هل اقتربت لحظة الانفجار؟.. صراعات محتدمة وتنافس دولي حول باب المندب
الجزيرة.نت -

يُعد مضيق باب المندب والبحر الأحمر من أكثر الممرات المائية تأثرا وحساسية تجاه التحولات الجيوسياسية والتوازنات الدولية.

ويتحول هذا الممر الحيوي تدريجيا من شريان لتتدفق الملاحة والتجارة العالمية إلى ساحة صراع مفتوحة وأداة ضغط إستراتيجي توظفها القوى الإقليمية والدولية، وفق ما عرضته حلقة برنامج "موازين".

وفكك الخبير العسكري والإستراتيجي الدكتور علي الذهب خريطة الوجود الأجنبي المكثف في جنوب البحر الأحمر والقرن الأفريقي وخليج عدن، موضحا أن انتشار القواعد العسكرية جاء في ظل هشاشة المنظومة الوطنية والأمنية لعدد من دول المنطقة (مثل اليمن والسودان)، ليمنح القوى الكبرى موطئ قدم أمنيا لا يقتصر على حماية المصالح التجارية فحسب، بل يمتد لإيجاد توازنات بين الأطراف المتنافسة، كالقاعدة العسكرية التي أنشأتها الصين في جيبوتي عام 2017.

وأشار الدكتور الذهب إلى أن هذه القواعد تُعد منصات لوجستية محورية لإدارة عمليات المسح والاستطلاع، إذ تُطلق منها الطائرات المسيرة (من طراز إم كيو-9) لتغطية أجواء المنطقة، مؤكدا أن الصراعات المحتدمة في المنطقة ترتبط بالصراع على النفوذ والاقتصاد والملف النووي، لمنع القوى الصاعدة من الإخلال بالتوازنات القائمة.

ووفقا لما ذكره الخبير العسكري والإستراتيجي في الحلقة، فإن أي اضطراب في مضيق باب المندب يلقي بظلاله المباشرة على أمن واقتصاد الدول المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن، وفي مقدمتها اليمن والصومال والسودان وإريتريا، وصولا إلى الأردن ومصر.

وتتأثر هذه الدول بشدة جراء تحول هذا الممر الحيوي من شريان للملاحة والتجارة العالمية إلى بؤرة للتنافس الدولي والاستقطاب المسلح، مما يهدد الموانئ الإقليمية ويحولها من مراكز للتنمية إلى نقاط ساحة للصراع، ناهيك عن ضرب حركة النقل البحري وسلاسل الإمداد التي تعتمد عليها اقتصادات هذه الدول.

وتأتي مصر في مقدمة الدول الأكثر تأثرا بحكم الارتباط العضوي والحيوي بين باب المندب وقناة السويس، إذ يُشكل هذا الممر العمق الإستراتيجي والأمني للبوابة الجنوبية للقناة.

وبحسب تحليل الذهب، فإن غياب الاستقرار والتسويات السياسية الشاملة في جنوب البحر الأحمر يتسبب في تراجع حركة السفن التجارية والناقلات العابرة باتجاه القناة، مما يحرم الاقتصاد المصري من شريان حيوي للإيرادات والنقد الأجنبي.

كما أن تزايد الوجود الاستخباراتي والعسكري الخارجي والتهديدات المباشرة للملاحة يفرض تحديات جيوسياسية وأمنية مضاعفة تمس الأمن القومي المصري واستقرار المنطقة ككل.

التنافس على الموانئ

وفي سياق تحول الممر المائي إلى أداة ضغط إستراتيجي، أوضح الخبير الإستراتيجي أن التنافس على إدارة وتطوير الموانئ يتخذ مسارين رئيسيين:

  • مسار إقليمي: تسعى من خلاله دول صاعدة لاستغلال وفرتها المالية للتوسع في إدارة الموانئ خارج حدودها لتعويض ضيق جغرافيتها عبر "صناعة النقل البحري".
  • مسار دولي: تقوده الصين عبر مبادرة "الحزام والطريق" لتطوير الموانئ في المحيط الهندي والبحر الأحمر، وهو ما يثير قلق الولايات المتحدة نظرا للأبعاد الأمنية والعسكرية المتقاطعة مع الاستثمارات التجارية.

وحذر الذهب من أن هذا التنافس المحموم يُهدد بتحويل الموانئ والمضايق من بؤر للتنمية إلى مناطق للمخاطر، لا سيما مع التهديدات المباشرة التي يفرضها التصعيد الحوثي المدعوم إيرانيا للتحكم بحركة الملاحة وتوظيف الممر البحري كأوراق مناورة سياسية.

ولم تقتصر أبعاد الأزمة على الصراع البحري المباشر، بل امتدت إلى الطموحات الإثيوبية للوصول إلى البحر الأحمر، وأوضح الذهب أنه على الرغم من السجل التاريخي المعاصر الآمن بين اليمن وإثيوبيا، فإن سعي أديس أبابا -التي يربو عدد سكانها على 120 مليون نسمة- لامتلاك قاعدة عسكرية في خليج عدن دون اتصال مائي مباشر بأراضيها يمثل سابقة تثير قلق الدول المشاطئة.

ويرتبط هذا التمدد الإثيوبي بمخاوف مصرية تتصل بأمنها المائي وملف سد النهضة، في حين يمثل التهديد الأكبر بالنسبة للصومال، كون التحرك الإثيوبي يذكي مساعي إقليم أرض الصومال للانفصال عن الحكومة المركزية في مقديشو مقابل منح إثيوبيا موطئ قدم بحريا.

مناورات القرش الثور بباب المندب شاركت فيها قوات أمريكية وفرنسية وإسبانية (الجزيرة)
الورقة الاستخباراتية الإسرائيلية

وحول طبيعة الوجود الإسرائيلي، بيّن الخبير العسكري أن هذا الحضور يتخذ طابعا استخباراتيا ونوعيا يعتمد على شبكات التنصت والأقمار الصناعية وتحليل البيانات الميدانية وتجنيد عناصر محلية، فضلا عن تقديم تدريبات أمنية لمؤسسات إقليم أرض الصومال، مع ترجيح إمكانية استغلال إسرائيل للكيانات الانفصالية في المنطقة لفرض واقع التطبيق والاعتراف المستقبلي.

وعن سباق الأمن في الممر الحيوي، لفت الذهب إلى أن الأمن البحري يتوزع حاليا بين القوات البحرية الدولية (التي تقود منها أمريكا عشرات الفرق الأمنية) وبين الدول المشاطئة، مع المراهنة على التحالف البحري الإقليمي المرتقب بقيادة السعودية للحد من التهديدات.

وتناول الخبير العسكري والإستراتيجي  الملف الإريتري بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وهشاشة في معادلة أمن البحر الأحمر، موضحا أن الوضع في إريتريا مرشح للانفجار الداخلي جراء التردي الاقتصادي والضغوط المعيشية والسياسية المعقدة التي تعيشها البلاد.

فرقاطة من أسبيدس الأوروبية ترافق سفينة تعبر مضيق باب المندب (الجزيرة)

وأوضح الذهب أن الاستقرار في منطقة باب المندب والقرن الأفريقي لا يمكن اختزاله في البعد العسكري أو تسوية النزاعات في اليمن والصومال والسودان فحسب، بل يتطلب بصورة عاجلة تقديم دعم اقتصادي حقيقي لإريتريا.

وحذّر من أن استمرار العزلة الاقتصادية وتهميش هذا البلد المشاطئ سيقود إلى انفجار داخلي قد يمتد شراره ليزعزع أمن الملاحة والممر الملاحي بأكمله.

وشدد الخبير العسكري على أن الحلول العسكرية المنفردة لن تصمد في حماية مضيق باب المندب ما لم ترافقها تسويات سياسية شاملة للنزاعات الداخلية في اليمن والصومال والسودان ودعم الاقتصاد الإريتري لتجنب الانفجار الداخلي.

واستشهد الذهب بمقولة وزير الدفاع الأمريكي الأسبق روبيرت ماكنامارا وهي أن "الأمن هو التنمية ولا يوجد أمن بدون تنمية"، مؤكدا أن المدخل الأنجح لحماية الأمن القومي وتجنيب الشباب الاستقطاب من الجماعات العنيفة يكمن في استثمار "الاقتصاد الأزرق" عبر تطوير الموانئ والصيد البحري والاستزراع وتحلية المياه والسياحة، لبناء دول واثقة ومستقرة.

Published On 9/9/2026

شارِكْ



إقرأ المزيد