الجزيرة.نت - 9/11/2026 10:12:31 AM - GMT (+3 )
قد يبدأ الأمر بإحساس عابر بانسداد الأذن أو ضغط داخلها، وربما طنين مفاجئ يدفع المصاب إلى الاعتقاد بأن السبب مجرد تراكم للشمع أو حساسية أو احتقان. لكن خلف هذه الأعراض البسيطة ظاهريا قد تختبئ حالة طبية طارئة تعرف باسم فقدان السمع الحسي العصبي المفاجئ، وغالبا ما تصيب أذنا واحدة.
وتبقى أسباب نحو 90% من حالات هذا المرض غير معروفة، في حين تشير التقديرات إلى تسجيل نحو 66 ألف إصابة سنويا في الولايات المتحدة وحدها.
وبحسب المعهد الوطني الأمريكي للصمم واضطرابات التواصل، فإن تشابه الأعراض مع مشكلات شائعة -مثل شمع الأذن أو الاحتقان- قد يدفع المرضى، وأحيانا الأطباء، إلى التقليل من خطورة الحالة، مما يؤدي إلى تأخر التشخيص وبدء العلاج.
وهنا تكمن خطورة فقدان السمع المفاجئ، إذ يؤكد المتخصصون أنه حالة طبية طارئة تتطلب تقييما دقيقا وسريعا، خصوصا خلال الأيام السبعة الأولى، حيث تزداد فرص استعادة السمع لدى من يتلقون العلاج مبكرا بنحو 5 مرات مقارنة بمن يتأخرون في تلقيه.
ويُعد طنين الأذن أيضا من العلامات الشائعة المصاحبة للحالة، إذ يظهر لدى ما بين 80% و90% من المصابين، ويُعتقد أن الدماغ قد يحاول تعويض الإشارات السمعية المفقودة عن طريق توليد أصوات داخلية.
وللتعرف بصورة أعمق على طبيعة المرض وأسباب اعتباره حالة طبية طارئة، وأهمية التشخيص والتدخل المبكر، تحدثت الجزيرة نت إلى الدكتور عفت عبد الفتاح استشاري أمراض الأنف والأذن والحنجرة.
يقول الدكتور عفت إن عملية السمع تعتمد على منظومة شديدة الدقة تبدأ بالأذن الخارجية، ثم تمر بالأذن الوسطى، وتنتهي بالأذن الداخلية والعصب السمعي المسؤول عن نقل الإشارات العصبية إلى الدماغ.
وأي خلل يصيب أحد أجزاء هذه المنظومة قد يؤدي إلى ضعف السمع أو فقدانه بدرجات متفاوتة.
إعلان
ويصنف فقدان السمع بصورة رئيسية إلى نوعين: فقدان السمع التوصيلي، وفقدان السمع العصبي الحسي، وقد يجتمع النوعان لدى المريض فيما يعرف بفقدان السمع المختلط.
فقدان السمع التوصيلييحدث فقدان السمع التوصيلي نتيجة مشكلة في الأذن الخارجية أو الوسطى تعيق انتقال الموجات الصوتية بصورة طبيعية إلى الأذن الداخلية.
ومن أبرز أسبابه:
- انسداد قناة السمع بالشمع.
- التهابات الأذن الوسطى.
- ثقب طبلة الأذن.
- اضطرابات عظيمات السمع.
أما فقدان السمع العصبي الحسي فينتج عن خلل أو تلف يصيب الخلايا السمعية الدقيقة داخل القوقعة أو العصب السمعي.
وقد يرتبط هذا النوع بعدة عوامل، من بينها التقدم في العمر، والتعرض المزمن للضوضاء، وبعض الأمراض والعوامل الوراثية، إلى جانب استخدام أدوية قد تكون لها تأثيرات ضارة في السمع.
وبحسب الدكتور عفت، يحتاج هذا النوع إلى تقييم سمعي وطبي شامل لتحديد درجته ومدى تأثيره في قدرة الشخص على التواصل، وقد تساعد السماعات الطبية في بعض الحالات. بينما قد تكون زراعة القوقعة خيارا في حالات أخرى، وفقا لطبيعة فقدان السمع واحتياجات المريض.
يوضح الدكتور عفت أن فقدان السمع الحسي العصبي المفاجئ يصنف حالة طبية طارئة، لأنه ينجم عن تراجع سريع في وظيفة الأذن الداخلية، ولا سيما القوقعة أو المسار السمعي، ولذلك تعد سرعة التشخيص وبدء العلاج من أهم عناصر التعامل معه.
ويُطلق عليه وصف "المفاجئ" لأنه يحدث خلال فترة زمنية قصيرة جدا. ويشير التعريف الطبي التقليدي إلى انخفاض حسي عصبي في السمع بمقدار 30 ديسيبيلا أو أكثر عبر 3 ترددات متجاورة خلال 72 ساعة أو أقل.
لكن الدكتور عفت يشدد على أن هذه الأرقام تستخدم لتعريف الحالة طبيا، ولا تعني أن على المريض الانتظار 72 ساعة قبل طلب المساعدة. ويقول "إذا لاحظ الشخص فقدانا واضحا ومفاجئا في السمع، خصوصا في أذن واحدة، فمن الأفضل مراجعة الطبيب في أسرع وقت".
هل تلعب الوراثة دورا؟وعن ارتباط المرض بالعوامل الوراثية، يوضح الدكتور عفت أن معظم حالات فقدان السمع المفاجئ لا تعد مرضا وراثيا مباشرا ينتقل من الأب أو الأم إلى الأبناء.
وتوجد أبحاث تبحث في احتمال وجود استعدادات جينية تجعل بعض الأشخاص أكثر عرضة للإصابة، لكن ذلك يختلف عن اعتبار المرض وراثيا في حد ذاته.
هل أصبحت الحالات أكثر انتشارا؟أما بشأن الحديث عن تزايد أعداد المصابين، فيحذر الدكتور عفت من الجزم بارتفاع معدل حدوث المرض من دون وجود بيانات وبائية قوية ومتسقة تؤكد ذلك.
ويرى أن الزيادة الملحوظة في الحالات التي يتم تشخيصها قد تعكس جزئيا تحسن اكتشاف المرض والإبلاغ عنه، نتيجة ارتفاع الوعي وتوافر فحوصات قياس السمع وسهولة الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية.
وفي المقابل، لا يزال بعض المرضى لا يصلون إلى التشخيص من الأساس، خاصة عندما يعتقدون أن ما يعانون منه مجرد شمع أو انسداد مؤقت في الأذن.
ولذلك، فإن زيادة عدد الحالات المشخصة لا تعني بالضرورة أن معدل حدوث المرض في المجتمع قد ارتفع بالفعل.
أسباب محتملةولا يوجد حتى الآن سبب واحد مؤكد يمكنه تفسير معظم حالات فقدان السمع الحسي العصبي المفاجئ، وإنما يطرح الأطباء عددا من الفرضيات المحتملة، من بينها:
إعلان
- الآليات الالتهابية أو المناعية.
- اضطرابات الدورة الدموية الدقيقة داخل القوقعة.
- بعض العوامل الفيروسية.
لكن أيا من هذه التفسيرات لا ينطبق على جميع المرضى، ولذلك تصنف نسبة كبيرة من الحالات تحت مسمى فقدان السمع الحسي العصبي المفاجئ مجهول السبب.
ويؤكد الدكتور عفت أنه لا يوجد فيروس واحد يمكن اعتباره السبب المعتاد للمرض، كما لا يوجد تفسير واحد ينطبق على جميع المصابين.
ويضيف أن تصنيف الحالة باعتبارها مجهولة السبب لا يعني التقليل من خطورتها، وإنما يعني أن الطب لم يتمكن لدى ذلك المريض تحديدا من إثبات سبب واحد واضح للإصابة.
ولهذا، بحسب الدكتور عفت، لا يُنصح بإجراء مجموعة عشوائية من تحاليل الفيروسات أو المناعة لكل مريض، بل ينبغي توجيه الفحوصات وفقا للتاريخ المرضي ونتائج الفحص السريري.
قد يصيب الشباب والأصحاءومن الأخطاء الشائعة أيضا الاعتقاد بأن فقدان السمع المفاجئ يصيب كبار السن أو أصحاب الأمراض المزمنة فقط.
ويؤكد الدكتور عفت أن الحالة قد تظهر لدى الشباب والرياضيين والأشخاص الذين يتمتعون بصحة جيدة، ولا يشترط أن يكون المريض مصابا بالسكري أو ارتفاع ضغط الدم أو أحد أمراض المناعة.
وقد يكون ظهور المرض شديد المفاجأة، إذ يستيقظ الشخص صباحا ليجد أن السمع في إحدى أذنيه أصبح أضعف بصورة واضحة مقارنة باليوم السابق.
هل يمكن الوقاية منه؟يقول الدكتور عفت إنه لا توجد حتى الآن وسيلة مضمونة يمكنها منع معظم حالات فقدان السمع المفاجئ، ويرجع ذلك أساسا إلى عدم القدرة على تحديد السبب لدى نسبة كبيرة من المرضى.
لكن ذلك لا يعني إهمال الإجراءات العامة التي تساعد على حماية صحة السمع، ومن بينها:
- المحافظة على صحة الأوعية الدموية.
- السيطرة على السكري وارتفاع ضغط الدم.
- تجنب التدخين.
- حماية الأذن من الضوضاء الشديدة.
وتمثل هذه الإجراءات أهمية لصحة السمع والصحة العامة، لكنها لا توفر ضمانا يمنع الإصابة بفقدان السمع المفاجئ، ولهذا يبقى الإجراء الأكثر أهمية عند ظهور الأعراض هو عدم التأخر في التشخيص.
وعن الخيارات العلاجية المتاحة حاليا، يوضح الدكتور عفت أن الكورتيكوستيرويد يمثل العلاج الأساسي الذي يناقشه الطبيب مع المريض، ويمكن استخدامه علاجا أوليا خلال أول أسبوعين من بداية فقدان السمع المفاجئ، بعد تقييم الحالة واستبعاد الأسباب التي تتطلب علاجا مختلفا.
وإذا لم يتحقق تحسن كاف، فإن حقن الكورتيكوستيرويد داخل الأذن الوسطى يمثل خيارا مهما بوصفه علاجا إنقاذيا، وتوصي الإرشادات عادة بعرض هذا الخيار خلال فترة تتراوح بين أسبوعين و6 أسابيع من بداية الأعراض.
كما يمكن استخدام العلاج بالأكسجين عالي الضغط لدى بعض المرضى إلى جانب الكورتيزون، سواء في المرحلة المبكرة أو بوصفه علاجا إنقاذيا في بعض الحالات.
لكن الدكتور عفت يشدد على أن الأكسجين عالي الضغط ليس "علاجا سحريا" ولا يضمن استعادة السمع لدى جميع المرضى.
وفي الوقت نفسه تتجه الأبحاث الحديثة إلى تطوير وسائل أكثر كفاءة لإيصال الأدوية إلى القوقعة والاحتفاظ بها داخلها لفترات أطول، بالإضافة إلى دراسة العلاجات التجديدية والجينية والعلاجات التي تستهدف الآليات الالتهابية والوعائية.
وتوجد نتائج أولية واعدة لبعض التركيبات الدوائية الجديدة، لكن الدكتور عفت يؤكد ضرورة التفرقة بين علاج لا يزال واعدا وقيد البحث وبين علاج تحول بالفعل إلى معيار طبي مثبت.
كما يشير إلى أن بعض الأدوية التي قد تستخدم أحيانا بصورة روتينية، مثل مضادات الفيروسات أو موسعات الأوعية. ولا توصي الإرشادات الحالية باستخدامها بشكل روتيني لعلاج فقدان السمع الحسي العصبي المفاجئ.
ليس مجرد شمعوفي ختام حديثه، يشدد الدكتور عفت على أن أهم رسالة للمريض هي عدم تجاهل أي تراجع مفاجئ في السمع، وخاصة إذا حدث في أذن واحدة، وعدم افتراض أن السبب مجرد شمع أو انسداد مؤقت.
إعلان
وينصح بإجراء فحص للسمع ومراجعة طبيب الأنف والأذن والحنجرة في أسرع وقت، بدلا من الانتظار أسبوعا أو أسبوعين لمعرفة ما إذا كانت المشكلة ستختفي من تلقاء نفسها.
ورغم أن استعادة السمع ليست مضمونة في جميع الحالات، فإن التشخيص والتدخل المبكرين يمنحان المريض أفضل فرصة ممكنة لتحسين السمع.
ويقول الدكتور عفت إن فقدان السمع المفاجئ في أذن واحدة يتطلب تقييما عاجلا، وإن التشخيص المبكر والعلاج المناسب يمكن أن يحدثا فارقا جوهريا في جودة الحياة والقدرة على التواصل.
الطنين عبء يتجاوز الأذنولا تقتصر تداعيات اضطرابات السمع والطنين على القدرة على سماع الأصوات، إذ يرتبط الطنين بارتفاع معدلات عدد من المشكلات النفسية والاجتماعية، من بينها:
- الاكتئاب.
- الضغوط النفسية.
- العزلة الاجتماعية.
- الأفكار الانتحارية لدى بعض المرضى.
ورغم عدم وجود علاج شافٍ نهائي للطنين حتى الآن، فإن عددا من التدخلات قد يساعد المرضى على تخفيف أثره وتحسين قدرتهم على التعايش معه، ومن بينها العلاج السلوكي المعرفي "سي بي تي" (CBT) وإعادة تدريب الطنين والعلاج الصوتي، والمعينات السمعية، إلى جانب تقنيات علاجية حديثة لا تزال قيد التطوير.
إقرأ المزيد


