عشرات الملايين على المحك وأندية البريميرليغ في خطر.. بريطانيا تستهدف شركات القمار غير المرخصة
الجزيرة.نت -

تواجه نصف أندية الدوري الإنجليزي الممتاز خطر خسارة عقود رعاية وإعلان تدر عليها ملايين الجنيهات الإسترلينية، مع اتجاه الحكومة البريطانية إلى حظر تعامل المؤسسات الرياضية مع شركات القمار غير المرخصة للعمل في البلاد. هذه الخطوة الجريئة من الحكومة البريطانية قد تعيد رسم الخريطة التجارية لكرة القدم الإنجليزية إذا ما حرمت الأندية من ملايين تلك الشركات.

كشف الصحفي مات هيوز، في تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية (The Guardian) الثلاثاء 8 سبتمبر/أيلول، أن 10 من أندية الدوري الممتاز العشرين ترتبط حاليا بعلاقات تجارية مع شركات قمار لا تحمل ترخيصا من لجنة المقامرة البريطانية، بعدما كان العدد 6 أندية فقط في بداية الصيف الحالي.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

وفي المقابل، تسعى رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز إلى تخفيف أثر الحظر الحكومي المقترح، وسط مخاوف من اضطرار الأندية إلى فسخ عقود قائمة مع تلك الشركات، وسط مخاطر عدم القدرة على إيجاد بدائل تجارية تعوّض الخسارة المتوقعة.

واشتد هذا الجدل متشعب الأبعاد، مع انتهاء مهلة التشاور العام الذي أطلقته وزارة الثقافة والإعلام والرياضة البريطانية في 15 يوليو/تموز، تمهيدا لصوغ الشكل النهائي للتشريع.

ثغرة قانونية فتحت باب الملايين

يستند سوق القمار في بريطانيا حاليا إلى ثغرة قانونية تسمح للأندية والمؤسسات الرياضية بإبرام عقود رعاية وإعلان مع شركات مقامرة لا تحمل ترخيصا بريطانيا، شريطة ألا تتيح تلك الشركات خدماتها للمستهلكين داخل المملكة المتحدة، وهو الأمر الذي توافق عليه تلك الشركات بصدر رحب.

وتقوم بالفعل بتفعيل الحجب الجغرافي لمنع المستخدمين في بريطانيا من الوصول إلى مواقعها. غير أن الحكومة ترى وتدرك أن استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) يجعل تجاوز هذا الحاجز أمرا يسيرا، ويبقي الفصل المفترض بين الشركات التي تستهدف الأسواق الخارجية وتلك العاملة داخل السوق البريطانية أمرا نظريا فقط.

إعلان لشركة مراهنات في مباراة نوتنغهام فورست وبرايتون ألبيون (غيتي)

ومن هنا جاء المقترح الحكومي الذي يتجاوز شعارات الرعاية على قمصان اللاعبين ليشمل الإعلانات حول أرضية الملعب، وملابس الفرق, وبرامج المباريات، ومرافق الأندية، وحقوق تسمية البطولات والمنشآت الرياضية. وتقترح الحكومة أن يصبح حصول أي ناد أو بطولة أو منشأة أو فرد على رعاية من شركة مقامرة غير مرخصة جريمة جنائية متى ظهر النشاط الترويجي داخل بريطانيا.

إعلان

وتفضل السلطات بدء العمل بالحظر في أغسطس/آب 2027، قبل انطلاق موسم 2027-2028، بما يمنح الأندية مهلة للبحث عن رعاة جدد وإعادة ترتيب اتفاقاتها التجارية.

اختفت من الصدر فظهرت على الأكمام

تأتي الأزمة بعد دخول قرار طوعي لأندية الدوري الإنجليزي حيز التنفيذ هذا الموسم، يقضي بإزالة شعارات شركات المقامرة من مقدمة قمصان المباريات.

وكانت رابطة الدوري قد أعلنت القرار في أبريل/نيسان 2023، ووصفته آنذاك بأنه أول إجراء طوعي من نوعه تتخذه بطولة رياضية بريطانية للحد من ظهور إعلانات المقامرة. غير أن الاتفاق ترك مساحات أخرى مفتوحة أمام الشركات، من بينها أكمام القمصان وملابس التدريب واللوحات المحيطة بالملاعب، وسرعان ما اتجهت أموال الرعاية إلى تلك المساحات بالفعل.

ووفق تحليل "الغارديان"، ارتفع عدد أندية الدوري الممتاز التي ترتبط بشركات مقامرة غير مرخصة من 6 إلى 10 خلال الصيف الجاري. إذ أعلن إيفرتون اتفاقا يمتد 3 سنوات لوضع شعار منصة "Stake.com" على أكمام قمصانه، فيما نقل فولهام رعاية "SBOTOP" من واجهة القميص إلى ملابس التدريب.

قميص نادي إيفرتون يتوسطه شعار شركة المقامرة (غيتي إيميجز)

أما شركة "8XBet"، المرخصة في كوراساو، فأصبحت من أكثر العلامات حضورا في كرة القدم الإنجليزية، وترتبط بعلاقات تجارية مع أستون فيلا وتشلسي وكوفنتري سيتي وإبسويتش تاون ونيوكاسل يونايتد، وفق بيانات نقلها موقع "إس بي سي نيوز" (SBC News).

وتقول شركة "إنتين" (Entain)، المالكة لعلامتي "لادبروكس" (Ladbrokes) و"كورال" (Coral) المرخصتين في بريطانيا، إنها رصدت 10 أندية في الدوري الممتاز تتعامل مع مشغلين غير مرخصين، وهي فولهام وإيفرتون وإبسويتش ونيوكاسل وتشلسي وأستون فيلا وكوفنتري ونوتنغهام فورست وتوتنهام وكريستال بالاس.

ويبقى موقف "إنتين" جزءا من منافسة تجارية قائمة، إذ تعد الشركة واحدة من أكبر مشغلي المقامرة المرخصين في بريطانيا، وقد تستفيد من تضييق السوق على الشركات المنافسة التي تعمل من خارج النظام التنظيمي البريطاني.

لماذا تريد الحكومة إغلاق الباب في وجه تلك الشركات؟

تستند الحكومة في تحركها إلى 3 اعتبارات رئيسية تتعلق بحماية المستهلك، وتنظيم السوق، والحد من مخاطر غسل الأموال. وترى وزارة الثقافة والإعلام والرياضة أن ظهور اسم شركة مقامرة إلى جوار شعار ناد كبير قد يمنح الجمهور انطباعا بأنها جهة قانونية تخضع للرقابة البريطانية، حتى إذا كانت تعمل من الخارج ولا توفر مستوى الحماية نفسه المفروض على المشغلين المرخصين.

ويكسب الأمر حساسية أكبر لدى الفئات الأكثر عرضة لأضرار المقامرة. وتشير وثيقة التشاور الحكومية، استنادا إلى أبحاث لجنة المقامرة البريطانية، إلى أن التعامل مع السوق غير القانونية ينتشر بدرجة أكبر بين صغار السن، ومن يراهنون بوتيرة مرتفعة، والأشخاص الذين تظهر لديهم مؤشرات أعلى لمشكلات المقامرة.

كما حذرت لجنة المقامرة البريطانية في تقييمها لمخاطر غسل الأموال لعام 2026 من أن المواقع غير القانونية تعمل خارج نطاق إشرافها وقواعد مكافحة غسل الأموال التي تلتزم بها الشركات المرخصة، وهو ما يفتح مجالا لاستخدام تلك المنصات في تحريك عائدات الجريمة أو غسلها.

خروج شركة واحدة كشف حجم المشكلة

تعود إحدى محطات الأزمة إلى مايو/أيار 2025، حين غادرت شركة "تي جي بي يوروب" (TGP Europe) السوق البريطانية وسلمت ترخيصها بعد أن أبلغتها لجنة المقامرة بضرورة دفع غرامة قدرها 3.3 ملايين جنيه إسترليني (نحو 4.3 ملايين دولار) وإجراء إصلاحات واسعة على نظام عملها.

إعلان

ومع انسحابها، فقدت عدة شركات مرتبطة بأندية إنجليزية الغطاء التنظيمي الذي كان يسمح لها بالحضور في السوق البريطانية.

وتواصلت لجنة المقامرة عقب ذلك مع عدد من الأندية، وحذرتها من مخاطر الاستمرار في الترويج لمواقع فقدت غطاءها القانوني، مطالبة الفرق الرياضية بتحمل مسؤوليتها في حماية المشجعين من الاستغلال والأضرار المرتبطة بالمقامرة.

ومنذ تلك اللحظة، انتقل النقاش من سؤال يتعلق بمكان ظهور شعار الرعاية إلى سؤال أشمل يتعلق بهوية الشركة التي تضخ الأموال في كرة القدم الإنجليزية.

عشرات الملايين على المحك

ترى أندية الدوري أن القيود الجديدة قد تضع عشرات الملايين من الجنيهات في دائرة الخطر. ووفق "الغارديان"، تضغط رابطة الدوري لتجنب تطبيق الحظر بالصورة الأشد، مستندة إلى أن الشركات المعنية تستهدف في الأساس الأسواق الآسيوية ولا تقدم خدماتها مباشرة للمستهلك البريطاني. وترد الحكومة بأن إمكانية تجاوز الحجب الجغرافي باستخدام شبكة افتراضية خاصة تجعل هذا الفصل هشا.

تحذيرات تصل إلى مكاتب الأندية

رفعت "إنتين" مستوى الضغط بإرسال خطابات إلى الأندية العشرة التي تقول إنها تتعامل مع شركات غير مرخصة. وفي رسالة وجهتها إلى الرئيس التنفيذي لإيفرتون أنغوس كينير، حذرت الشركة من أن "الخطر على كرة القدم ونزاهة الرياضة والمجتمع حقيقي".

وركزت الرسالة على الفارق التنظيمي بين السوقين، مشيرة إلى أن الشركات التي تعمل خارج الترخيص البريطاني لا تخضع بالضرورة للأدوات المفروضة محليا لحماية المستهلك، ومنها الاستبعاد الذاتي وحدود الإنفاق والفحوص المرتبطة بالقدرة المالية.

ويكشف هذا السجال مدى تشابك المصالح في الملف. فالحكومة تتحرك من زاوية التنظيم والحماية، والأندية تدافع عن عائدات تجارية مهمة، بينما تضغط شركات مقامرة مرخصة لإقصاء منافسين يعملون من خارج النظام التنظيمي البريطاني.

مفارقة القرصنة

تأخذ القضية بعدا أكثر تعقيدا عندما تصل إلى حقوق البث، أحد أكبر مصادر دخل كرة القدم الإنجليزية. فبعض شركات المقامرة غير المرخصة التي تدفع أموالا للأندية تظهر إعلاناتها أيضا على مواقع تنقل المباريات بصورة غير قانونية.

وأظهر تقرير أعدته منصة "ييلد سيك" (Yield Sec) أن إعلانات شركات المقامرة غير القانونية ظهرت على 89% من عمليات البث الرياضي المقرصن التي شملها الرصد في بريطانيا.

وتضع هذه النتيجة أندية الدوري أمام مفارقة واضحة؛ فهي تحصل من جهة على أموال رعاية من بعض الشركات العاملة خارج النظام البريطاني، في وقت تستفيد فيه منصات القرصنة التي تهدد قيمة حقوق البث من إعلانات السوق نفسها.

كما تشير بيانات أوردتها الحكومة في وثيقة التشاور إلى أن رعاية الأندية الرياضية تأتي في المرتبة الثانية بين أبرز الطرق التي يتعرف من خلالها المستهلكون إلى شركات المقامرة غير المرخصة، بعد إعلانات وسائل التواصل الاجتماعي.

مساران أمام الحكومة

لم يتخذ القرار النهائي حتى الآن، وتدرس الحكومة البريطانية مسارين رئيسيين للتطبيق.

يقضي المسار الأول، وهو الخيار الذي تميل إليه السلطات، بإنهاء جميع عقود الرعاية والإعلان مع شركات المقامرة غير المرخصة في موعد موحد خلال أغسطس/آب 2027.

أما الخيار الآخر فيوقف توقيع عقود جديدة فور دخول التشريع حيز التنفيذ، ويسمح للاتفاقات القائمة بالاستمرار حتى نهاية مدتها، ضمن سقف زمني ينتهي في مطلع أغسطس/آب 2028.

وسيحدد الاختيار بين المسارين حجم الخسائر التي قد تتكبدها الأندية، ولا سيما الفرق التي أبرمت حديثا اتفاقات تمتد عدة سنوات. وتكشف هذه المواجهة بين الشركات والحكومة البريطانية عن طبيعة المرحلة الجديدة في علاقة كرة القدم الإنجليزية بصناعة المقامرة. فقد نجحت الشركات في إعادة توزيع حضورها بعد إبعاد شعاراتها عن واجهة القمصان، فانتقلت إلى الأكمام وملابس التدريب والمساحات الإعلانية الأخرى.

إعلان

التحرك الحكومي الجديد يستهدف هذه المرة مصدر المال نفسه، ويضع الأندية أمام اختبار يتجاوز اختيار راع بديل إلى إعادة النظر في الحدود التي تفصل بين الإيراد التجاري والمسؤولية التنظيمية.

وحين يصدر القرار النهائي، قد تكتشف أندية الدوري الإنجليزي أن السؤال لم يعد كم تدفع شركة الرعاية، وإنما ما إذا كان القانون يسمح لها أصلا بدخول الملعب.



إقرأ المزيد