هل ينقلب الاقتصاد الألماني على الأحزاب التقليدية وينحاز لليمين المتطرف؟
الجزيرة.نت -

ركّز ما يعرف بـ"القضية السادسة" ضمن محاكمات نورمبرغ -التي خصصها الحلفاء بعد الحرب لتصفية إرث كبار القادة النازيين- على تداول التهم الموجهة ضد "مصانع IG-Farben" التي تحولت عام 1951 إلى شركة "Bayer AG" وتعد الآن واحدة من أضخم شركات الأدوية في ألمانيا وأوروبا.

وكان المتهم الرئيسي في "القضية السادسة" هو مدير الشركة فرتس تير مير الذي دخل تاريخ الحقبة النازية من أقبح أبوابه، حين قال في معرض الدفاع عن نفسه أمام المحكمة جملة تقشعر لها الأبدان "لم يلحق بالسجناء أي ضرر أو معاناة، لأنهم كانوا سيقتلون على أي حال" في إشارة منه إلى عمال السخرة الذين عملوا في مصانع الشركة بمعسكر الاعتقال النازي "أوسشفيتس" وتقدر أعداد المعتقلين الذين قضوا في هذا المعسكر بحوالي 30 ألف شخص.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

وحكم على تير مير بالسجن 7 سنوات وعندما أطلق سراحه، استقبل في شركة "Bayer AG" بالأحضان. وآخر مرة وثق فيها وضع الشركة إكليلا من الزهور على قبره كانت عام 2006.

وحينها علّقت منظمة مختصة في ملاحقة جرائم شركة مصانع IG-Farben" "Bayer A" على هذه الحفاوة بالقول "باير تكرّم مجرم حرب.. إكليل من الزهور لفريتس تير مير".

فريتس تير مير في 14 أغسطس/آب 1947 أمام المحكمة في نورمبرغ (أسوشيتد برس).

هذا التحدي الذي أظهره فريتس تير مير أمام محاكمات نورمبرغ والتشابك في المصالح بين الشركات الألمانية والنازيين، يدفع إلى التساؤل عن موقف الاقتصاد الألماني من السلطة تحديدا عند الحديث عن الشركات المتوسطة التي تعد العمود الفقري لأكبر اقتصاد في أوروبا.

ولكن التساؤل عن العلاقة بين الطرفين بات أكثر إلحاحا بعد النتائج التاريخية التي حققها حزب يميني متطرف في انتخابات محلية ألمانية أول أمس الأحد.

فوفقا للنتائج الرسمية لانتخابات الولاية الصغيرة سكسونيا أنهالت -التي لم يتعد ناتجها القومي المحلي عام 2025 أكثر من 1.8% من الناتج القومي المحلي الإجمالي لألمانيا- حصل الحزب اليميني المتطرف "البديل من أجل ألمانيا" على أكثر من 43% من الأصوات، متجاهلا الأحزاب التقليدية وعلى رأسها حزبا الائتلاف الاتحادي الحاكم في برلين المسيحي الديمقراطي والاشتراكي الديمقراطي.

هل بدأ موقف الاقتصاد يتغير؟

جرت العادة في الانتخابات الألمانية، أكانت عامة أو محلية، على احتكار الحزبين المسيحي الديمقراطي والليبرالي أصوات الشركات لأنها تعتبر الحزبين أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية.

إعلان

وبدأت هذه القناعة في الحملة الانتخابية، وبعد إعلان النتائج المشار إليها بدأت تتداعى، فالحزب الليبرالي أصبح في الأعوام الماضية شبه غائب عن المشهد ولم يتمكن في انتخابات الولاية من تخطي شرط الـ5% للانضمام إلى البرلمان، كما أن الحزب المسيحي الديمقراطي لم يعد يتمتع بالجاذبية التي كان يتمتع بها سابقا.

ويبدو أن ذلك يشمل الشركات المتوسطة التي تشكل جزء أساسيا من الحياة الاقتصادية بهذه الولاية وولايات أخرى، على حد قول الصحيفة الألمانية "فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ".

نجوم الحزب اليميني المتطرف (البديل) أمس في برلين (الأوروبية)

وفي المقابل، أصبح حزب "البديل" بالنسبة لكثير من أصحاب الشركات بديلا انتخابيا حقيقيا ـكما تضيف الصحيفةـ خاصة أن فعالية انتخابية نظمها اتحاد الشركات المتوسطة بولاية سكسونيا أنهالت في خضم الحملة الانتخابية (خلال يونيو/حزيران الماضي) استبعدت ممثل الحزب الليبرالي من المشاركة داعية مرشح حزب البديل أولريش سيغموند للحضور بدلا منه.

وفي هذه الفعالية، استقبل نحو 150 مديرا من أصحاب الشركات المتوسطة مرشح الحزب المتطرف بحماس كبير تحديدا عندما تعهده في خطابه بتوفير مزيد من الحرية الاقتصادية، في وقت كان مرشح الحزب المسيحي الديمقراطي في الفعالية ذاتها منهمكا في النأي بنفسه عن السياسة الاقتصادية لرئيس حزبه المستشار فريدريش ميرتس وعن الإصلاحات التي مرّرها الأخير مؤخرا بشق الأنفس وجاءت قبل كل شيء على حساب الطبقات المهمشة والناخبين البسطاء.

صحيح أن هذه الفعالية كانت ضمن أنشطة كثيرة شهدتها الحملة الانتخابية، ولكنها طرحت أسئلة حول المصالح التي تؤثر في قرارات أصحاب الشركات الانتخابية، وعما إذا كانت ولاية سكسونيا أنهالت منذ فترة طويلة تشكل جزءا من التحول السياسي نحو اليمين؟ أم أن هذه الشركات ستدافع عن الديمقراطية والتنوع؟ وما العواقب الاقتصادية التي ستترتب على الشركات بعد اكتساح حزب يميني متطرف انتخابات هذه الولاية؟

المستشار ميرتس والبحث عن الطريقة الأمثل للتعامل مع حزب يميني متطرف تزداد شعبيته كل يوم (رويترز)

أحد العوامل الحاسمة التي جعلت مشاركة مرشح حزب متهم بالتطرف في هذه الفعالية أمرا ممكنا هي السياسة الاقتصادية لحكومة المستشار، فقد رأى كثير من أصحاب الشركات ـكما تقول الصحيفةـ في ميرتس "الفرصة الأخيرة" لإحداث تحول اقتصادي حقيقي، وذلك من خلال تقليص سطوة البيروقراطية وخفض الضرائب واعتماد هياكل أكثر ملاءمة لقطاع الأعمال.

لكن ميرتس، وبسبب اضطراره أيضا إلى تقديم العديد من التنازلات لشريكه في الائتلاف، الحزب الاشتراكي الديمقراطي، لم يقدم لأصحاب هذه الشركات حتى الآن ما كانوا يتوقعونه.

بل على العكس، لأن ميرتس قبل انتخابه مستشارا شارك في تمرير ديون استثنائية بقيمة 500 مليار يورو، وفي تخفيف الشروط التي تفرضها قواعد كبح الديون، مما كان له أثر على المزاج السياسي لأصحاب الشركات المتوسطة، أو كما أوجزه أحده المشاركين في الفعالية بالقول للصحيفة إنه "ليس قريبا من حزب البديل، لكنه بعيد جدا" عن الحزب المسيحي الديمقراطي.

إعلان

يضاف إلى ذلك تفسير آخر لاقتراب أصحاب الشركات من حزب البديل يتمثل في وجود تقارب أيديولوجي بين الليبرالية الاقتصادية والسلطة، إذ كان مفكرون بارزون في اقتصاد السوق، مثل ميلتون فريدمان من أبرز مستشاري ديكتاتور تشيلي أوغستو بينوشيه، والجمعية الاقتصادية الألمانية "هايك" تحتفي كل يوم برئيس الأرجنتين خافيير ميلي وتكرمه بسبب نهجه التحرري، وفي الولايات المتحدة تتقاطع الأفكار التحررية لدى إيلون ماسك مع النهج المتسلط للرئيس دونالد ترمب، كما تضيف "فرانكفورتر ألغماينة".

وأوضح من ذلك أن الحرية الاقتصادية من جهة، وانتقاد الدولة والنخب الحاكمة من جهة ثانية، واتباع سياسة متشددة تجاه المهاجرين من جهة ثالثة، كل ذلك لا يبدو بعيدا عن بعضه بعضا، وحزب البديل يجمع بين هذه العناصر في برنامجه الانتخابي، وحقق بهذا البرنامج ما حقق وحظي بتأييد كثير من أصحاب الشركات.

علاوة على ذلك، ليست الشركات كيانات سياسية لأنها تريد بيع منتجاتها للجميع وتحقيق أعلى قدر ممكن من الأرباح، ومن ثم من المنطقي اقتصاديا أن تكون حريصة على إقامة علاقات جيدة مع الأحزاب الحاكمة، بغض النظر عن توجهاتها السياسية.

وقد أظهرت الأبحاث الاقتصادية ـوفق فرانكفورتر ألغماينه أن إقامة علاقات مع النواب والوزراء تعود عليها بالمنافع، كما يشير باحثون اقتصاديون إلى أن من يمتلك العلاقات المناسبة يستطيع التأثير في القوانين والقواعد التنظيمية كما يمكنه الحصول على عطاءات حكومية بطريقة أسهل.

صحيح أن هذه المرونة السياسية ومحاباة الأحزاب الحاكمة بغض النظر عن مواقفها الأيدلوجية لا تشمل جميع الشركات، لكن الاقتصاد ككل نادرا ما يعتبر نفسه حصنا في مواجهة السلطة.

وتنقل الصحيفة عن باحثين اقتصاديين توقعاتهم بأن تولي حزب البديل السلطة سيخلف مناخا اجتماعيا يقوم على الانغلاق بدلا من الهجرة، وإلى تفاقم النقص في العمالة المتخصصة وإلى إضعاف النمو الاقتصادي.

وعلى المدى الطويل، سيؤدي نقص العمالة أو الخروج من منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي ـكما يجهر الحزب- إلى تراجع النمو، كما تثبت ذلك تجارب سابقة في بلدان حكمتها أحزاب شعبوية.

موقف الشركات العائلية

لا تعد الشركات العائلية في ألمانيا مجرد كيانات صغيرة أو متوسطة مملوكة لعائلات، بل تشكل أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الألماني، وتشمل شركات عالمية ضخمة إلى جانب ملايين الشركات الصغيرة.

فبحسب دراسة أعدها مركز البحوث الاقتصادية الأوروبية عام 2025، فإن نحو 88% من الشركات الخاصة في ألمانيا خاضعة لسيطرة عائلية وتوظف نحو 18 مليون شخص أي حوالي 58% من العاملين بالقطاع الخاص وتحقق قرابة 48% من إجمالي إيرادات القطاع الخاص.

روسمان للمواد التجميلية والصحية من الشركات العائلية الرائدة بألمانيا (اسوشيد برس).

كل ذلك يمنح الشركات العائلية الخاصة قوة تأثير كبيرة في عالم السياسة، وهذا هو سبب الضجة التي فجرها إعلان اتحاد الشركات العائلية نهاية عام 2025 وقف العمل بما يعرف في ألمانيا بمبدأ "الجدار العازل" الذي يحظر التعامل والتعاون مع حزب البديل أو أي أحزاب يمينية متطرفة أخرى.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025 أعلنت ماري كرستينا أوسترمان دعوة مسؤولين في حزب البديل للمشاركة في فعالية للاتحاد، ورفع الحظر عن التعامل مع الحزب.

وعزت المسؤولة هذا القرار حينها بالقول إن عزل الحزب بغض النظر عن مواقفه لم ينفع، وبدلا من ذلك ارتفعت شعبيته مما يتطلب مواجهته سياسيا واقتصاديا من خلال مناقشة أفكاره وبرنامجه الاقتصادي.

ولكن هذا الاتحاد لا يمثل بكل تأكيد جميع الشركات العائلية في ألمانيا، فوفق تقديرات الموقع الألماني الناطق باسم القناة التلفزيونية الأولى "تاغسشاو" (إيه آر دي) يوجد في ألمانيا نحو 3 ملايين شركة عائلية.

إعلان

صحيح أن اتحاد الشركات العائلية المشار إليه يقول إن نحو 6500 شركة أعضاء فيه، ويصف نفسه بأنه "صوت الشركات العائلية في ألمانيا" مؤكدا أنه يمثل مصالح نحو 180 ألف شركة، إلا أن كيانات اقتصادية أخرى مثل "مؤسسة الشركات العائلية والسياسة" -التي تضم ما بين 600 و700 شركة متوسطة وكبيرة- لا ترى أي جدوى في التعامل مع حزب البديل.

وتعزو المؤسسة قرار عدم التعاون مع أحزاب يمينية متطرفة بالقول إن برنامج "البديل" قد يهدد نموذج الشركات العائلية الألمانية، خصوصا أن الشركات الكبرى المنخرطة فيها تعتمد على الأسواق المفتوحة والتجارة الحرة واستقدام العمالة الماهرة من الخارج.

كما لا تزال غالبية الاتحادات الاقتصادية وكبار الباحثين الاقتصاديين والشركات بعيدة عن حزب البديل أو تنتقده، بحسب موقع "تاغسشاو".

ويظهر الخلاف بصورة أوضح عند المقارنة بين المستويين الاتحادي والمحلي، ففي الولايات والبلديات قد تضطر بعض الشركات والغرف التجارية إلى التواصل مع ممثلي حزب البديل، بحكم وجوده في البرلمانات المحلية. أما على المستوى الاتحادي، فلا تزال معظم المؤسسات الاقتصادية تتجنب تحويل هذه الاتصالات إلى تعاون رسمي.

وفي المحصلة، لا يبدو أن الاقتصاد الألماني يتجه ككتلة واحدة نحو اليمين المتطرف، لكنه يشهد تصدعات واضحة في العلاقة التقليدية التي ربطته بالأحزاب الحاكمة.

وبينما يدفع الغضب -من استشراء البيروقراطية وارتفاع أسعار الطاقة وضعف النمو- بعض أصحاب الشركات إلى النظر إلى "البديل" باعتباره بالفعل بديلا للأحزاب التقليدية، تحذر قطاعات واسعة من أن سياساته قد تهدد الاقتصاد، ليبقى السؤال المشروع: هل ستدفع الأزمة الاقتصادية التي تعيشها ألمانيا واقتصادها إلى التقارب مع قوة سياسية صاعدة تتهم بالتطرف أم أن مصالحها ستجعلها نهاية المطاف خط دفاع أول عن نموذج اقتصادي وصفه أهل الشأن قبل عقود بـ"المعجزة الاقتصادية الألمانية"؟



إقرأ المزيد