الجزيرة.نت - 9/8/2026 2:27:54 PM - GMT (+3 )
قبل أقل من ستة عقود، لم تكن البادل أكثر من مجرد فكرة ولدت في فناء منزل على ساحل أكابولكو المكسيكي. اليوم، يقدّر الاتحاد الدولي للبادل (FIP) عدد ممارسيها بنحو 38 مليون لاعب في 178 دولة وإقليم، يمارسون اللعبة في 85 ألف ملعب و27 ألف نادٍ، فيما تضم مظلته 100 اتحاد وطني.
هذا النمو السريع لم يغيّر شعبية اللعبة فحسب، بل أعاد تشكيلها أيضًا؛ فمن تسلية اجتماعية محاطة بالجدران، تطورت البادل إلى رياضة احترافية ذات جولة عالمية ونجوم وتصنيفات وملايين المتابعين، وبدأت تخطو بثبات نحو حلم الظهور في الألعاب الأولمبية.
بدأت الحكاية عام 1969، حين واجه المكسيكي إنريكي كوركويرا مشكلة بسيطة، تتمثل في صغر مساحة فناء منزل بمنطقة لاس بريساس في أكابولكو لإنشاء ملعب تنس أرضي كامل. فاختار ملعبًا أصغر، بطول 20 مترًا وعرض 10 أمتار، تحيط به جدران ارتفاعها ثلاثة أمتار، ووضع شبكة في المنتصف.
لم يكن يدرك إنريكي أن تلك القيود المكانية ستتحول إلى جوهر لعبة جديدة. وكتبت زوجته فيفيانا أول قواعدها وقدمتها إليه هدية في عيد ميلاده.
وفي أوائل السبعينيات شاهد الأمير ألفونسو دي هوهنلوه اللعبة في منزل كوركويرا، فأخذها إلى نادي ماربيا في إسبانيا. ومن هناك انتقلت إلى الأرجنتين على يد خوليو مينديتيغوي، لتصبح إسبانيا والأرجنتين لاحقًا القوتين التاريخيتين للبادل.
ثم جاء تحول تقني هام عام 1989، عندما قدم المدرب خورخي غاليوتي أول ملعب زجاجي قابل للفك والنقل، وعُرف باسم "القصر الزجاجي" (Crystal Palace). ولم يكن الزجاج مجرد تغيير في شكل الملعب، بل أتاح نقل ملاعب البادل إلى المدن والصالات والبطولات، وجعل اللعبة أكثر ملاءمة للعروض الجماهيرية والبث التلفزيوني.
وفي 12 يوليو/تموز 1991 تأسس الاتحاد الدولي للبادل في مدريد بمبادرة اتحادات الأرجنتين وإسبانيا وأوروغواي، ثم أقيمت أول بطولة للعالم في مدريد وإشبيلية عام 1992.
إعلان
ومع اتساع قاعدة الممارسين بدأت مرحلة الاحتراف؛ فانطلقت الجولة العالمية للبادل (World Padel Tour) عام 2013، وظلت الواجهة الرئيسية للعبة حتى 2023. لكن في عام 2022 ظهرت جولة "بريميير بادل" العالمية (Premier Padel)، قبل أن تستحوذ قطر للاستثمارات الرياضية على أصول أعمال الجولة العالمية السابقة، وتتوحد المنظومتان منذ 2024 في جولة عالمية واحدة تحت إشراف الاتحاد الدولي.
وهكذا قطعت البادل، بين 1969 و2026، الطريق من ملعب داخل منزل في أكابولكو إلى رياضة تضم 100 اتحاد وطني ونحو 38 مليون لاعب.
والأهم أن الانتشار لم يعد محصورًا في معاقلها التقليدية. فبحسب التقرير العالمي للاتحاد الدولي، استحوذت أوروبا في 2025 على نحو 61.3% من ممارسي البادل عالميًا، فيما قال الاتحاد في تحديث صدر في يونيو/حزيران 2026 إن النساء أصبحن يقاربن نصف إجمالي الممارسين. أما إسبانيا فسجلت وحدها 109 آلاف و40 رخصة لاعب في 2024، ونحو 17 ألف ملعب.
الجدران جزء من اللعبةتبدأ خصوصية البادل من ملعبها. فبحسب قواعد الاتحاد الدولي السارية منذ يناير/كانون الثاني 2026، تبلغ أبعاد الملعب 20 مترًا طولًا و10 أمتار عرضًا، ويتوسطه حاجز شبكي، فيما يقع خط الإرسال على بعد 6.95 أمتار من الشبكة.
لكن الفارق الأبرز عن التنس أن الملعب مغلق، ويبلغ ارتفاع الجدار الخلفي ثلاثة أمتار تعلوه شبكة معدنية حتى أربعة أمتار. والجدار هنا ليس مجرد حد للملعب؛ فبعد أن ترتد الكرة أولًا داخل أرض المنافس، يمكنها أن تصطدم بالجدار أو السياج وتظل في اللعب، وهو ما يصنع جانبًا كبيرًا من هوية البادل التكتيكية.
أما المضرب فصلب، بلا أوتار ومثقّب، ولا يتجاوز طوله 45.5 سنتيمترًا وعرضه 26 سنتيمترًا وسماكته 38 مليمترًا، مع إلزام اللاعب باستخدام حبل أمان حول المعصم. وتزن الكرة بين 56 و59.4 غرامًا، ويتراوح قطرها بين 6.35 و6.77 سنتيمترًا.
وتُخاض المنافسات الرسمية أساسًا بنظام الزوجي. ويبدأ الإرسال بعد ارتداد الكرة على الأرض، على أن تضرب عند مستوى الخصر أو أدنى منه وفي اتجاه قطري، ويملك اللاعب محاولتين للإرسال.
ويحافظ احتساب النقاط على البناء المألوف في التنس: 15 ثم 30 ثم 40، ويحسم الزوج المجموعة عند ستة أشواط بفارق شوطين، مع اللجوء إلى شوط فاصل عند التعادل 6-6، فيما تُلعب المباراة عادة من ثلاث مجموعات.
وفي 2026 بدأ تطبيق نظام "النقطة النجمية" (Star Point) في جولة بريمير بادل، وجولة الاتحاد الدولي، ومساري الناشئين والهواة. فعندما تصل النتيجة إلى التعادل 40-40، تُتاح فرصتان متتاليتان للأفضلية؛ فإذا عاد التعادل بعدهما، تُلعب نقطة حاسمة واحدة تنهي الشوط. ويهدف النظام إلى الحد من امتداد الأشواط وجعل زمن المباريات أكثر قابلية للتوقع، ولا سيما لأغراض البث.
لذلك لا تقوم البادل الحديثة على قوة الضربة وحدها؛ فاللاعب يحتاج إلى قراءة ارتداد الكرة عن الزجاج، وحسن السيطرة على منطقة الشبكة، والتفاهم الدقيق مع شريكه، وإدارة المساحات والكرات الهوائية والضربات الساحقة.
نجوم صنعوا شعبية اللعبةتتصدر جولة بريمير بادل العالمية اليوم هرم المنافسة الاحترافية، وتنقسم بطولاتها إلى البطولات الكبرى، وبطولات الفئتين الأولى والثانية، إلى جانب النهائيات، للرجال والسيدات.
إعلان
وفي موسم 2026 يضم الجدول الرسمي الحالي 25 بطولة في 17 دولة، بعد تعديلات طرأت على الروزنامة خلال الموسم. وتبلغ الجوائز في بطولة كبرى مثل روما نحو 1.045 مليون يورو، مقابل قرابة 479 ألف يورو لبطولات من الفئة الأولى، ونحو 264.5 ألف يورو في بطولات من الفئة الثانية مثل بروكسل وبلد الوليد.
وتحت القمة تأتي جولة "كوبرا" التابعة للاتحاد الدولي للبادل بوصفها مسارًا دوليًا للصعود، بينما تتنافس المنتخبات في كأس العالم للبادل، التي تضم في 2026 ستة عشر منتخبًا للرجال ومثلها للسيدات، وتبلغ جوائزها 1.2 مليون يورو موزعة بالتساوي بين الجنسين.
كما انطلقت في 2025 بطولة العالم للبادل للزوجي بجوائز تجاوزت مليون يورو. أما الجولة العالمية السابقة، التي حكمت المشهد الاحترافي بين 2013 و2023، فأصبحت جزءًا من التاريخ بعد توحيد المسابقات. ويجب هنا التمييز بينها وبين رابطة لاعبي البادل المحترفين (PPA)، وهي رابطة تمثل اللاعبين الرجال وليست بطولة أو جولة منافسات.
وفي قمة التصنيف الرجالي، يتقاسم الإسباني أرتورو كوييو والأرجنتيني أغوستين تابيا المركز الأول حتى 7 سبتمبر/أيلول 2026، بعدما أصبحا الزوج الأبرز في الحقبة الحالية، وقد أحرزا معًا ثمانية ألقاب في جولة بريمير بادل هذا الموسم. وفي السيدات تتشارك الإسبانية جيما ترياي والأرجنتينية دلفينا بريا الصدارة.
لكن الاسم الذي صنع المعيار التاريخي للعبة يبقى الأرجنتيني فرناندو بيلاستيغين؛ فقد ظل المصنف الأول عالميًا 16 عامًا، وحصد 230 لقبًا قبل اعتزاله في ديسمبر/كانون الأول 2024.
كما ظل خوان مارتن دياز، بالشراكة مع بيلاستيغين، في صدارة العالم 13 موسمًا متتاليًا، فيما تعد الإسبانية أليخاندرا سالازار من أبرز اللاعبات في تاريخ البادل، برصيد 59 لقبًا وسبعة ألقاب في بطولة العالم مع المنتخب الإسباني.
مصر في الصدارة.. أبرز لاعبي البادل العرب عالميًاتكشف تصنيفات الاتحاد الدولي للبادل في 7 سبتمبر/أيلول 2026 عن أفضلية مصرية واضحة على الساحة العربية. ويتقدم جورج واكيم قائمة اللاعبين العرب باحتلاله المركز 245 عالميًا برصيد 172 نقطة، بعدما سبق له بلوغ المرتبة 223، فيما يأتي المغربي محمد العلمي في المركز 348، ثم المصريان علي زغلول ويوسف حسام في المركزين 358 و362. ويمتلك حسام واحدة من أبرز القمم التصنيفية للاعب عربي، إذ وصل سابقًا إلى المركز 132 عالميًا، كما أحرز بطولة برونزية تابعة للاتحاد الدولي في المنامة عام 2025. ويتكرر التفوق المصري في منافسات السيدات؛ إذ تتقاسم ليلى النمر ومورا حكيم المركز 218 عالميًا، بعدما بلغت الأولى المركز 151 والثانية 162 في أفضل تصنيف لهما، بينما تبرز السعوديتان العنود يماني وأريج خليل فاره ضمن أبرز اللاعبات الخليجيات. أما تاريخيًا، فيحتفظ القطري محمد سعدون الكواري بمكانة بارزة بين رواد اللعبة عربيًا، بعدما وصل إلى المركز 132 عالميًا.
ويتجاوز الحضور المصري حدود التصنيف الفردي؛ إذ توج منتخب مصر بالنسخة الأولى من البطولة العربية للبادل عام 2023 على حساب الكويت، في مؤشر إلى امتلاكه حاليًا القاعدة التنافسية العربية الأوسع، بالتوازي مع صعود ملحوظ للعبة في المغرب وقطر والسعودية ودول الخليج.
لعبة تبني مستقبلهالم يعد تطوير لاعب البادل مقتصرًا على تعليم الضربات. ففي 2026 بدأ تشغيل أكاديمية الاتحاد الدولي للبادل (FIP Academy) لوضع معيار عالمي لتأهيل المدربين والحكام، بالتوازي مع الاستفادة من تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، وتعليم المدربين كيفية قراءة بيانات التدريب والتعافي والراحة والمؤشرات الفسيولوجية.
وتواكب الصناعة التجارية هذا النمو؛ فقد ارتبطت جولة بريمير بادل بعلامات وشركات عالمية، ووصل بثها في 2026 إلى أكثر من 244 إقليمًا. وكانت منصة "بلايتوميك" (Playtomic) قد أفادت، عند إعلان شراكتها مع الجولة في 2024، بأنها تضم أكثر من مليون مستخدم نشط شهريًا ونحو خمسة آلاف نادٍ في أكثر من 52 دولة.
الحلم الأولمبيلم يخلُ الصعود المتسارع من الأزمات. ففي 2025 قاطع معظم كبار لاعبي الرجال بطولتي خيخون وكانكون احتجاجًا على تغييرات تتعلق بنقاط التصنيف وحجم الجداول ومشاركة اللاعبين في اتخاذ القرار، قبل أن تعلن جولة بريمير بادل اتخاذ إجراءات قانونية ضد رابطة اللاعبين المحترفين وبعض اللاعبين على خلفية المقاطعة.
إعلان
وفي المقابل، تحرك الاتحاد الدولي لتعزيز البنية المؤسسية للعبة؛ فأصبح في يوليو/تموز 2026 طرفًا موقعًا على المدونة العالمية لمكافحة المنشطات التابعة لـالوكالة العالمية لمكافحة المنشطات (WADA)، بعد عامين من التعاون مع الوكالة الدولية للاختبارات (ITA)، في خطوة مهمة لتعزيز النزاهة ودعم مسار الاعتراف الرياضي الدولي.
وحتى سبتمبر/أيلول 2026، لم يدخل البادل جدول الألعاب الأولمبية، كما أنها ليست مدرجة في برنامج أولمبياد لوس أنجلوس 2028. لكنها سجلت حضورها كرياضة ميدالية في الألعاب الأوروبية 2023، وظهرت للمرة الأولى في ألعاب البحر المتوسط في تارانتو 2026، فيما تأكد إدراجها رياضة ميدالية في الألعاب الآسيوية في آيتشي-ناغويا، المقررة بين 19 سبتمبر/أيلول و4 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
وبعد أن نجحت اللعبة في نشر ملاعبها وجذب الملايين، يبدو التحدي المقبل أكثر تعقيدًا، وهي أن تحوّل الانتشار إلى عمق تنافسي خارج الهيمنة الإسبانية-الأرجنتينية، وأن تحقق استقرارًا في الحوكمة، وتبني اقتصادًا يمول قاعدة الهرم لا نجوم قمته فقط. وحينها قد يصبح الحلم الأولمبي واقعا.
إقرأ المزيد


