الجزيرة.نت - 9/10/2026 9:57:00 AM - GMT (+3 )
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد خيال علمي؛ فالطالب يصوغ مسودة بحثه في دقائق، والموظف ينجز تقارير الساعات في ثوان، والمدير يستعين بنماذج ذكية لاستشراف السيناريوهات المعقدة التي كانت تتطلب فرق عمل كاملة. حتى في الطب، أصبحت الخوارزميات شريكا في تشخيص الحالات المستعصية، بينما يجد الباحث مساعدا رقميا يلخص آلاف الصفحات بلمحة بصر.
يبدو كل هذا بحسب الظاهر بمثابة لحظة تحرير كبرى، بما أنه يمكننا من اختزال الجهد وربح الوقت وتحقيق إنتاج أسرع، مع قدرة على الحصول على المعلومة بشكل لحظي ودقيق.
غير أن هذه اللحظة تضع الإنسان أمام سؤال أشد عمقا من سؤال السرعة: من يحكم في نهاية الأمر؟
فكلما صار إنتاج الإجابات أسهل، صار الحكم عليها أثمن، وكلما اتسعت قدرة الآلة على التحليل والتوقع، ارتفعت حاجة الإنسان إلى ضمير ومؤسسة وقانون. وهنا تكمن في تقديري مفارقة الذكاء الاصطناعي، فهو يمنح الإنسان قدرة غير مسبوقة على الفهم، وفي اللحظة نفسها يفتح بابا واسعا للتفويض، بل أحيانا للاتكال الأعمى.
ومن هذه المفارقة يتحدد مصير التقنية. فالمجتمعات التي تبني معرفة محلية، وتعليما نقديا، وحوكمة أخلاقية، تستطيع أن تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة استخلاف وعمران، أما المجتمعات التي تكتفي بالاستهلاك، وتستورد النماذج دون أن تمتلك اللغة والبيانات والمعايير، فستدخل العصر الجديد من باب الارتهان.
السؤال إذن يتجاوز الآلة، إنه سؤال الإنسان نفسه: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي لتوسيع قدرتنا على الكدح المسؤول؟ أم نسمح له بأن يختصر الجهد، ثم يختصر معه الحكم والمعنى؟
مِنْ كَدْح الجهد إلى كدح الحكم.
لقد مر الكدح الإنساني بمراحل كبرى، بدءا بالزراعة حيث تعلم الإنسان أن يضاعف عطاء الأرض، ثم في الصناعة حيث وسع قدرته على تحريك المادة، وصولا إلى الثورة الرقمية حيث نقل الإنسان الذاكرة والمعالجة إلى فضاء جديد. أما الذكاء الاصطناعي، فهو يقترب من منطقة أشد حساسية: منطقة التحليل، والتوقع، وصناعة الرأي، وترجيح القرار.
إعلان
هذا التحول ينقل مركز الثقل من الجهد إلى الحكم. فالآلة تستطيع أن تنتج نصا، وتلخص وثيقة، وتبني جدولا، وتقترح حلا، لكن قيمة الإنسان تظهر في موضع آخر: في السؤال الذي يطرحه، وفي المعيار الذي يحتكم إليه، وفي الغاية التي يختارها، وفي المسؤولية الأخلاقية التي يتحملها عندما يتحول الاقتراح إلى قرار.
فالآلة لا تلغي الكدح، بل تنقله من اليد إلى العقل، ومن التنفيذ إلى الحكم وفحص الجواب بشريا، وكشف "الهلوسة" الآلية. وتكمن الخطورة في أن سرعة الآلة قد تضعف صبر الإنسان على التدقيق، وتوقعه في فخ "الكسل المعرفي" والنسخ واللصق دون تمحيص.
إن تسخير قوانين الكون هو جوهر عمارة الأرض، والذكاء الاصطناعي أداة عظيمة في الطب والتعليم والزراعة إذا أحسن توظيفها، لكن هذا التسخير يحتاج إلى مؤسسات ضابطة ومنهج نقدي؛ فالتكنولوجيا بلا حوكمة تزيد الهشاشة، وبلا مساءلة تمنح القرار الآلي سلطة مطلقة
إن مفهوم الاستخلاف في الأرض يرتبط بالتكليف والمسؤولية وعمارة الأرض بالعقل. ويمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي امتحانا جديدا لهذا المعنى: هل نجعله أداة للعمران، وتوسيع آفاق المعرفة، وخدمة الإنسان، أم نسمح له بأن يتحول إلى وسيلة للهيمنة، والتبعية، والتفريط في مسؤولية الحكم والاختيار؟
والفرق الجوهري بين الإنسان والآلة هو في النهاية أن الأولى "تحسب"، بينما الإنسان وحده هو من "يختار" ويتحمل تبعات اختياره.
حين تصبح الإجابة رخيصة، ويصبح الحكم نادرايشير تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد عام 2026 إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي بلغ 53% من استخدام السكان خلال ثلاث سنوات.
وتقدر شركة بي دبليو سي "PwC" أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف ما يصل إلى 15.7 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030. وتشير ماكينزي "McKinsey" إلى أن التقنيات الحالية قد تؤتمت أنشطة تستغرق 60% إلى 70% من وقت العاملين.
أما تقرير مستقبل الوظائف الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي دبليو إي إف "WEF" لعام 2025، فيتوقع أن تتغير 39% من المهارات الأساسية المطلوبة في سوق العمل بحلول عام 2030.
هذه الأرقام لا تصلح للتهويل، لكنها تكفي لإثبات أننا أمام تحول بنيوي في العمل والمعرفة، وتكشف عن تبدل في مفهوم "الندرة"؛ ففي الماضي كانت المعلومة نادرة والبحث عنها مكلفا، أما اليوم فقد تراجعت كلفة الإجابة ليصبح "الحكم البشري" هو المورد النادر والأغلى.
وتبقى الأسئلة الحارقة اليوم هي: أي جواب نثق به؟ وأي تحليل يفتقد للصدق، أو ينحاز لبيانات ناقصة؟ إن الذكاء الاصطناعي سيكافئ من يحسن استخدامه كأداة مساعدة، لكنه سيكشف ضعف من يستسلم له ويطلب جوابا بلا اختبار.
الاستخلاف الرقمي.. معرفة محلية أم ارتهان مستورد؟المجتمعات التي تكتفي باستخدام نماذج مستوردة صممت لسياقات أخرى، ستجد نفسها أمام ذكاء قوي، لكنه لا يفهم دائما تاريخها ولهجاتها وأولوياتها ومفاهيمها القيمية وحساسياتها الثقافية
إن تسخير قوانين الكون هو جوهر عمارة الأرض، والذكاء الاصطناعي أداة عظيمة في الطب والتعليم والزراعة إذا أحسن توظيفها، لكن هذا التسخير يحتاج إلى مؤسسات ضابطة ومنهج نقدي؛ فالتكنولوجيا بلا حوكمة تزيد الهشاشة، وبلا مساءلة تمنح القرار الآلي سلطة مطلقة.
إعلان
ويظل السؤال المركزي للعالم العربي: هل ندخل هذا العصر كمستخدمين لمنصات صممت بمعايير غيرنا، أم نبني قدراتنا الذاتية في البيانات واللغة والتشريع؟
لكن التسخير يحتاج طبعا إلى مقصد، والقدرة تحتاج إلى ميزان، والانتفاع بالتقنية يتطلب مؤسسات قادرة على ضبطها. فالتكنولوجيا التي تدخل إلى مجتمع بلا حوكمة قد تزيد هشاشته، وحين تدخل إلى جامعة بلا منهج نقدي قد تضعف ملكة طلابها، وكذلك حين تدخل إلى إدارة عمومية بلا مساءلة قد تمنح القرار الآلي سلطة أكبر من قدرة المواطن على الاعتراض.
لهذا يصبح سؤال العالم العربي أكثر تحديدا: هل ندخل عصر الذكاء الاصطناعي كمجرد مستخدمين لمنصات صممت في بيئات أخرى ونماذج كتبت بلغات أخرى، وتم تقنينها وضبط مجال توظيفها بمعايير أخرى، أم نبني قدرة عربية في البيانات واللغة والنماذج والتقييم والتشريع والتعليم؟
الجواب في رأيي يبدأ من الجامعة بتدريب الطلاب على الاستخدام المسؤول وكشف الانحياز، ومن الإدارة الحكومية عبر ضمان شفافية القرار الخوارزمي ومسؤوليته، ثم من اللغة؛ واللغة هنا ليست مجرد أداة تواصل، بل هي وعاء للقيم؛ والمجتمعات التي تملك بياناتها ولغتها ومعاييرها تدخل عصر الذكاء الاصطناعي بثقة أكبر.
أما المجتمعات التي تكتفي باستخدام نماذج مستوردة صممت لسياقات أخرى، فستجد نفسها أمام ذكاء قوي، لكنه لا يفهم دائما تاريخها ولهجاتها وأولوياتها ومفاهيمها القيمية وحساسياتها الثقافية.
لقد كانت الفجوة الرقمية القديمة هي فجوة في الوصول إلى الإنترنت، أما الفجوة الجديدة فهي فجوة في امتلاك النماذج والبيانات والقدرة الحاسوبية. وهنا نجد أن القوة الرقمية الحقيقية تتركز أساسا لدى بعض المؤسسات العملاقة على غرار أوبن إيه آي "OpenAI" وغوغل "Google" وأنثروبيك "Anthropic" وميتا "Meta" ومايكروسوفت "Microsoft"، وعدد محدود من الدول وخاصة الصين وسنغافورة وكوريا الجنوبية؛ فهل يمكن تحقيق استخلاف رقمي بلا سيادة معرفية؟
عندما تتحول القدرة إلى استعباد ناعمالاستخلاف في هذا العصر لا يقاس- في نظري- بامتلاك النموذج الأذكى، بل بقدرة الإنسان على توجيه الذكاء نحو الكرامة والعدل والعمران. ويبدأ الارتهان حين تتحول الأداة إلى مرجع، ويستبدل الإنسان السؤال بالامتثال
إن أخطر ما في الذكاء الاصطناعي أنه يأتي غالبا في هيئة مساعدة، ويدخل باسم الراحة والسرعة، ويتسلل تحت لافتة التخصيص وتحسين الخدمة، ثم يتوسع حضوره في التعليم والعمل والإعلام والإدارة والأمن والترفيه. وبعد سنوات قليلة، قد يكتشف الإنسان أنه قد فوض جزءا كبيرا من حكمه اليومي إلى أنظمة لا يعرف كيف تعمل، ولا مَن صممها، ولا أي قيم تحكم ترتيبها للأولويات.
ولهذا فإن الاستعباد الناعم لا يحتاج إلى قيود ظاهرة، بل يكفي أن يفقد الإنسان قدرته على السؤال، وأن يتعود قبول الجواب الجاهز، ويكفي أن تصبح الخوارزمية وسيطا دائما بينه وبين العالم، فتضيق مساحة التجربة المباشرة، ويضعف الحس النقدي، وتصبح السرعة بديلا عن الحكمة.
لقد حذر رواد الذكاء الاصطناعي، مثل "جيفري هينتون"، الملقب بالأب الروحي للذكاء الاصطناعي والحائز على جائزة نوبل للفيزياء عام 2024، من أنظمة قد تتجاوز الفهم البشري، وعبر عن مخاوفه من حصول تطور لأنظمة ذكاء اصطناعي قد تتجاوز القدرة البشرية على الفهم والتحكم، وما قد يترتب عن ذلك من مخاطر تتعلق بالتضليل الرقمي، والمراقبة الشاملة، والأسلحة الذاتية، والتأثير في الرأي العام وصناعة القرار.
بينما نبه "يوفال نوح حراري" من نشوء "دكتاتوريات رقمية". كما حذر إريك شميدت، الرئيس التنفيذي السابق لشركة غوغل، من التسارع الرهيب لقدرات الذكاء الاصطناعي، خاصة مع بلوغ مرحلة الذكاء الاصطناعي الفائق "إيه إس آي- ASI" الذي سيفوق بعد سنوات قليلة قدرات مجموع البشر، مع الحاجة المتزايدة للاستهلاك الهائل للطاقة ووسائل تبريد الحواسيب الضخمة.
إعلان
المسألة إذن ليست خيالا بعيدا، بل تتعلق بتوزيع القوة اليوم بين من يصممون النماذج ومن يخضعون لها.
ولتحقيق الاستخلاف الرقمي، أرى ضرورة توافر خمسة شروط عملية:
1. التعليم النقدي: تدريب الطلاب على السؤال والتحقق وليس مجرد تشغيل الأداة.
2. أن يكون أي قرار يمس حياة الناس قابلا للفهم والمراجعة والمساءلة.
3. الاستثمار في البيانات والنماذج العربية لحماية هويتنا وقيمنا من التشكيل الخارجي.
4. ربط الإستراتيجيات التقنية بالأمن السيبراني والطاقة والبيئة.
5. ضمان وجود "يد بشرية" مسؤولة في المجالات عالية الخطورة كالطب والقضاء والأمن.
الخلاصة: القدرة تسأل عن الحكمةلقد دخلت الآلة غرفة القرار وستبقى فيها؛ ومع كل خطوة، سيزداد السؤال إلحاحا: من يقود هذه القدرة؟
والاستخلاف في هذا العصر لا يقاس في نظري بامتلاك النموذج الأذكى، بل بقدرة الإنسان على توجيه الذكاء نحو الكرامة والعدل والعمران. ويبدأ الارتهان حين تتحول الأداة إلى مرجع، ويستبدل الإنسان السؤال بالامتثال.
وبذلك تضعنا الآلة أمام امتحان قديم بصورة جديدة: ماذا يفعل الإنسان عندما تتسع قوته وتتضاءل حكمته؟ ذاك هو كدحنا في عصر الذكاء الاصطناعي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


