الجزيرة.نت - 9/8/2026 10:35:23 PM - GMT (+3 )
"صديقتي قالت لي إن تصرفك كان أنانيا"، "كل صديقاتي يرين أنك تبالغ"، "لو كانت صديقتي مكاني، لما قبلت بهذا أبدا".. جمل قصيرة، تبدو في ظاهرها عابرة، لكنها قد تتسلل تدريجيا إلى العلاقة الزوجية، لتأخذ موقعا في القرارات والخلافات وتؤثر بشكل غير مباشر في المشاعر اليومية.
من الطبيعي أن تتحدث الزوجة مع صديقتها المقربة عن همومها وخلافاتها، بل وفد يشكل ذلك سندا نفسيا حقيقيا في لحظات الضغط. لكن السؤال الجوهري لا يبدأ من هذه النقطة، وإنما من اللحظة التي يتحول فيها الحديث من مجرد فضفضة عابرة إلى اعتماد شبه دائم على رأي الصديقة في الحكم على الزوج وعلى مسار العلاقة كلها: متى تبقى الصديقة مستمعة وداعمة، ومتى تتحول – دون قصد – إلى طرف ثالث في العلاقة؟
من الطبيعي أن يحتاج الإنسان إلى شخص خارج العلاقة يتحدث معه حين يشعر بالغضب أو الحيرة أو الضغط؛ فالزواج لا يلغي الحاجة إلى أصدقاء موثوقين، وقد يكون اللجوء إلى شخص نثق به للحصول على وجهة نظر مختلفة دعما عاطفيا مفيدا، خاصة في لحظات الارتباك.
لكن دعم الصديقة يختلف عن منحها سلطة الحكم؛ فقولها "تحدثي معه بهدوء" أو "ربما هناك جانب لم تريه" قد يساعد على احتواء الخلاف، بينما تبدأ المشكلة حين تتحول وجهة نظرها إلى عدسة ثابتة لتفسير الزوج وتصرفاته.
عندها قد تصبح جملة مثل "زوجك لا يحترمك" حكما يفسر كل خلاف، أو"زوجك أناني" وصفا يضاف إلى كل موقف، حتى لا يعود الزوج يناقش زوجته وحدها، بل الصورة التي تكونت عنه في ذهنها بسبب صديقتها.
فى دراسة نشرت عام 2018 في مجلة "بيرسونال ريليشنشيبس" (Personal Relationships)، تمت متابعة 355 زوجا وزوجة لمدة 16 عاما، وتم رصد تصورات الأزواج حول تدخل الشبكة الاجتماعية في السنوات الأولى من الزواج.
وفقا للدراسة، ارتبط تدخل صديقات الزوجة بانخفاض في مستوى الرضا الزواجي لدى الزوجات على وجه الخصوص، وفسر الباحثون ذلك بأن النساء أكثر ميلا – مقارنة بالرجال – إلى مناقشة تفاصيل علاقاتهن مع صديقاتهن، وهو ما يجعلهن أكثر عرضة للتأثر بآراء وتعليقات الصديقات.
قد تبدأ المشكلة بمقارنة تبدو عابرة: "زوج صديقتي يساعدها في كل شيء"، "صديقتي وزوجها يسافران كل شهر"، أو "هي لا تسمح لزوجها بأن يتحدث معها بهذه الطريقة".
إعلان
ومع تكرار هذه العبارات، لا تعود تجربة الصديقة مجرد حكاية، بل تتحول تدريجيا إلى معيار تقاس به العلاقة. وقد يبدو الزواج أقل نجاحا كلما قورن بعلاقة أخرى لا نرى منها سوى ما يظهر للآخرين؛ فالهدايا والرحلات واللحظات اللطيفة لا تكشف بالضرورة طريقة إدارة الخلافات أو حجم الضغوط أو التنازلات التي يقدمها كل طرف.
وهكذا قد يجد الزوجان نفسيهما في منافسة غير معلنة مع علاقات لا يعرفان حقيقتها كاملة. لذلك، قد لا يكون السؤال الأهم: "لماذا لا يفعل زوجي ما يفعله زوج صديقتي؟"، بل: "ما الذي أحتاجه فعلا من علاقتي، وهل تحدثت عنه بوضوح مع شريكي؟".
عندما تصبح الفضفضة وقودا للخلافهناك فارق بين أن تتحدث الزوجة عن مشكلة بهدف فهمها وتجاوزها، وبين أن تعيد روايتها مرة بعد أخرى حتى تصبح أكثر حضورا في ذهنها من لحظة وقوعها نفسها.
فقد تبدأ بقول: "تشاجرنا اليوم بسبب كذا"، ثم تبدأ الصديقة في تفسير تصرف الزوج، واستدعاء مواقف قديمة، وربط تفاصيل متفرقة ببعضها، فتخرج الزوجة من الحديث وهي لا تحمل حلا بقدر ما تحمل قائمة أطول من الأسباب التي تدفعها إلى الغضب.
وقد تناولت دراسة أمريكية نشرت عام 2014 في مجلة "جورنال اوف كوميونيكيشن" (Journal of Communication)، هذا النمط من الحديث بين الأصدقاء حول العلاقات العاطفية، ووجدت أن الإفراط في إعادة مناقشة مشكلات العلاقة مع الأصدقاء ارتبط بارتفاع الشعور بعدم الإنصاف وانخفاض الرضا عن العلاقة.
وهذا لا يعني أن الفضفضة مشكلة في حد ذاتها، لكن حين يتحول الحديث من محاولة فهم المشكلة إلى إعادة تحليلها واستحضار تفاصيلها السلبية باستمرار، فقد يصبح حينها جزءا من المشكلة، بدلا من أن يكون خطوة نحو حلها.
في المقابل، لا ينبغي حصر المشكلة دائما في شخص الصديقة أو نياتها. فكثيرا ما يكون اللجوء المتكرر إلى الصديقات نتيجة لا سببا؛ أي نتيجة فراغ في التواصل بين الزوجين، أو نتيجة حاجة أحد الطرفين إلى مساحة آمنة يعبّر فيها عما يشعر به دون خوف من الحكم عليه، خاصة حين يشعر بأن شريكه لا يمنحه فرصة الاستماع الكافية داخل العلاقة نفسها.
و هنا يبرز سؤال مهم: هل نعتبر كل نصيحة خارجية مضللة بالضرورة؟ الإجابة ليست بهذه البساطة.
فالصديقة عادة ما تسمع رواية واحدة فقط للمشكلة، من طرف واحد، ولا تعيش تفاصيل العلاقة اليومية بكل تعقيداتها، وقد تسقط -دون قصد- تجربتها الشخصية في زواج مختلف تماما على وضع صديقتها.
لكن في المقابل، قد تكشف عين الصديقة أحيانا عن نمط سلوكي مؤذ أو مشكلة حقيقية لا يراها أحد طرفي العلاقة بوضوح وهو غارق في تفاصيلها اليومية.
فماذا يفعل الزوج؟الحل ليس أن يطالب الزوج زوجته بالتوقف عن الحديث مع صديقاتها، لأن ذلك قد يحول الأمر إلى صراع حول السيطرة والخصوصية، بل أن يسأل نفسه: هل المشكلة في وجود الصديقة، أم في أن رأيها أصبح حاضرا في كل خلاف؟ وهل تلجأ زوجته إليها طلبا للدعم، أم لأنها لا تجد معه مساحة كافية للحوار والإصغاء؟
وفي المقابل، من المفيد أن تسأل الزوجة نفسها قبل تبني نصيحة صديقتها: هل تناسب هذه النصيحة علاقتي فعلا، أم أنها تناسب تجربة صديقتي وظروفها فقط؟ فلكل زواج ظروفه وحدوده وتاريخه الخاص، وما يصلح لعلاقة قد لا يصلح بالضرورة لأخرى.
إعلان
في النهاية، يحتاج الزواج إلى مساحة خاصة يحتفظ فيها الزوجان بحقهما في فهم خلافاتهما واتخاذ قراراتهما معا، بعيدا عن المقارنات والأحكام الجاهزة. فقد يسمع الزوجان آراء كثيرة، لكن الصوت الأهم يظل صوت العلاقة نفسها.
إقرأ المزيد


