لماذا ترتفع مستويات تعليم النساء في مصر .. وتنخفض مشاركتهن في العمل؟
الجزيرة.نت -

لماذا ترتفع مستويات تعليم النساء في مصر، بينما لا ترتفع مشاركتهن في سوق العمل بالمعدل نفسه، بل تبقى منخفضة وتتسع في المقابل مساحة العمل غير الرسمي والهش؟ هذا هو السؤال الذي تنطلق منه رسالة ماجستير لمنة جمال نور الدين بعنوان "تأنيث تدهور المشاركة في قوة العمل في مصر: 1990-2024″، قدمتها إلى قسم العلوم السياسية بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ضمن متطلبات برنامج الماجستير المشترك في سياسات ومجتمعات الشرق الأوسط المقارنة.

المفارقة التي تحاول الرسالة تفسيرها تبدو بسيطة في ظاهرها: يفترض عادة أن ارتفاع تعليم النساء يؤدي إلى ارتفاع فرصهن في العمل، لكن الحالة المصرية، كما تعرضها الباحثة خلال أكثر من ثلاثة عقود، لا تتحرك بهذا الاتجاه. فقد ارتفع التحصيل التعليمي للنساء، بينما استمرت مشاركتهن في قوة العمل منخفضة، وظل العمل غير الرسمي حاضرًا بقوة، بما يعني أن المشكلة ليست فقط في عدد النساء العاملات، وإنما أيضًا في نوعية العمل الذي يصلن إليه.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

ومن هنا تعيد الرسالة صياغة السؤال على نحو مختلف: ربما لم تعد المشكلة أن المرأة المصرية لم تحصل على التعليم، وإنما أن التعليم الذي حصلت عليه لم يفتح لها باب سوق العمل.

وتبني الباحثة تحليلها على منهج كيفي تدعمه الإحصاءات الوصفية، مستفيدة من بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ومنتدى البحوث الاقتصادية، والبنك الدولي، ومنظمة العمل الدولية، ومؤسسات مصرية ودولية أخرى، إلى جانب ست مقابلات معمقة مع خبراء في النوع الاجتماعي والاقتصاد السياسي واقتصاديات العمل والسياسات العامة والتنمية وتقييم الأثر.

شهادة في اليد.. والوظيفة في مكان آخر

تذهب الرسالة إلى أن أحد مفاتيح المشكلة يكمن فيما تسميه "عدم التوافق بين التعليم والمهنة"؛ أي أن ارتفاع سنوات الدراسة ومستويات الشهادات لا يعني بالضرورة امتلاك المهارات التي يطلبها سوق العمل.

إعلان

وتربط الباحثة ذلك بما تعتبره خللًا في السياسات التعليمية المصرية، ولا سيما التعليم العالي والتعليم الفني والمهني، إذ ترى أنها تتعامل مع الرجال والنساء باعتبار احتياجاتهما واحدة، من دون مراعاة العراقيل الإضافية التي تواجه المرأة عند الانتقال من التعليم إلى العمل.

وهنا تظهر الفكرة الأساسية للرسالة: "الحياد الجندري" في السياسة قد لا يؤدي إلى نتيجة محايدة.

فإذا تلقى الرجل والمرأة التعليم نفسه في بيئة يكون فيها الرجل أكثر قدرة على التنقل، وأقل تحملًا لمسؤوليات الرعاية المنزلية، وأكثر قبولًا في بعض قطاعات القطاع الخاص، فإن السياسة المتساوية في الشكل يمكن أن تنتج نتائج غير متساوية في الواقع.

ولهذا تربط الرسالة بين السياسات التعليمية المحايدة جندريًا وبين استمرار مشكلتين: عدم التطابق بين التعليم والوظيفة، والفجوة بين النساء والرجال في المهارات الرقمية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وترى أن النتيجة النهائية هي عجز ارتفاع تعليم النساء عن التحول إلى اندماج اقتصادي مماثل.

طالبات بجامعة القاهرة يتقدمن الطلاب في الفعاليات السياسية (غيتي)
القطاع العام ينكمش.. والخاص لا يفتح الباب

لكن التعليم وحده لا يفسر المعضلة.

فالرسالة تضع المرأة المصرية بين سوقين لا يوفر أي منهما المسار الذي كانت تحصل عليه أجيال سابقة من المتعلمات.

القطاع العام، الذي ظل تاريخيًا أكثر جاذبية للنساء بسبب الاستقرار، والتأمين الصحي والاجتماعي، وإجازات الأمومة، ووضوح ساعات العمل، أصبح مزدحمًا وينكمش تدريجيًا.

وفي الجهة الأخرى، تصف الرسالة القطاع الخاص بأنه أكثر انتقائية وأقل قدرة على استيعاب النساء، خصوصًا مع ساعات العمل الطويلة، وضعف الحماية، ومشكلات النقل، والتحرش، وصعوبة التوفيق بين الوظيفة والأسرة. وبين القطاعين ينمو العمل غير الرسمي باعتباره أحد البدائل المتاحة، لكنه بديل يوفر المرونة أحيانًا على حساب الاستقرار والحماية والدخل.

ومن هذه الزاوية ترى الباحثة أن أزمة مشاركة النساء ليست فقط "عرض عمل" من النساء، وإنما أيضًا أزمة في بنية الطلب على عملهن.

فالمرأة قد تكون مؤهلة ومستعدة للعمل، لكن السوق الذي أمامها لا يقدم الوظيفة التي تجعل تكلفة خروجها من المنزل مقبولة. وتسمي المقابلات هذا "تكلفة التحفظ أو تكلفة الخروج إلى العمل": ما الذي ستدفعه المرأة، ماديًا واجتماعيًا وأسريًا، لكي تقبل الوظيفة؟

يدخل في هذه التكلفة مكان العمل، واحتمال التحرش، والحضانة، وساعات العمل، والمواصلات، والاستقرار، والتأمين الاجتماعي والصحي. ولهذا يظل القطاع العام الخيار المفضل لدى قطاع من النساء، حتى عندما يكون أجره أقل، لأنه يوفر حزمة حماية لا توفرها الوظائف الأخرى.

سوق الزواج يتقدم على سوق العمل

ومن أكثر نتائج المقابلات إثارة في الرسالة أن "سوق الزواج" يتقدم لدى قطاع من النساء على سوق العمل.

وتقول الباحثة إن الخبراء الذين قابلتهم ربطوا ذلك بثلاثة عوامل رئيسة: الأعراف الاجتماعية، والفروق الطبقية، وطبيعة العمل غير الرسمي.

فبعض النساء يخرجن من سوق العمل عند الزواج نتيجة موقف الزوج أو الأسرة، وبعضهن يدخلن العمل أصلًا للمساهمة في تكاليف الزواج ثم يتركنه بعد إتمامه، فيما تستطيع المرأة المنتمية إلى طبقة ميسورة اقتصاديًا الانسحاب من العمل إذا كان دخل الأسرة يسمح بذلك. أما النساء الأقل تعليمًا ودخلًا فقد يجدن أنفسهن خارج القطاع الرسمي من الأصل، محاصرات بين سوق عام متقلص وقطاع خاص غير جاذب أو غير قادر على الاحتفاظ بهن.

إعلان

لكن الرسالة لا تختزل الأمر في "الثقافة". فهي تستشهد بغادة برصوم لتقول إن "الثقافة ليست الإجابة" وحدها؛ لأن قرار المرأة بالعمل يرتبط أيضًا بنوعية الخدمات والسياسات التي تجعل الوظيفة ممكنة أو مستحيلة.

فالمرأة لا تترك العمل بالضرورة لأنها ترفضه، وإنما ربما لأن الوظيفة لا توفر حضانة، أو تتطلب ساعات لا تتناسب مع مسؤوليات الأسرة، أو تدفع أجرًا لا يبرر تكاليف الانتقال والرعاية، أو لا توفر حماية اجتماعية. ولذلك تصبح المشكلة في "هيكل الفرص" المعروض على النساء، لا في موقفهن من العمل فقط.

وتضيف الرسالة عاملًا شديد الأهمية هو العمل المنزلي غير المدفوع؛ إذ تستعرض دراسات تشير إلى أن المرأة المتزوجة في مصر قد تقضي بين 32 و36 ساعة أسبوعيًا في الأعمال المنزلية، في مقابل ساعتين إلى ست ساعات للرجل، وهي فجوة تجعل اليوم نفسه مختلفًا جذريًا بين الطرفين قبل أن يبدأ العمل المأجور أصلًا.

سوق الزواج يتقدم على سوق العمل (أرشيفية- غيتي)
العمل لا يعني التمكين

وتطرح الرسالة تمييزًا آخر مهمًا: وجود المرأة في وظيفة لا يعني بالضرورة أنها أصبحت متمكنة اقتصاديًا.

فالعمل الذي يتسم بانخفاض الأجر، وانعدام الأمان الوظيفي، وغياب التأمين، وسوء المعاملة أو التحرش قد يرفع رقم المشاركة، لكنه لا يحسن بالضرورة نوعية مشاركة المرأة الاقتصادية.

وتشير الرسالة إلى أن 42% فقط من العاملين عمومًا كانوا يتمتعون بالتأمين الاجتماعي وفق البيانات التي تستشهد بها، ثم تعرض تفاوتًا واضحًا في حماية النساء؛ فقد انخفضت تغطية التأمينات الاجتماعية للنساء في القطاع الخاص من 38% عام 2012 إلى 31% عام 2018، وفي القطاع العام من 92% إلى 83% خلال المدة نفسها. كما بلغت التغطية الاجتماعية للعاملات نحو 10% في أحد المقاييس المستخدمة لعام 2018 مقابل 17% للرجال، بينما تكاد تغطية النساء العاملات لحسابهن الخاص تهبط إلى 1% مقابل 9% للرجال.

ومن هنا تصبح الثنائية التي تقترحها الباحثة أكثر حدة: المرأة قد تكون خارج سوق العمل تمامًا، أو داخله ولكن في وظيفة غير رسمية وهشة.

وكلا الوضعين يدخل، في منطق الرسالة، ضمن "تدهور المشاركة".

التكنولوجيا تفتح الباب.. ولكن أي وظيفة؟

وتجد الباحثة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات فرصة كبيرة يمكن أن تغير وضع النساء، لكن هذه الفرصة نفسها تكشف المشكلة.

فطبيعة وظائف التكنولوجيا تسمح بدرجة أكبر من المرونة، وهو عنصر مهم للنساء، كما نما تشغيل النساء في وظائف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بمعدل مركب بلغ 6.4% سنويًا، مقابل تراجع قدره 1% سنويًا في الوظائف غير التكنولوجية. وارتفعت حصة وظائف تكنولوجيا المعلومات من إجمالي عمل النساء من 1% عام 2009 إلى 2.3% عام 2021.

لكن النمو لا يعني أن النساء يحصلن على الوظائف نفسها التي يحصل عليها الرجال.

فبحسب البيانات التي تعرضها الرسالة، كان نحو نصف النساء العاملات في وظائف تكنولوجيا المعلومات بالقطاع الخاص عام 2021 يعملن في إدخال البيانات والاستقبال ومراكز الاتصال، بينما بلغت النسبة بين الرجال 16% فقط؛ في حين كان الرجال أكثر حضورًا في الأعمال التقنية والمبيعات وبعض الوظائف الفنية.

وهنا تعود الرسالة إلى نقطة البداية: ما نوع المهارات التي تتعلمها النساء؟ وما نوع الوظائف التي تقود إليها هذه المهارات؟

فالتحول الرقمي قد يفتح السوق، لكنه قد يعيد أيضًا إنتاج التقسيم التقليدي نفسه داخل قطاع حديث إذا بقي التدريب والتعليم على حالهما.

قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ما بين الفرصة والمشكلة (منضات التواصل)
حين يصبح "الحياد" جزءًا من المشكلة

تدفع الرسالة بحجتها إلى نتيجة سياسية واضحة: لا يكفي أن تعلن الدولة سياسة تعليمية واحدة للجميع، وإنما ينبغي أن تراعي السياسات الاختلاف الفعلي في القيود التي تواجه الرجال والنساء.

إعلان

ولهذا تدعو إلى الانتقال من السياسات المحايدة جندريًا إلى ما تسميه "السياسات التفضيلية جندريًا" أو المراعية بصورة مباشرة للنساء، خصوصًا في التعليم العالي والفني والمهني.

وترى أن ذلك لا يقتصر على زيادة مقاعد النساء، بل يشمل تصميم سياسات تساعدهن على البقاء في السوق: العمل المرن، والحماية الاجتماعية، والمهارات التقنية، والبنية التحتية الداعمة، ومواجهة التمييز، وتحسين جمع البيانات، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل.

وتلفت الباحثة إلى أن التعليم الفني الثانوي يستوعب أكثر من 52% من الشباب في المرحلة الثانوية، وتشكل الإناث 43% منهم، ما يجعل تطوير هذا المسار من منظور جندري فرصة مباشرة لتغيير مشاركة النساء في سوق العمل.

المرأة المصرية أكثر تعليمًا.. لكن؟

في الخاتمة تعود الرسالة إلى مفارقتها الأصلية: إن مصر راكمت خلال العقود الثلاثة الأخيرة رأس مال بشريًا نسائيًا أكبر مما تستخدمه في اقتصادها.

فالنساء حصلن على مستويات تعليم أعلى، لكن التعليم لم يتحول بالقدر نفسه إلى وظائف رسمية مستقرة، بسبب عدم التوافق بين الدراسة والمهنة، والفجوة الرقمية، وضعف سياسات سوق العمل، وانكماش القطاع العام، وصعوبة القطاع الخاص، ومسؤوليات الرعاية، والعوامل الاجتماعية والمؤسسية التي تعمل كلها في الوقت نفسه.

ولهذا ترى الباحثة أن القضية لا تتعلق فقط بحقوق النساء، وإنما أيضًا بموارد اقتصادية غير مستغلة، يمكن أن يؤدي استخدامها بصورة أفضل إلى زيادة النمو. وتدعو إلى أن تتحرك وزارات التعليم العالي، والتعليم الفني، والتخطيط، والقوى العاملة، إلى جانب المجلس القومي للمرأة، نحو سياسات تعليم وتشغيل أكثر استهدافًا للنساء، مع معالجة الانقسام بين القطاعين العام والخاص وتوسيع الفرص الرسمية المتاحة لهن.

وتنتهي الرسالة بذلك إلى مفارقة أشد وضوحًا من مجرد "انخفاض تشغيل النساء": مصر لا تعاني نقصًا في تعليم النساء بقدر ما تعاني عجزًا عن تحويل هذا التعليم إلى عمل لائق. فالمرأة قد تصل إلى الجامعة، وتحصل على المؤهل، وتكتسب جزءًا من المهارات، ثم تتوقف الرحلة عند بوابة سوق العمل؛ أو تعبرها إلى وظيفة لا توفر لها الاستقرار والحماية.

وفي هذا المعنى، يصبح السؤال الذي تطرحه الرسالة على السياسات العامة ليس: كم امرأة تعلمت؟ بل: ماذا فعل الاقتصاد بكل هؤلاء المتعلمات؟



إقرأ المزيد