانقسام مؤسسات الدولة، وشبكات المصالح الاقتصادية والأيديولوجية، والتدخلات الإقليمية والدولية.
وطرح بو دياب 5 محاور قال إنها ينبغي أن تشكل أساساً للتحرك الدولي:
- وقف إطلاق النار.
- استخدام أدوات الضغط.
- حماية سيادة السودان.
- تحقيق المساءلة.
- الانتقال إلى حكم مدني.
وشدد على أن مفهوم "السلام من خلال القوة" يجب أن يعني رفع كلفة استمرار الحرب سياسياً ومالياً، لا ترجيح كفة عسكرية على أخرى.
ودعا إلى قطع تدفقات السلاح، واستهداف شبكات التمويل والتجنيد والإمداد، وإدراج العقوبات ضمن استراتيجية دبلوماسية متكاملة، بدلاً من استخدامها بوصفها إجراءات منفصلة لا تقود إلى تسوية سياسية.
تدخلات خارجية وإدانة انتقائية
وحذر المشاركون من تحول السودان، بموقعه المطل على البحر الأحمر وارتباطه بالقرن الأفريقي والساحل وشمال أفريقيا، إلى ساحة مفتوحة للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية.
وقال بو دياب إن على المجتمع الدولي تطبيق معيار واحد على جميع الجهات الخارجية، ومنع استخدام الموانئ والأراضي والمؤسسات السودانية لخدمة الاستراتيجيات العسكرية لدول أخرى، مشيراً إلى خطورة الوجود الإيراني في بورتسودان وعلى سواحل البحر الأحمر، ومعتبراً أن انخراط أي دولة في جهود السلام يفترض ألا تكون، في الوقت نفسه، طرفاً داعماً للعمليات القتالية.
ورفض أكثر من متحدث خلال المناقشات ما وصفوه بـ"الإدانة الانتقائية" للتدخلات الخارجية، مؤكدين أن أكثر من 12 دولة منخرطة في الحرب السودانية. واعتبروا أن تركيز الخطاب السياسي والإعلامي على جهة واحدة لا يقدم صورة مكتملة عن شبكات الدعم التي تغذي طرفي النزاع.
وطالب عبد الباقي جبريل بإخضاع جميع الأطراف الخارجية المتورطة في الحرب السودانية للمعيار نفسه، وتحديد أدوارها استناداً إلى الأدلة، بما يشمل التسليح والتمويل والتدريب والنقل والدعم السياسي والدبلوماسي.
وقال خالد عمر يوسف إن التعامل الانتقائي مع الانتهاكات أو الجهات الخارجية تحركه، في حالات كثيرة، مصالح سياسية ضيقة، ولا يساعد السودانيين على وقف الحرب. ودعا إلى كشف جميع الشبكات التي توفر السلاح والموارد لطرفي النزاع ومحاسبتها من دون استثناء.
الموارد وقوداً للحرب
وخصص جبريل جانباً من مداخلته للأبعاد الاقتصادية، معتبراً أن الحرب أصبحت مرتبطة بنهب الموارد الطبيعية والأصول الخاصة والعامة، وفي مقدمتها الذهب.
وأشار إلى أن انهيار مؤسسات الدولة وضعف الرقابة على عمليات الإنتاج والتصدير يتيحان انتقال الموارد عبر شبكات موازية، بينما يتعرض المواطنون والمصانع والمنشآت العامة للنهب والتدمير.
وربط جبريل انتشار عمليات السلب داخل مناطق القتال أيضاً بتدهور أوضاع الجنود والمقاتلين، وعدم حصول أعداد منهم على رواتب منتظمة أو كافية، ما يحول حمل السلاح إلى وسيلة للحصول على الأموال والممتلكات. لكنه شدد على أن حجم تدمير المصانع وشبكات الكهرباء والبنية التحتية يتجاوز الجرائم الفردية، ويستدعي تحقيقاً مستقلاً في الجهات التي استفادت منه أو خططت له.
وحذر من أن الانهيار المتسارع للعملة، وتراجع الإنتاج، وتدمير البنية التحتية، تضع السودان على حافة انهيار اقتصادي شامل، بينما ستكون كلفة إعادة الإعمار أكبر من قدرة الدولة بعد توقف الحرب.
وطالب بعثة تقصي الحقائق بإيلاء الاهتمام للجرائم الاقتصادية وتدمير المنشآت ونهب الموارد، وعدم حصر التحقيقات في الانتهاكات العسكرية المباشرة، لأن تدمير مقومات الحياة والإنتاج يحمل آثاراً طويلة المدى على حقوق ملايين السودانيين.
الكيماوي ومطلب التحقيق المستقل
وظهر ملف استخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيميائية ضمن أكثر محاور الجلسة حساسية، في ظل العقوبات الأميركية المفروضة على السودان والتقارير الأخيرة المتعلقة باستخدام الجيش مواد كيميائية خلال الحرب.
واستعرض خالد عمر يوسف ما جاء في التقارير الأخيرة التي تحدثت عن تورط قائد الجيش في استخدام السلاح الكيميائي، ودعا إلى تمكين جهة دولية مختصة، وعلى رأسها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، من الوصول إلى وإجراء تحقيق فني ميداني يعتمد على المواقع والعينات والوثائق والشهود.
وقال جبريل إن التقرير الذي أعدته "لجنة وطنية سودانية" تقرير سياسي لا يوفر، وفق تقييمه وتقييم خبراء اطلعوا عليه، العناصر الفنية الكافية لحسم الاتهامات، مؤكداً أن المطلوب ليس استبدال رواية سياسية بأخرى، وإنما الوصول إلى نتيجة موثوقة تصدر عن جهة تمتلك التفويض والخبرة الفنية.
فيما أشار بو دياب إلى أن التواصل الدولي مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان لا يمثل اعترافاً به رئيساً منتخباً أو رفعاً للعقوبات، بل يأتي ضمن دبلوماسية إدارة النزاع والبحث عن وقف لإطلاق النار وضمان وصول المساعدات.
أزمة الشرعية وخطر التقسيم
وقال خالد عمر إن السودان يعيش بالفعل حالة من التقسيم الفعلي، مع وجود سلطات ومؤسسات ومناطق نفوذ متنافسة، محذراً من أن استمرار الجمود العسكري والسياسي قد يحول هذا الواقع المؤقت إلى تفكك دائم.
ورفض الطرح القائل إن حماية الدولة تستوجب الانحياز إلى المؤسسة العسكرية بصورتها الراهنة، معتبراً أن مؤسسات الدولة كافة، بما فيها الجيش نفسه، تعرضت على مدى عقود للاختطاف والتسييس من جانب شبكات الحركة الإسلامية السودانية.
وأكد أن حماية السودان تتطلب وقف الحرب وإعادة بناء دولة موحدة على أسس جديدة تخدم المواطنين، لا الجنرالات أو الجماعات السياسية والعقائدية. كما دعا إلى حماية المدنيين من الانتهاكات، بصرف النظر عما إذا كان مرتكبها جهة رسمية أو قوة غير حكومية.
وأوضح أن القوى المدنية المناهضة للحرب تعمل على نزع الشرعية السياسية عن استمرار القتال، وتوحيد المدنيين، ومواجهة المعلومات المضللة، والدفع نحو مستقبل ديمقراطي. وقال إن المدنيين لا يمتلكون السلاح، لكن قوتهم تتمثل في التنظيم الشعبي، والتمسك بحقوق الإنسان وسيادة القانون، ورفض الحروب والانقلابات.
المجتمع المدني في قلب التسوية
وتناولت إليسا مبيزا أهمية تأسيس "ائتلاف السودان" ودوره في الدعم والمناصرة، مشددة على ضرورة عدم اختزال مستقبل السودان في المفاوضات بين حاملي السلاح.
ونوهت كذلك إلى أهمية بناء شبكة أفريقية أوسع لدعم المجتمع المدني السوداني، وإشراك النساء والضحايا والنازحين والفاعلين المحليين في جهود السلام والمساءلة، بدلاً من التعامل معهم بوصفهم متلقين للمساعدات أو شهوداً على الانتهاكات فقط.
ووجه المشاركون انتقادات إلى محدودية أداء المؤسسات الأفريقية، داعين الاتحاد الأفريقي إلى تبني موقف أكثر وضوحاً في رفض الحسم العسكري، والضغط لوقف إمدادات السلاح، وحماية حق السودانيين في اختيار سلطة مدنية شرعية.
وأظهر نقاش جنيف أن إنهاء الحرب السودانية يتطلب معالجة مسارين متلازمين: تفكيك البنية الداخلية التي سمحت بتعدد الجيوش واختطاف الدولة، ووقف الشبكات الخارجية التي تمد القتال بالسلاح والمال والغطاء السياسي. ومن دون وقف هذه التدفقات، وإجراء تحقيق مستقل في الانتهاكات، وإطلاق عملية سياسية تضع المدنيين في مركزها، ستظل أي هدنة مؤقتة مجرد استراحة داخل حرب تتجاوز حدود السودان، بينما يتحمل شعبه وحده كلفتها المتصاعدة.
إقرأ المزيد


