الجزيرة.نت - 9/9/2026 5:24:51 AM - GMT (+3 )
Published On 9/9/2026
تدخل بريطانيا مرحلة جديدة في علاقتها بإسرائيل، بعدما أعلنت حكومة آندي بيرنهام حزمة عقوبات تستهدف التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وتلوّح بإجراءات ضد الشركات التي تمول أو تسهّل مشاريع الاستيطان.
وفتحت تلك الخطوة، التي جاءت بالتزامن مع تصاعد عنف المستوطنين ودفع إسرائيل نحو توسيع مستوطنة "إي 1"، نقاشا واسعا حول قدرة أوروبا على تحويل الانتقادات السياسية إلى ضغط اقتصادي وقانوني، وحول ما إذا كانت الإجراءات ستؤثر فعليا في إسرائيل أم أنها ستبقى رمزية.
ترى افتتاحية الغارديان أن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند وضع بلاده في صدارة ائتلاف يضم 12 دولة تبحث قيودا اقتصادية على المستوطنات، مع التزام بريطانيا وفرنسا وكندا بحظر تجاري وطني.
وتقول الصحيفة إن الإعلان يمثل "أشد إدانة رسمية بريطانية" للسلوك الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، خصوصا بعد تصاعد هجمات المستوطنين، والمضي في بناء 1200 وحدة في منطقة "إي 1" التي يمكن أن تفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها.
وتضيف الغارديان أن أهمية الخطوة تتجاوز حظر السلع، إذ تعهّد ميليباند باستهداف خدمات البناء والبنية التحتية والتمويل، فضلا عن المستوطنين المتطرفين، ووقف تراخيص مبيعات الأسلحة التي "تعزز الاحتلال". وترى الصحيفة أن الاختبار الحقيقي سيكون في تنفيذ تلك العقوبات.
تمويل الاحتلالوتوضح الغارديان أن تجارة السلع المنتجة في المستوطنات تمثل جزءا صغيرا من الاقتصاد التصديري الإسرائيلي، ولذلك قد يكون أثر الحظر المباشر محدودا. لكنّ استهداف البنوك وشركات التأمين والمؤسسات التي تمول مشاريع الاستيطان قد يكون أكثر تأثيرا، لأن تلك المؤسسات قد تضطر للاختيار بين مصالحها التجارية في بريطانيا ونشاطها في الأراضي الفلسطينية محتلة.
إعلان
وتشير الصحيفة إلى أن عدد المستوطنين في الضفة ارتفع من نحو 270 ألفا عام 1993 إلى 770 ألفا اليوم، في توسع تدعمه إعانات حكومية كبيرة.
وبحسب محامي حقوق الإنسان الإسرائيلي مايكل سفارد، فإن العقوبات تعيد رسم الخط الفاصل بين إسرائيل داخل حدود الهدنة لعام 1949 والأراضي المحتلة، وتربط العلاقات الاقتصادية مجددا بقواعد القانون الدولي.
اختبار لأوروباويرى الباحثان سفن كوبمانس وغريس ويرمبول، في مقال بمجلة فورين بوليسي، أن أوروبا لم تكن لعقود لاعبا أساسيا في الملف الإسرائيلي الفلسطيني، بسبب اعتمادها على واشنطن وانقسامات دول الاتحاد الأوروبي. لكنهما يقولان إن التحول في الرأي العام الأمريكي والأوروبي، وتصاعد الانتقادات لحرب إسرائيل على غزة والاستيطان، يمنح أوروبا فرصة لاتباع سياسة أكثر استقلالا.
ويقترح الكاتبان ما يسميانه "الاشتراط البنّاء" المتمثل في دعم أمن إسرائيل، بالتوازي مع ربط التعاون الأوروبي باحترام القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين.
ويشمل ذلك وقف التجارة مع المستوطنات، ومنع تصدير المواد التي تساعد في بنائها، ومطالبة إسرائيل بتعويضات عن تدمير مشروعات إنسانية مولتها أوروبا. كما يدعوان إلى استخدام الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل ورقة ضغط، وربط الامتيازات التجارية بالتزام حقوق الإنسان.
تأييد لافتوحظيت الخطوة البريطانية بتأييد لافت من مايكل بن يائير، المدعي العام الإسرائيلي السابق، في مقال بصحيفة فايننشال تايمز، يقول فيه إن العقوبات ليست هجوما على إسرائيل، بل تمييز بين شرعية الدولة وبين الاحتلال، معتبرا أن استمرار السيطرة على ملايين الفلسطينيين وحرمانهم من الحقوق السياسية والمدنية بلغ مرحلة لا يمكن تجاهلها.
ويشير إلى أن عنف المستوطنين، وما يصفه بتواطؤ مؤسسات الدولة، يجعلان التدخل الدولي ضروريا لتصحيح للمسار. وبحسب روايته، فإن مبالغ مالية كبيرة أُنفقت منذ انهيار عملية أوسلو على بناء المنازل والطرق والبنية التحتية في الضفة، على حساب الفلسطينيين واحتياجات داخل إسرائيل أيضا. ويرى أن الرسالة الأهم هي أن ترسيخ الاحتلال ستكون له كلفة.
عقوبات مضادةفي مقابل ذلك الموقف المؤيد، ألمح السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي إلى فرض عقوبات على بريطانيا إذا فرضت لندن عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية، لكنّ مسؤولا في البيت الأبيض قال في وقت لاحق لمراسل أكسيوس إن تصريحات هاكابي بشأن العقوبات البريطانية لم تكن منسقة مع البيت الأبيض أو وزارة الخارجية.
وقال هاكابي لبرنامج "نيوز داي" على هيئة الإذاعة البريطانية إن اتخاذ لندن إجراءات ضد إسرائيل "ستترتب عليه عواقب، وقد تعجز الشركات البريطانية عن العمل في بعض الولايات الأمريكية".
وزعم هاكابي أن العقوبات ستؤدي إلى ردود فعل على مستوى بعض الولايات الأمريكية، وقد تترك تأثيرا كبيرا في الشركات البريطانية، بل ربما تؤدي إلى منعها من ممارسة الأعمال في عدد منها.
بين المبدأ والحساباتمن جهتها، عرضت صحيفة آي بيبر البريطانية آراء أكثر انقساما حول الموضوع. ويعتبر الكاتب باتريك كوكبيرن أن العقوبات على إسرائيل ضرورة أخلاقية في مواجهة العنف والتهجير في حق الفلسطينيين، ويرفض الربط بين معارضة سياسات الحكومة الإسرائيلية ومعاداة السامية.
إعلان
في المقابل، يرى المعلق جوناثان ساسيروتي أن الخطوة البريطانية لن تحسن حياة الفلسطينيين أو تدفع جهود السلام، وأن توقيتها قد يرتبط بضغوط انتخابية داخل بريطانيا ومنافسة حزب الخضر.
وفي جميع الأحوال، فإن العقوبات البريطانية تمثل نقطة تحول في النقاش الأوروبي وتثير سؤالا مهمّا بشأن مدى قدرة لندن وشركائها، على تحويل القانون الدولي من مرجعية خطابية إلى أدوات اقتصادية ملموسة على ضوء مدى اتساع العقوبات، واستهدافها للتمويل والخدمات، وقدرة أوروبا على تنسيق موقفها.
فبينما قد يكون الأثر التجاري المباشر محدودا نسبيا، فإن الضغط على المؤسسات التي تجعل الاستيطان ممكنا يمكن أن يرفع كلفته السياسية والمالية، ويعيد رسم العلاقة بين التعاون مع إسرائيل واحترام القانون الدولي.
المصدر: الصحافة الأميركية + الصحافة البريطانية
إقرأ المزيد


