الجزيرة.نت - 9/9/2026 3:44:16 PM - GMT (+3 )
شاركت حسابات عبر منصات التواصل الاجتماعي حول العالم مقطع فيديو، زعمت أنه يوثق لحظة ثوران بركان "أناك كراكاتوا" في إندونيسيا خلال الساعات الأخيرة، وحظي بمئات آلاف المشاهدات خلال ساعات على حسابات في فيسبوك وإكس وإنستغرام وتيك توك.
ويوثق المقطع، الذي تبلغ مدته 15 ثانية، عمودا هائلا من الحمم البركانية المتطايرة بلون برتقالي حاد يتصاعد من فوهة جبل، تعلوه سحابة كثيفة من الدخان الرمادي الداكن.
وفي مقدمة اللقطة المتداولة، يظهر حي سكني هادئ تصطف فيه المنازل والسيارات، قبل أن يركض رجال فجأة، في مشهد يوحي بأن الفيديو صُوِّر بهاتف أحد السكان أثناء فراره من موقع قريب من نقطة ثوران البركان.
وقد صيغ المقطع ونُشر بطريقة أوحت بأنه توثيق حي للحظة الثوران، مما دفع حسابات يتابعها الملايين بينها وسائل إعلام عربية وعالمية إلى مشاركته على نطاق واسع باعتباره "لقطة نادرة" لثوران جبل أناك كراكاتوا.
من نشر المقطع أولا؟توصلت وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة إلى أن الحساب الذي يحمل اسم (vural mexx) على منصة إكس هو أول من نشر المقطع بهذا السياق، قبل أن يقوم بحذفه لاحقا بعد تشكيك المستخدمين في حقيقته.
إلا أنه عبر الرجوع لموقع (Archive.today) المتخصص في أرشفة وتوثيق الصفحات الإلكترونية، تمكّنا من الحصول على نسخة للتغريدة المحذوفة والتي تم حفظها بتاريخ 7 سبتمبر/أيلول 2026.
وتكشف النسخة المؤرشفة أن الحساب نشر المقطع مروجا لادعاء يزعم فيه أن الفيديو يوثق انفجار بركان "أناك كراكاتوا".
وعند فحص المقطع بصريا، ظهرت عليه عيوب ومؤشرات واضحة تدل على أنه مُولد أو مركب باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، فضلا عن عدم رصد أي مشهد مشابه للّقطة نفسها من أي زوايا أخرى مشابهة.
إعلان
ففي الجزء الأيسر من المشهد، حيث يقف رجل بجانب سيارة فضية، تظهر حدود جسده متداخلة ومشوّهة بشكل غير طبيعي مع نافذة السيارة وسقفها، فيما يُعرف بظاهرة "تداخل الحواف".
كما يقف الرجل ملاصقا للسيارة دون أن تظهر له أي ظلال أو انعكاسات طبيعية على هيكلها المعدني أو زجاجها، وهو ما يشير إلى أن الشخصية أضيفت إلى المشهد عبر أدوات توليد أو دمج بصري بالذكاء الاصطناعي.
أما في وسط الإطار، فتبدو السيارة البيضاء وكأنها لا تتناسب مع عرض الطريق ولا مع الأجسام المحيطة بها في المقدمة والخلفية، فضلا عن تشوّه واضح وغير مستقر في تفاصيلها، من الشبكة الأمامية إلى الأضواء والهيكل العام.
وفي الجانب الأيمن من الإطار، حيث يظهر رجل يركض باتجاه الكاميرا، تبدو حركة ذراعه المنحنية غريبة ومنافية للتشريح الجسدي الطبيعي، مع فقدان تفاصيل الكتف واليد وتشوّه في التفافة العضلات، إضافة إلى ضبابية وتغبيش غير منتظمين حول الذراع والجانب الأيمن من جسده.
ماذا تقول أدوات الكشف؟وعند فحص المقطع عبر عدد من الأدوات المتخصصة في رصد المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، جاءت نتائجها متطابقة في تأكيد فبركة المشهد.
فقد صنفت أداة "إيميج ويسبرر" (Image Whisperer) المقطع بأنه "مولد بالذكاء الاصطناعي" إذ رصدت 3 من أصل 9 خوارزميات فرعية مخصصة لرصد التوليد الاصطناعي مؤشرات إيجابية على ذلك.
كما أظهرت أداة "فيديو ديتكتور" (Video Detector) التابعة لموقع متخصص في تحليل مقاطع الفيديو مؤشرا قويا على التوليد الاصطناعي، بلغت نسبته 91% مع نسبة توليد بلغت 100% على مستوى الإطارات الثابتة، و74% على مستوى الحركة.
وعند تحليل لقطة مقربة من المشهد عبر أداة أخرى مخصصة لكشف الصور المولدة اصطناعيا، جاءت النتيجة بنسبة 99%، ما يعزز النتيجة نفسها.
وبناء على التحليل البصري والتقني، يتبين أن مقطع الفيديو المتداول مفبرك ومولد بالذكاء الاصطناعي وليس توثيقا حقيقيا لثوران بركان "أناك كراكاتوا"، كما زعمت الحسابات.
نشاط الحساب الناشروعند تحليل محتوى حساب (vural mexx) -أول ناشر للمقطع- تبين أن معظم الفيديوهات التي ينشرها مولدة بالذكاء الاصطناعي بشكل واضح، إذ تحمل خصائص شائعة في هذا النوع من المحتوى، أبرزها جودة بصرية عالية جدا، وإضاءة درامية مبالغ فيها، وحركة سلسة غير طبيعية، وتفاصيل شبه مثالية في عناصر المشهد.
ويعتمد الحساب أسلوبا بصريا متكررا يقوم أساسا على محتوى يتعلق بالفضاء والكواكب، إلى جانب مشاهد كوارث طبيعية.
وتنقسم الفيديوهات المولدة اصطناعيا على الحساب إلى نوعين رئيسيين، الأول فيديوهات ذات طابع فضائي تتناول الكواكب والمجرات بمشاهد مثيرة بصريا لكنها غير واقعية، والثاني فيديوهات تتناول الكوارث الطبيعية والزلازل، مما يعزز الاستنتاج بأن نشر مشهد بركان أناك كراكاتوا المفبرك لم يكن حادثة معزولة، بل امتدادا لنمط متكرر يعتمده الحساب في إنتاج محتواه.
ولاحظنا أن أغلب هذه المقاطع تتقارب في مدتها عند نحو 15 ثانية، وهو أمر يحمل دلالة تقنية لا تبدو عشوائية. فمعظم نماذج توليد الفيديو المنتشرة حاليا تُصدّر مقاطعها الأساسية بمدد قصيرة تتراوح بين 4 و15 ثانية تقريبا، إذ يصعب الحفاظ على الاتساق البصري من ثبات الأشخاص والأجسام والإضاءة، كلما طالت مدة المقطع.
ويأتي انتشار المقطع المفبرك في سياق نشاط بركاني حقيقي ومتصاعد فعلا لجبل أناك كراكاتوا، مما جعل الكثير من المستخدمين أكثر استعدادا لتصديق أي محتوى بصري يُقدَّم على أنه يوثق الحدث.
فقد قال وزير النقل الإندونيسي إن 7 مطارات إندونيسية ظلت مغلقة، الاثنين الماضي، بسبب الرماد البركاني الناجم عن الانفجارات المتتالية لجبل "أناك كراكاتوا"، مما أثّر في أكثر من 270 ألف مسافر جراء إلغاء رحلات جوية أو تأخيرها.
وأظهرت بيانات ملاحية على منصة "فلايت رادار" المتخصصة في تتبع حركة الطيران تسجيل مطار جاكرتا بتاريخ 7 سبتمبر/أيلول 2026، المركز الأول لليوم الثاني على التوالي، ضمن المطارات الأكثر اضطرابا في العالم نتيجة تعليق عمليات الطيران.
وسبق أن رصدت وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة صور أقمار صناعية ملتقطة في 5 و6 سبتمبر/أيلول 2026 لبركان كراكاتوا، حيث ظهرت سحابة دخانية ضخمة لثوران البركان.
إقرأ المزيد


