الجزيرة.نت - 9/8/2026 5:10:10 PM - GMT (+3 )
Published On 8/9/2026
كان طول رأس روري بوتر أكثر من المعتاد منذ أيامه الأولى، وهو ما أثار قلق والديه بعد ولادته في أبريل/نيسان 2025. وبعد الفحوص، تبين أن الطفل البريطاني مصاب بحالة شديدة من التحام عظام الجمجمة المبكر، لكن علاجه هذه المرة بمثابة سابقة طبية عالمية.
فعندما بلغ روري نحو خمسة أشهر، خضع في مستشفى غريت أورموند ستريت للأطفال في لندن لعملية استُخدمت فيها، للمرة الأولى على طفل في العالم، نوابض مصنوعة من معدن يتمتع بخاصية "المرونة الفائقة"، بهدف إعادة تشكيل جمجمته تدريجيا.
وأُنفق أكثر من مليون جنيه إسترليني على أبحاث هذه التقنية. وأعلن مستشفى غريت أورموند ستريت تفاصيل العملية في 8 سبتمبر/أيلول 2026.
شُخّص روري، الذي ينحدر من ديربيشاير، بمرض التحام الدروز السهمي المبكر (Sagittal craniosynostosis)، وهي حالة تلتحم فيها إحدى وصلات عظام الجمجمة قبل أوانها.
ويؤدي ذلك إلى نمو الجمجمة في اتجاه غير طبيعي، فتبدو أطول من الأمام إلى الخلف وأضيق من الجانبين. وفي الحالات الشديدة، قد تحد هذه المشكلة من المساحة المتاحة لنمو الدماغ.
ويشير مستشفى غريت أورموند ستريت إلى أن العلاج المعروف باسم رأب الجمجمة بمساعدة النوابض يعتمد منذ نحو 20 عاما على نوابض من الفولاذ المقاوم للصدأ. وتوضع النوابض بعد إجراء شقوق في عظام الجمجمة، ثم تدفع العظام تدريجيا إلى الخارج، مما يساعد على تكوين عظم جديد ويزيد المساحة داخل الجمجمة.
لكن هذه الطريقة لا تعطي النتيجة المثلى في بعض الحالات الشديدة، لأن الأطباء لا يملكون الدرجة نفسها من التحكم في القوة التي تطبقها النوابض على الجمجمة، وقد يحتاج الطفل حينها إلى عملية إضافية، وفقا للمستشفى.
هنا جاءت الفكرة الجديدة. بدلا من استخدام النوابض الفولاذية التقليدية، طوّر فريق من جراحي مستشفى غريت أورموند ستريت ومهندسي كلية لندن الجامعية (UCL) نوابض من النيتينول، وصمموها بحيث تتكيف بصورة أكبر مع نمو جمجمة الطفل.
إعلان
ولا يضع الأطباء نابضا جاهزا في الجمجمة، بل يصممونه لكل طفل على حدة. ويبدأ الفريق من صور الأشعة المقطعية للجمجمة، ثم يبني نموذجا رقميا ثلاثي الأبعاد يحاكي استجابتها للعملية.
وبعد ذلك تحدد النمذجة مقدار القوة المطلوبة ومكان تطبيقها، قبل تصنيع النوابض المناسبة للحالة. ويقول المستشفى إن عملية النمذجة تستغرق نحو يوم واحد.
أما العملية نفسها، فتستغرق أقل من ساعة، وفق المستشفى، مقارنة بوقت العمليات السابقة الذي كان أطول. وبعد تركيب النوابض، تبقى في مكانها لأسابيع أو أشهر، بينما تدفع عظام الجمجمة تدريجيا نحو الشكل المطلوب.
بالنسبة إلى روري، استغرقت عملية تركيب النوابض نحو 45 دقيقة في سبتمبر/أيلول 2025. ولم يحتج الطفل إلى إقامة طويلة في المستشفى، إذ بقي ليلة واحدة للمراقبة، ثم عاد إلى منزله بينما واصلت النوابض عملها تدريجيا.
وبعد 9 أسابيع، عاد روري إلى المستشفى لإزالة النوابض بعدما وصلت جمجمته إلى الشكل المطلوب، بحسب مستشفى غريت أورموند ستريت.
وبعد مرور عام تقريبا على العملية، يقول المستشفى إن روري يعيش حياته بصورة طبيعية، ويلعب مع شقيقه الأكبر وكلب العائلة. وقالت والدته جو بوتر إن ابنها أصبح "سعيدا ومفعما بالطاقة"، وإن من يراه اليوم قد لا يعرف ما مر به.
ورغم وصف العملية بأنها "سابقة عالمية"، فإن الجديد ليس في فكرة استخدام النوابض لإعادة تشكيل الجمجمة نفسها.
فالنوابض الفولاذية مستخدمة في هذا النوع من العمليات منذ نحو عقدين، وهي تقنية طوّرها مستشفى غريت أورموند ستريت بالتعاون مع كلية لندن الجامعية. الجديد هو استخدام نوابض النيتينول فائقة المرونة والمصممة بالاعتماد على النمذجة الحاسوبية لكل طفل.
ويقول البروفيسور أوواس جيلاني، جراح الأعصاب في المستشفى وأحد المشاركين في تطوير التقنية، إن النوابض الفولاذية التقليدية متينة، لكنها لا تتيح دائما ضبط القوة المؤثرة في الجمجمة بدقة كافية، بينما تمنح نوابض النيتينول الفريق مرونة أكبر، وقد تساعد في بعض الحالات على تجنب الحاجة إلى عملية إضافية.
تقنية واعدة لكنها لم تصبح علاجا روتينياورغم النتيجة الإيجابية التي حققتها العملية مع روري، لا تزال التقنية الجديدة في بدايتها. فمستشفى غريت أورموند ستريت يوضح أن استخدام نوابض النيتينول يحتاج حاليا إلى موافقة فردية من هيئة تنظيم الأدوية والأجهزة الطبية البريطانية (MHRA) لكل مريض، لأن التقنية جديدة، فيما يعمل الفريق على بحث إمكانية إتاحتها لعدد أكبر من الأطفال.
وقد جاء تطوير هذه التقنية نتيجة سنوات من التعاون بين الجراحين والمهندسين، بقيادة جراح الأعصاب أوواس جيلاني من مستشفى غريت أورموند ستريت والبروفيسورة سيلفيا شيفانو وفريق الهندسة الطبية الحيوية في كلية لندن الجامعية.
وهكذا، لم تكن قصة روري مجرد عملية لتعديل شكل الجمجمة، بل أول اختبار سريري لتقنية تحاول أن تجعل الجراحة أكثر دقة وتخصيصا، إذ تُصمم القوة التي ستؤثر في الجمجمة وفقا لخصائص كل طفل، بدلا من الاعتماد على نابض واحد يناسب الجميع.
إعلان
إقرأ المزيد


