هل تملك دول الخليج بدائل حقيقية لمضيق هرمز؟
الجزيرة.نت -

أعاد إغلاق مضيق هرمز طرح سؤال إستراتيجي واقتصادي بالغ الحساسية: هل يستطيع العالم إيجاد بدائل لممر يعد أحد أهم شرايين التجارة والطاقة العالمية؟

فالمضيق الذي تمر عبره كميات ضخمة من النفط والغاز لا يمكن استبداله بسهولة، رغم وجود خطوط أنابيب وموانئ ومسارات برية يمكن أن تخفف جزئيا من تداعيات إغلاقه.

ويخلص ضيوف برنامج "محاولة فهم" الذي بث الأربعاء على شاشة الجزيرة إلى أن البدائل موجودة، لكنها لا تستطيع في المدى القريب أن تحل محل المضيق بالكامل، بسبب محدودية طاقتها وارتفاع تكلفتها والحاجة إلى سنوات لتنفيذ مشروعات جديدة.

ويرى الكابتن عبد العزيز المهندي، مستشار الملاحة البحرية، أن التحايل على الجغرافيا لإيجاد بديل كامل لمضيق هرمز مستحيل، لكن يمكن تطوير بدائل بحسب نوع البضائع والطاقة المطلوب نقلها.

ويشير المهندي إلى أن موانئ مثل الفجيرة وصحار وصلالة والدقم وخورفكان يمكن أن تلعب دورا في تخفيف الضغط عن الملاحة عبر هرمز، ولا سيما في نقل البضائع الجافة والحاويات. لكنه يلفت إلى أن هذه الموانئ نفسها تواجه ضغوطا كبيرة، موضحا أن انتظار السفن في الفجيرة وصل إلى نحو 18 يوما نتيجة ارتفاع الطلب عليها بعد إغلاق المضيق.

الغاز التحدي الأكبر

ويؤكد مستشار الملاحة البحرية أن نقل النفط يمكن أن يجد بدائل عبر خطوط الأنابيب، مستشهدا بالخط السعودي الذي يربط المنطقة الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر، والذي يمكن أن ينقل نحو 7 ملايين برميل يوميا. لكن الوضع يصبح أكثر تعقيدا عند الحديث عن الغاز الطبيعي المسال، بحسب المهندي، بسبب الحاجة إلى منشآت متخصصة ومحطات تسييل وحفظ الغاز في درجات حرارة محددة، وهي مشروعات تتطلب وقتا طويلا واستثمارات ضخمة.

ويشير إلى أن إنشاء مشروع بديل متكامل لنقل الغاز قد يحتاج إلى نحو 4 إلى 6 سنوات، وبكلفة تتراوح بين 7 و8 مليارات دولار، في حين أن هذه البدائل لن توفر سوى جزء محدود من القدرة الحالية على التصدير خلال الأزمات.

من جانبه، يرى مصطفى عبد السلام، رئيس قسم الاقتصاد في صحيفة "العربي الجديد"، أن الحديث عن بديل كامل لمضيق هرمز في المدى القريب يقترب من الخيال، موضحا أن الخطوط البديلة الموجودة حاليا لا تستطيع استيعاب الكميات التي تمر عبر المضيق.

ويقول عبد السلام إن الطاقة القصوى لبعض البدائل لا تتجاوز نحو 9 ملايين برميل يوميا، بينما تتجاوز الكميات الخارجة من منطقة الخليج 20 مليون برميل يوميا، فضلا عن الغاز والأسمدة والبتروكيماويات.

السعودية والعراق في مقدمة الباحثين عن البدائل

ويستعرض عبد السلام عددا من المسارات التي يمكن أن تلجأ إليها دول المنطقة. ففي العراق، يجري العمل على زيادة الاعتماد على مسار كركوك–جيهان عبر تركيا، إلى جانب خط آخر باتجاه سوريا وميناء بانياس، غير أن الأخير يحتاج، وفق تقديره، إلى سنوات قبل أن يصبح قادرا على أداء دور فعلي.

أما السعودية، فتملك أحد أهم البدائل القائمة بالفعل، وهو خط شرق–غرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر، إضافة إلى استخدام مسار سوميد الذي يتيح نقل النفط من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط وصولا إلى الأسواق الأوروبية.

ويرى عبد السلام أن توسيع هذه المسارات يمكن، على المدى الطويل، أن يقلص اعتماد بعض دول الخليج على مضيق هرمز، لكنه يشدد على أن ذلك لا يعني إمكانية الاستغناء عنه سريعا.

كلفة البدائل تصل إلى المستهلك

ولا تقتصر المشكلة على قدرة الخطوط والموانئ البديلة، إذ يحذر المهندي من أن تحويل مسارات التجارة يؤدي إلى ارتفاع كبير في تكاليف النقل. ويشير إلى أن تكلفة نقل بعض الحاويات قد ترتفع بنسب تتراوح بين 25 و45 بالمئة، فضلا عن ارتفاع رسوم التأمين بسبب تصنيف مناطق الصراع باعتبارها مناطق عالية المخاطر.

ويقول إن شركات التأمين ترفع أقساطها بصورة حادة في المناطق الخطرة، وهو ما ينتقل في النهاية إلى أسعار السلع والخدمات، بما يعني أن أزمة الملاحة لا تبقى محصورة في قطاع الطاقة، وإنما يمكن أن تتحول إلى موجة تضخم تمس الغذاء والسلع والأسواق العالمية.

ويحذر عبد السلام بدوره من أن استمرار اضطراب الملاحة في هرمز يمكن أن يفتح الباب أمام أزمة أوسع في الممرات المائية العالمية، إذا بدأت مضايق أخرى تفرض رسوما أو قيودا على حركة السفن.

القنبلة الاقتصادية الإيرانية

ويصف رئيس قسم الاقتصاد بصحيفة العربي الجديد استخدام إيران مضيق هرمز بأنه يمثل نوعا من القنبلة الاقتصادية، مشيرا إلى أن تأثير إغلاق المضيق لا يقتصر على النفط والغاز، بل يمتد إلى التجارة العالمية وسلاسل الإمداد. ويقول إن ارتفاع مخاطر المرور، إلى جانب احتمالات الاستهداف والألغام والقيود العسكرية، دفع شركات الشحن إلى إعادة حساباتها، وهو ما يزيد تكلفة النقل ويخلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين.

أما المهندي، فيرى أن إيران تستطيع التأثير في حركة الملاحة حتى من دون السيطرة العسكرية الكاملة على المضيق، إذ يكفي أن تخلق حالة من الخوف لدى مالكي السفن والمشغلين وشركات التأمين حتى يعيدوا التفكير مرات عدة قبل إرسال سفنهم عبر المنطقة.

ويشير إلى أن قيمة ناقلة الغاز الكبيرة قد تصل إلى مئات الملايين من الدولارات عند احتساب قيمة السفينة وحمولتها، وهو ما يجعل المخاطرة بعبورها في منطقة عالية الخطورة قرارا بالغ الكلفة.

القانون الدولي في قلب الأزمة

ويرى الدكتور صلاح زين الدين، أستاذ القانون البحري في جامعة قطر، أن أزمة هرمز لا يمكن فصلها عن الإطار القانوني الدولي الذي ينظم حركة الملاحة البحرية. ويشير إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تنظم حقوق والتزامات الدول الساحلية وحركة الملاحة في الممرات البحرية الدولية.

ويقول زين الدين إن الاتفاقية تفرض قواعد للعبور، بما في ذلك مفهوم "المرور البريء"، الذي يعني أن يكون مرور السفن سريعا وغير ضار، وألا يكون هدفه التجسس أو القيام بأعمال عدائية. ويضيف أن إيران وقعت الاتفاقية، لكنها لم تصدق عليها بالطريقة التي تجعلها ملزمة بها وفق الإجراءات المعمول بها، وهو ما يفتح، بحسب قراءته، مساحة لتفسير بعض النصوص بصورة تخدم مصالحها.

ويحذر المتحدث من أن تحول أي تفسير أحادي لقواعد الملاحة إلى سابقة عملية قد ينعكس على مضايق وممرات مائية أخرى في العالم.

الخليج أمام خيار استراتيجي جديد

ويجمع ضيوف البرنامج على أن أزمة هرمز دفعت دول الخليج إلى إعادة التفكير في أمن سلاسل الإمداد، وعدم الاعتماد على مسار واحد مهما بلغت أهميته. ويؤكد المهندي أن تطوير البدائل أصبح ضرورة، مشيرا إلى أهمية استكمال شبكات السكك الحديدية والطرق البرية التي تربط دول الخليج، بما يتيح نقل البضائع بعيدا عن المخاطر البحرية.

لكنه يشدد على أن هذه المسارات تصلح بدرجة أكبر للبضائع الجافة والسيارات والأغذية والمواد الخام، ولا يمكنها أن تحل محل المضيق في نقل النفط والغاز. ويشير إلى إمكانية تطوير خطوط غاز جديدة ومحطات لتسييل الغاز في مواقع خارج المضيق، لكنه يقدر أن مثل هذه المشروعات تحتاج إلى سنوات، وأن بناء منظومة متكاملة قد يستغرق نحو 7 أو 8 سنوات.

أما عبد السلام، فيرى أن دول الخليج تمتلك القدرة المالية على الاستثمار في هذه البدائل، مشيرا إلى أن قيمة صناديقها السيادية تتجاوز، بحسب تقديره، 6 تريليونات دولار. ويؤكد أن المشكلة الأساسية ليست في التمويل فقط، وإنما في الإرادة السياسية والتخطيط طويل المدى، معتبرا أن الاستثمار في مسارات بديلة يمكن أن يسحب تدريجيا من إيران ورقة الضغط التي يمثلها مضيق هرمز.

في المقابل، يحذر زين الدين من المبالغة في تقدير قدرة البدائل على تعويض المضيق، معتبرا أن استبداله بالكامل في الظروف الحالية شبه مستحيل، بسبب التكلفة والمدة الزمنية اللازمة للتنفيذ، فضلا عن عدم قدرة بعض المسارات على استيعاب الناقلات العملاقة، ولا سيما ناقلات الغاز المسال.



إقرأ المزيد