ملحمة جلجامش.. موت يكشف معنى الحياة
الجزيرة.نت -

ملحمة شعرية من بلاد الرافدين، تعد من أقدم النصوص الأدبية في العالم وأشهرها، وأقدم ما حفظه التاريخ البشري من الأدب الملحمي. ظهرت بصيغتها الموحدة الأولى في العصر البابلي القديم، مطلع الألفية الثانية قبل الميلاد، ودُونت باللغة الأكادية بالخط المسماري، مستمدة كثيرا من أحداثها من تقاليد وقصائد سومرية أقدم.

وتروي الملحمة قصة جلجامش، ملك أوروك (الوركاء، مدينة عراقية تاريخية) شبه الأسطوري، الذي يُعتقد أنه عاش في القرن الـ26 قبل الميلاد، ورحلته الشاقة بحثا عن سرّ الخلود. ورغم عودته خائبا، قادته رحلته إلى إدراك قيمة الحياة البشرية وحتمية الموت، وأن ما يبقى من الإنسان هو أثره وعمله.

وتكتسب ملحمة جلجامش أهمية عالمية لما تتميز به من قِدم وبناء أدبي فريد، وإثارتها تساؤلات وجودية كبرى، وتجسيدها مشاعر وقيم إنسانية، مما جعلها حاضرة في الثقافة والأدب الإنساني عبر العصور، فضلا عما حفظته من ملامح الحياة والفكر في بلاد الرافدين في فجر الحضارة الإنسانية.

تمثال لجلجامش يعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد (غيتي)
أصول الملحمة وتطورها

تعد ملحمة جلجامش أقدم ما وصل إلينا من الملاحم الشعرية، إذ تسبق أقدم نصوصها المدونة الإلياذة والأوديسة بأكثر من ألف عام. وتعود أصول قصصها إلى الحكايات والقصائد السومرية التي تناقلتها الأجيال في بلاد الرافدين شفاها على مدى قرون، إلى جانب بعض القطع المكتوبة.

وقد كشفت نصوص وقصائد سومرية قديمة محفوظة مثل: "جلجامش وإنكيدو والعالم السفلي" و "جلجامش وهواوا" و "جلجامش وثور السماء" عن طرف من قصة جلجامش ومغامراته، في حين يسرد "تكوين أريدو" واحدة من أقدم روايات الطوفان في بلاد الرافدين.

ورغم استناد الملحمة إلى مصادر سومرية، فإن النقاد يعتبرونها نتاجا أدبيا بابليا، إذ تبلورت في صورتها الأدبية في البيئة البابلية، فلم ينقل الكتّاب البابليون القصص السومرية حرفيا، بل جمعوا نصوصها وعدلوا سياقاتها وطوروها بما يناسب واقعهم وطبيعة حياتهم.

إعلان

وقد ظهرت أقدم المؤلفات المدونة التي تتناول قصص غلغامش في مطلع الألفية الثانية قبل الميلاد، مع استمرار تداولها شفاهيا. وخلال تلك الألفية، تطورت صيغ مختلفة للملحمة، وصولا إلى ظهور الرواية القياسية في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، واستمر نسخ الملحمة وتداولها خلال العصور اللاحقة. وتشير المصادر إلى أن آخر نسخة بابلية معروفة دونت حوالي سنة 130 قبل الميلاد.

جزء من لوح طيني من العصر الآشوري الحديث يتضمن اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش الذي يروي قصة الطوفان (المتحف البريطاني)

ومع استمرار تبلور بنيتها وسياقها وحبكتها على مدى قرون، ظهرت للملحمة نسخ متعددة، وتكشف النصوص المكتشفة عن روايتين رئيسيتين:

أولاهما تعود إلى العصر البابلي القديم (2000-1600 قبل الميلاد)، وعنوانها "متفوق على الملوك". لكن نصوصها ناقصة، فلم يُعثر منها على نسخة مكتملة الألواح، بل على كسرات تنتمي إلى نسخ مختلفة.

 أما الثانية فتعود إلى العصر البابلي الأوسط (1600-1000 قبل الميلاد)، وقد استقر الشكل النصي والأدبي للملحمة خلال الربع الأخير من الألفية الثانية قبل الميلاد، فيما يُعرف بالنص القياسي، وظلت نُسخه المتعددة متقاربة إلى حدٍّ كبير على مدى نحو ألف عام.

وعنوان هذه النسخة "هو الذي رأى المنبع"، وتعد الأكثر اكتمالا وتطورا، وتُنسب إلى الكاهن والكاتب سين-ليقي-أونيني، الذي يعتقد أنه عاش في أوروك في القرن الثاني عشر قبل الميلاد.

وتتفق الروايتان في السرد العام، وتتمايزان في بعض التفاصيل والاختلافات اللغوية، وغالبا ما يستعان بإحداهما لإكمال المواضع المفقودة من الأخرى. إضافة إلى ذلك، توجد نسخ أخرى، تتبع رواياتها في سياقها العام إحدى النسختين.

نقوش من تل حلف بسوريا يعود تاريخها إلى القرن التاسع قبل الميلاد، تصور جلجامش بين كائنين نصفهما إنسان ونصفهما ثور يحملان قرص الشمس (غيتي)
الخصائص والسمات

دُونت الملحمة باللغة الأكادية، ولا سيما بلهجاتها البابلية والآشورية، كما تُرجمت إلى لغات قديمة أخرى مثل الحورية والحثية. وكتبت نصوصها بأسلوب شعري على ألواح طينية بالخط المسماري، أحد أقدم نظم الكتابة في العالم.

وتتألف النسخة القياسية من الملحمة من 12 لوحا، وعادة ما يُستبعد اللوح الثاني عشر من بنيتها الأساسية باعتباره نصا مستقلا أقدم، أُدرج فيها لاحقا، فهو يحكي قصة "جلجامش وإنكيدو والعالم السفلي"، التي يظهر فيها إنكيدو تابعا لجلجامش، خلافا للنسخة القياسية التي تصوّر إنكيدو صديقا لجلجامش، وتروي موته في اللوح السابع.

ويضم كل لوح مجموعة من السطور، فيما يشتمل كل سطر على بيت من الشعر مكون من شطر واحد أو شطرين. ويتراوح عدد السطور، وفق ترجمة أندرو جورج، بين 154 و326 سطرا في اللوح الواحد، بما يزيد إجمالا على 3150 سطرا في كامل الملحمة.

ويتميز نص الملحمة بحبكة محكمة وبنية متماسكة، ويجمع بين التساؤلات الوجودية المُعقّدة، والصور الأدبية الغنية، ويعالج قضية محورية تتمثل في سؤال الحياة والموت وما بعد الموت والخلود، كما يتناول قضايا إنسانية عميقة، مثل الصداقة والحب والحنين والبطولة والحرب، ويقدم رؤى متعددة، مما يتيح للقارئ فرصة التأمل في هذه الأفكار.

لوحة للفنان وائل طربيه تصور جلجامش وإنكيدو يهاجمان العملاق خمبابا (وائل طربيه)

وتعد الملحمة مرجعا غنيا للتعرف على حضارة بلاد الرافدين في الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد، إذ تكشف عن جوانب من المعتقدات الدينية والفكرية، والحياة الاجتماعية والسياسية.

إعلان

وكان لملحمة جلجامش وقصصها حضور بالغ في ثقافة بلاد الرافدين خلال عصور ما قبل الميلاد، كما امتد حضورها إلى الأقاليم المجاورة مثل بلاد الشام والأناضول، ويُعتقد أنها أثرت في العديد من النصوص الأدبية الفارسية والعربية والإغريقية القديمة.

وتشير بعض الدراسات إلى تأثيرها أيضا في بعض النصوص الدينية، بما في ذلك النصوص التوراتية، إذ يرى بعض الباحثين أن التشابه بين قصة الطوفان في الملحمة وروايتها في سفر التكوين يشير إلى تأثر النص التوراتي بالملحمة، ولا سيما في ضوء إقامة العبرانيين في بابل بعد السبي.

الموقع الأثري لمدينة أوروك (الوركاء) على بُعد 30 كيلومترا شرق السماوة (غيتي-2010)
الاكتشاف المعاصر والترجمة

ظل اسم جلجامش حاضرا في بعض النصوص التاريخية اللاحقة، غير أن روايات الملحمة غابت عن التداول قرونا طويلة، إلى أن اكتُشفت بعض ألواحها في موقع نينوى في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي.

فقد عثر عالما الآثار أوستن هنري لايارد وهرمز رسام ضمن أعمال التنقيب التي جرت في مدينة نينوى التاريخية بالعراق، على مجموعة من الألواح المسمارية، في موقع كان يضم مكتبة الملك الآشوري آشور بانيبال.

وفي عام 1872، تمكن عالم الآشوريات والمسماريات البريطاني جورج سميث من ترجمة نص مسماري على أحد تلك الألواح، يتضمن قصة الطوفان، وتبين لاحقا أنه اللوح الحادي عشر من الملحمة.

وتعود الألواح المكتشفة إلى القرن السابع قبل الميلاد، وتمثل النسخة الآشورية المتأخرة، إحدى أهم النسخ المحفوظة وأكثرها اكتمالا، والتي تعتمد في نصها على النسخة القياسية. وتعد هذه النسخة أحدث نسخة عُثر عليها من الملحمة، وفق ما أورده المؤرخ وعالم الآثار العراقي طه باقر، في كتابه "ملحمة كلكامش، أوديسة العراق الخالدة".

لوح جلجامش البالغ عمره نحو 3500 عام معروض في وزارة الخارجية العراقية في بغداد (غيتي-2021)

ولاحقا، توالى اكتشاف كسر متفرقة من ألواح الملحمة في مواقع أثرية متعددة في العراق وفلسطين وسوريا وتركيا، إضافة إلى قطع محفوظة في المتاحف الكبرى. وتعود هذه الأجزاء المكتشفة إلى نسخ مختلفة من الملحمة، من بينها نصوص بابلية قديمة ترجع إلى الألفية الثانية قبل الميلاد.

ورغم الاكتشافات المتتالية، لا تزال أجزاء من الملحمة مفقودة، ويقدر عالم الآثار والمسماريات العراقي نائل حنون، حجم النصوص المفقودة بنحو 575 سطرا.

وقد نالت الملحمة اهتماما بالغا، فترجمت إلى العديد من اللغات الأوروبية إلى جانب لغات أخرى مثل العبرية والروسية والعربية. وتعد ترجمة عالم الآشوريات البريطاني أندرو جورج، الصادرة عام 1999، من أكثر الترجمات اكتمالا. كما تناولتها عشرات الكتب والدراسات بالبحث والتحليل، واستُلهمت موضوعاتها في أعمال أدبية وفنية معاصرة.

ختم أسطواني يعود إلى 1400–1300 قبل الميلاد، يصوّر جلجامش وإنكيدو وهما يقتلان العملاق خمبابا حامي غابة الأرز (المتحف البريطاني)
جلجامش.. البطل الأسطوري

يمثل جلجامش الشخصية المحورية في الملحمة، وقد اختلف الباحثون حول حقيقة وجوده، فيرى البعض أنه شخصية أسطورية ابتدعها الخيال الأدبي، غير أن ما ترجحه الأدلة، أنه شخصية تاريخية، كان أحد أشهر ملوك السومريين. فقد ظهر في نقوش تاريخية تنسب إليه بناء سور أوروك، الذي يعد من أبرز الإنجازات المعمارية في حضارات بلاد الرافدين القديمة.

وتذكر وثيقة "قائمة الملوك السومرية"، التي دونت بين عامي 2017 و1794 قبل الميلاد، أن جلجامش عاش في جنوب بلاد الرافدين حوالي عام 2600 ق.م، وأنه حكم مدينة أوروك 126 عاما.

ومع مرور الوقت، أُضفي الطابع الأسطوري على شخصية غلغامش، فبدأ يظهر في النصوص اللاحقة باعتباره أحد الآلهة، وقد صنفته بعض النصوص ضمن آلهة العالم السفلي.

ويظهر جلجامش في عدد من القصائد السومرية القديمة، لكن شهرته العالمية تعود إلى الملحمة، التي صورته كائنا ذا طبيعة مزدوجة، يجمع بين ثلثين من الطبيعة الإلهية التي اكتسبها من أمه الإلهة ننسون، وثلث من الطبيعة البشرية ورثها من أبيه، الملك الكاهن لوغال باندا. وقد تمتع بقوة خارقة، وكان أقوى الرجال جسدا وأجملهم وأشدهم ذكاء.

أوروك كانت مشهورة بأسوارها التي شُيّدت للمرة الأولى على يد الملك جلجامش (الفرنسية)
البحث عن الخلود

في اللوح الأول، تُقدم الملحمة جلجامش بوصفه حاكما مكتمل القوة والمعرفة والوسامة، وتستعرض أعماله العظيمة، من بناء سور أوروك ومعبد عشتار إلى حفر الآبار، لكنه في الوقت نفسه يظهر طاغية مستبدا، يفرض سلطته بالقوة ويرهب شعبه، ويعتدي على الشباب والنساء.

إعلان

ويضيق أهل أوروك به ذرعا، فيشكون أمره إلى الآلهة، فتستجيب لتضرعاتهم، وتخلق الإلهة آرورو الرجل البري والمحارب إنكيدو، ليكون ندا لجلجامش في القوة، فينشغل بمنافسته وتنعم أوروك بالسلام.

وتروي أحداث اللوح الثاني كيف بلغ جلجامش خبر تجوال إنكيدو في أطراف مملكته، فيرسل إليه إحدى خادمات المعبد، فتنجح في إغوائه، ثم تعلمه كيف ينتقل من حياة البراري إلى حياة التحضر. كما تحدثه عن أوروك وجلجامش، فيتوق إلى لقائه عله يحظى بصديق.

لوحة بعنوان مقتل ثور عشتار للفنان إرنست والكوزنز من كتاب أساطير بابل وآشور (غيتي-1915)

لكن إنكيدو كان عليه أولا أن يتحدى جلجامش ليظهر قوته ونديته، فانطلق قاصدا أوروك لمواجهته. وبعد معركة عنيفة انتهت بهزيمة إنكيدو، تحول الخصمان إلى صديقين حميمين، وانشغلا بالاستعداد لمغامرتهما المقبلة نحو غابة الأرز، فيما بدا جلجامش أكثر اعتدالا وخفف من وطأته على رعاياه.

وتسرد الملحمة في الألواح الثلاثة اللاحقة لحظات الوداع، ثم تفاصيل الرحلة المحفوفة بالأهوال التي خاضها الصديقان، وصولا إلى غابة الأرز المقدسة، حيث يواجهان حارسها خمبابا، العملاق الذي يرعب البشر، وينجحان في قتله.

وتنتقل الأحداث في اللوح السادس إلى الإلهة عشتار ومحاولاتها إغواء جلجامش، الذي يرفض الزواج منها مستحضرا النهاية المأساوية التي لقيها عشاقها وأزواجها. فتثور عشتار وترسل ثور السماء للقضاء على غلغامش وتدمير مدينته، غير أن جلجامش يتمكن من قتله بمساعدة صديقه إنكيدو.

وفي اللوحين السابع والثامن، تقرر الآلهة موت أحد الصديقين عقوبة على قتلهما خمبابا وثور السماء، فيقع اختيارها على إنكيدو، الذي يموت مريضا بين ذراعي جلجامش. ويقع موته شديدا على صديقه، فيغرق في حزن عميق، ويرفض تسليم جثته أياما. وتجعله هذه التجربة يواجه حتمية فنائه، فيبدأ يتساءل عن معنى الحياة وقيمة الإنجازات البشرية في مواجهة الموت المحتوم.

لوحة للفنان وائل طربيه تظهر رحلة جلجامش للوصول إلى أوتنابشتيم (وائل طربيه)

وتصف الألواح اللاحقة رحلة جلجامش الشاقة بحثا عن أوتنابشتيم، الرجل الذي منحته الآلهة الخلود. ويجتاز خلال رحلته الجبال وفوهة الشمس ومياه الموت حتى يبلغ أوتنابشتيم، الذي يخبره أنه لا يملك سر الخلود.

وفي اللوح الحادي عشر، يقص أوتنابشتيم على جلجامش قصة الطوفان العظيم وكيف انتهت بمنحه الخلود. ولكي لا يعود خالي الوفاض، يدله على نبتة سحرية تعيد إلى الشيوخ شبابهم، فيستخرجها غلغامش من أعماق المياه، لكن سرعان ما يفقدها عندما تلتهمها أفعى أثناء استحمامه.

يشتد حزن جلجامش على الفرصة التي ضاعت، وعلى إخفاقه في تحقيق مراده، فينطلق عائدا إلى بلاده. وينتهي النص بوصوله إلى أوروك، حيث يقف متأملا مدينته، وهو يصف سورها وبساتينها ومعبدها، وكأن رحلته الطويلة، وإن لم تمنحه الخلود، قادته إلى إدراك قيمة أعماله وإنجازاته.



إقرأ المزيد