الجزيرة.نت - 9/10/2026 5:59:48 PM - GMT (+3 )
Published On 10/9/2026
يشكل التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وما يرافقه من تهديد للممرات البحرية في الخليج العربي وخليج عُمان والبحر الأحمر، اختبارا حساسا لأمن الطاقة العالمي وللدول المستوردة للنفط في آسيا، وفي مقدمتها الصين.
فالمسألة لا تتعلق بارتفاع أسعار النفط الخام وحده، وإنما بزيادة تكلفة الشحن والتأمين، واحتمال تحويل مسارات التجارة، واتساع المخاطر من مضيق هرمز إلى بحر العرب وباب المندب.
في المقابل، تكشف هذه التطورات عن بُعد اقتصادي إستراتيجي آخر داخل الصين متمثل في ارتفاع أسعار الوقود بشكل يدعم -إلى جانب سياسات التصنيع والعوامل التقنية الأخرى- انتقال المستهلكين نحو المركبات الكهربائية.
تنظر بكين إلى المسار الدبلوماسي في القضية النووية الإيرانية باعتباره جزءا من معادلة استقرار أوسع، تشمل أمن الشرق الأوسط وأمن الإمدادات العالمية في آن واحد.
وتنقل وكالة الأنباء الصينية "شينخوا " عن لي سونغ، المندوب الدائم للصين لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قوله إن الولايات المتحدة وإسرائيل نفذتا -منذ يونيو/حزيران من العام الماضي- ضربتين عسكريتين ضد منشآت نووية إيرانية سلمية خاضعة لضمانات الوكالة، الأمر الذي أعاق بصورة كبيرة التعاون بشأن الضمانات بين إيران والوكالة وألحق ضررا شديدا بآلية معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
ويرى لي أن تلك الضربات هي السبب الرئيس في عدم عودة التعاون بين طهران والوكالة إلى طبيعته حتى الآن. كما شدد على أن المواجهة السياسية داخل مجلس محافظي الوكالة لن تحل الأزمة النووية، وأن تمرير القرارات بالقوة لن يؤدي إلا إلى زيادة التوتر، بينما تمثل إحالة القضية إلى مجلس الأمن طريقا مسدودا.
إعلان
ويعكس هذا الموقف إدراكا صينيا بأن استمرار تعطل المسار الدبلوماسي لا يبقى محصورا في الملف النووي؛ إذ يمكن أن يتحول سريعا إلى مخاطر أمنية في منطقة الخليج والبحر الأحمر، ومن ثم إلى صدمة في أسعار النفط وسلاسل الإمداد.
لذلك، يؤكد المندوب الصيني على أن بكين ستواصل دفع الحل السياسي للقضية النووية الإيرانية والمساهمة في السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. وهي صياغة تعكس -في جوهرها- مصلحة صينية مباشرة في حماية استقرار منطقة تُعد شريانا رئيسيا للطاقة والتجارة العالمية.
اتساع المخاطر البحريةعبد الواحد جلال نوري:
تحول ناقلات النفط وممرات الشحن والقواعد الإقليمية إلى أوراق للمساومة ينشئ حلقة مفرغة تتغذى ذاتيا، يحل فيها الردع تدريجيا محل الدبلوماسية، وتنتقل التكلفة الحقيقية لتطال الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي
تظهر خطورة الانتقال إلى المجال البحري في ما تنقله صحيفة تشاينا ديلي عن إعلان الحرس الثوري الإيراني توسيع "المنطقة البحرية المحظورة " لتتجاوز مضيق هرمز وتشمل أجزاء من خليج عُمان وبحر العرب.
وتكتسب الخطوة أهمية استثنائية لأنها تنقل المخاطر من مضيق ذي أهمية إستراتيجية معروفة إلى مجال ملاحي أوسع يصل الخليج بالمحيط الهندي.
وتبرز الصحيفة موقع ميناء تشابهار في هذا السياق؛ فهو ميناء واقع في جنوب شرقي إيران على خليج عُمان، ويُعد المنفذ الإيراني الوحيد على المحيط خارج مضيق هرمز، مما يمنحه دورا محوريا في التجارة الإقليمية والدولية.
وبالتالي، فإن توسيع القيود باتجاه خليج عُمان وبحر العرب قد يرفع مخاطر الاضطراب أمام الشحن التجاري وناقلات النفط وخدمات التأمين البحرية، ولن يقتصر على حركة العبور داخل المضيق وحده.
ويقول عبد الواحد جلال نوري، المحاضر في الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا، لصحيفة تشاينا ديلي إن تحول ناقلات النفط وممرات الشحن والقواعد الإقليمية إلى أوراق للمساومة يتجاوز مجرد ممارسة الضغط على طهران.
ويضيف نوري أن هذا المسار ينشئ حلقة مفرغة تتغذى ذاتيا، يمكن أن يحل فيها الردع تدريجيا محل الدبلوماسية، فيما تنتقل التكلفة الحقيقية لتطال الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي.
يزيد التصعيد في اليمن من تعقيد المشهد. فقد أوردت صحيفة غلوبال تايمز الصينية أن الحوثيين شنوا هجوما واسعا على السعودية باستخدام عشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مستهدفين منشآت تابعة لشركة أرامكو السعودية وأهدافا أخرى.
وجاء ذلك بالتزامن مع الإعلان الأمريكي عن تدمير خمس ناقلات إيرانية، وردّ طهران بهجمات على قواعد أمريكية في الأردن.
ويعني تزامن التوتر في الخليج العربي وخليج عُمان مع تصاعد القتال حول اليمن والبحر الأحمر أن المخاطر باتت موزعة على أكثر من خط بحري.
فإلى جانب هشاشة حركة ناقلات النفط في محيط هرمز، يزداد الضغط على الطرق الواصلة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي عبر باب المندب، وهذا ما يزيد من احتمال تأخر الشحنات، وارتفاع أقساط التأمين، وتغيير الناقلات لمساراتها، وارتفاع علاوة المخاطر في أسعار النفط الخام.
إعلان
وقد انعكس ذلك سريعا على السوق؛ إذ تجاوزت عقود خام برنت 100 دولار للبرميل في 9 سبتمبر/أيلول، وهو أعلى مستوى له منذ نهاية يوليو/تموز، قبل أن يعود السعر لاحقا حول 97 دولارا.
ولا تعبر هذه المستويات عن مخاوف نقص مادي فوري في النفط فحسب، بل أيضاً عن قلق مرتبط بالعرض والطلب وتسعير الأسواق الناتج عن احتمال تعطل النقل البحري وتزايد كلفة حماية وتأمين الإمدادات.
على المستوى الصيني المحلي، يترجم هذا الارتفاع في تكلفة النفط إلى حافز إضافي للانتقال من سيارات الوقود التقليدي إلى المركبات الكهربائية.
فقد ذكرت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن المركبات الكهربائية بالكامل والهجينة القابلة للشحن شكلت 65.2% من إجمالي 1.54 مليون سيارة بيعت في البر الرئيسي الصيني خلال الشهر الماضي، متجاوزة الرقم القياسي السابق البالغ 65.1% المسجل قبل شهر واحد.
ويقول جاو جِن، مدير المبيعات في وكالة "وان جوو أوتو " في شنغهاي، إن المستهلكين أصبحوا أكثر اقتناعا بمزايا السيارات الكهربائية بعدما تراجعت مخاوفهم إلى حد كبير بشأن مدى الحركة وقدرة عمل البطارية.
غير أن أسعار الوقود المرتفعة تضيف عاملا اقتصاديا مباشرا إلى هذا التحول؛ إذ قدّر بنك "يو بي إس " أن بقاء النفط قرب 90 دولارا للبرميل يرفع تكلفة وقود سيارة البنزين في الصين بنحو 2000 يوان (نحو 300 دولار) سنويا مقارنة بما قبل الحرب.
أمن الطاقة بمنظور جديدتكشف هذه التطورات أن أمن الطاقة الصيني بات مفهوما متعدد الأبعاد. فبينما تظل الصين معنية باستقرار منطقة الخليج وحرية الملاحة ومنع تحول الممرات البحرية إلى أدوات ضغط متبادل، لأن أي اضطراب طويل ينعكس على فاتورة الواردات النفطية وسلاسل التجارة والتضخم العالمي.
إلا أنها تعمل -في ذات الوقت- على تحويل صدمات النفط المتكررة إلى حافز عملي لتعميق التحول الصناعي نحو المركبات الكهربائية، وتقليص حساسية قطاع النقل المحلي لتقلبات النفط الخام.
وبذلك، لا تبدو الدبلوماسية الصينية بشأن إيران منفصلة عن المصالح الاقتصادية، كما لا يبدو التوسع في التحول الكهربائي مجرد سياسة بيئية أو تصنيعية. فالدفع نحو التهدئة في منطقة الخليج، بالتوازي مع بناء منظومة تصنيع وبنية تحتية كهربائية واسعة، يمثل مسارين متكاملين لتقليل تعرض الاقتصاد الصيني لمخاطر النفط والملاحة على المدى الطويل.
إقرأ المزيد


